لم التقه يوما على الرغم من أنني أكتب في هذه الصحيفة منذ العام 2008، لكن علاقتي به ترجع الى سنين طوال كغالبية العراقيين. فالرجل كان قلبه على العراق أرضا وشعبا وتاريخا وحضارة ودورا قوميا، كما العراق معلق قلبه بفلسطين، والذي سال دمه من أجلها الاف المرات، ووهب ماله الى شعبها ومقاومتها بلا منة، ودكت صواريخه محتليها الذين كانوا الد أعداء العراق.
كنا نحن العاملين في الحقل الدبلوماسي نقيم الصحف العربية المهاجرة في العواصم الاوروبية المهمة ورؤساء تحريرها، من خلال أعمدتهم الصحافية ومقابلاتهم التلفازية وحواراتهم في الجامعات ومراكز الابحاث، بعد كل تطور سياسي مهم يشهده العراق، نقيم فيهم من هو الصديق الدائم للسياسة العراقية، ومن هو العدو المحتمل، لكننا لم نضع يوما صحيفة ‘القدس العربي’ والسيد عبدالباري عطوان في صف الاعداء المحتملين لصانع القرار السياسي العراقي، على الرغم من أن الرجل لم يكن مهللا ومكبرا لقادة العراق أنذاك، ولا منتظراً على الابواب يسأل الحاجب مالاً كانت صحيفته في أمس الحاجة اليه.
كان تقييمنا أنه صديق دائم، لانه لم يكن من أصحاب السياسة، بل من أصحاب المبادئ، وأسهل شيء لاي مراقب أو باحث أن يتعامل أو يقيم أصحاب المبادئ لانهم شفافون.
العاملون في الحقل الصحافي من أصحاب السياسة يحملون مع أقلامهم مقياسا ‘سنتميتريا’ يقيسون به عدد الاسطر والكلمات التي يكتبونها في صحفهم لتبجيل هذا الحاكم أو ذاك الزعيم، كي يتحاسبوا في نهاية الشهر على الاتعاب مع المكتب الصحافي لذلك المسؤول، وتسعيرتهم تختلف حسب صفوف القادة وأهميتهم، فالمديح للحاكم يختلف سعره عن مديح الامير والوزير وقادة الصف الخامس والعاشر. امكاناتهم معروفة في فن التلاعب باللغة والمصطلحات، وتحويل الهزيمة الى نصر والظلم الى حزم، والسرقة الى استثمارات والفقر الى تنمية والجهل الى عبقرية. كما هم بارعون في التعلّق بموكب الزعيم عند السفر الى الخارج والتجوال في دول العالم، لتغطية سفراته وتقديمه الى شعبه على أنه زعيم عالمي لا يشق له غبار، كما لا تفوتهم فرصة المشاركة في المهرجانات التي يقيمها الزعيم في الداخل، مركزين على كلماته ونظراته وابتساماته، كي يصنعوا له تواضعاً كاذباً وحياة بسيطة أقرب ما تكون الى حياة بدوي في عمق الصحراء العربية.
ومع كل هذه المواهب والصفات التي يمتلكونها فانهم يحتفظون دوما بمهارة التخلي عن الحاكم في أية لحظة يرون فيها أنه لم يعد قادرا على تسديد فاتورة الكلمات والاسطر التي يكتبونها في صحفهم، فينقلون قلمهم من هذه اليد الى يد أخرى قادرة على الدفع، فلن تدخل في حساباتهم الاوطان والامة ومصير الشعوب. انهم أقلام مؤجرة حتى حين.
أما الحاملون قلم المبادئ فعلى العكس من ذلك تماماً، مداد أقلامهم هو دماؤهم التي لا يوجد أغلى منها، لكنهم يسفحونها يوميا على صفحاتهم. تستطيع أن تلمس وجعهم على الوطن والامة بوجع الكلمات التي يستخدمونها والمصطلحات الخاصة بهم وحدهم. تشم رائحة احتراق أعصابهم من عناوين مقالاتهم، وترى بوضوح ملامح الهم العام في وجوههم وملابسهم، انهم متحررون من عبودية العقد المادي بينهم وبين الحاكم، لذلك هم صادقون في كتاباتهم ملتزمون بشرف الكلمة، بعد أن تعاقدوا مع الامة على وضع جهدهم في خدمتها. تشخيصهم للحال تصويبة صياد ماهر، ووضعهم الحلول للنهوض بالامة ببراعة حكيم زاهد.
يسمون الاشياء بأسمائها فيصفون الحاكم بالديكتاتورية والاستبداد وينعتونه بكل الصفات الشريرة ان هو كذلك، لكنهم لن يكونوا أبدا من دعاة تسليمه الى الاجنبي، أو تسليط الغزاة على الشعب والوطن بحجة اقتــــلاعه، فالاوطان لديهم مقدسة، ان مُست فليس بعدها الا الخراب، والشعوب ان أهينت بالاقدام الهمجية فتلك أم الكبائر، والحكام دوما لديهم ليسوا هم الوطن. قد يجوعون فيظهرون على الفضائيات بنفس البدلة وربطة العنق مئات المرات، لكنهم دائما يحملون الجديد في أفكارهم، وما لا يستطيع غيرهم التعبير به، وعباراتهم عتاد مدفع تصيب الهدف وتقتل بالحق.
الان يمكن أن نسأل أين نجد عبدالباري عطوان من كل هذا الذي تقدم؟ ستجدون الجواب بسيطا جدا في تاريخ ‘القدس العربي’ الصحيفة، التي ارتبط تاريخ الرجل بها وارتبطت به، كما ستجدونه في اللقاءات التي كانت تجريها معه الفضائيات العربية والاجنبية عقب كل حدث تمر به الامة العربية، وفي محاضراته وحواراته في الجامعات ومراكز البحث، وفي حركة أصابعه وفي دفق الكلمات اللكمات التي تنطلق من لسانه. كمواطن عراقي وجدته في كل القضايا التي مرت على العراق صاحب قلم واحد، لم ينظر الى خزينة العراق ان كانت مملوءة كي يلين خطابه، ولم ينظر الى خزينة العراق ان كانت خاوية كي يُغلّظ خطابه فيداعب أعدائه ويستدر منهم المال، وكل ما قاله وحذر منه كي لا يضيع العراق قد حصل.
يقينا أنه لم يكن عرّاف سياسة، لكنه كان صاحب ضمير، وأصحاب الضمائر الحية يرون الاشياء بضمائرهم لا بعيونهم، لذلك بعث الشهيد صدام حسين وهو على بعد مسافة قصيرة من حبل المشنقة التحيات اليه، مباركا له جهده في خدمة الامة وقضاياها التي مازال فيها الخير مادام عبدالباري باقيا على وفائه لها. قال ذلك في حقه على الرغم من أن الرجل لم يكن مداحاً له.
وكمواطن عربي فقد وجدت الرجل مقاتلا صلبا في كل الساحات العربية، مدافعا لا يلين عن كل القضايا المزمنة والطارئة التي مرت بها الامة، وفي كل مرة يضع أصبعه على الجرح بالضبط لانه لا يعرف المجاملة، لانه رجل مبادئ. سألني يوما أخ من عرب الخليج قائلا، لماذا تكتب في صحيفة تعاني من فقر الدم المزمن، يعني بها صحيفة ‘القدس العربي’؟ دعني أجد لك مكاناً في أحدى الصحف العربية المتعافية في بريطانيا كي تكتب فيها. عاد لي بعد أيام ليقول بأنهم ما أن سمعوا باسمك حتى قالوا هذا ‘عطواني’ أي أنه يكتب في صحيفة عبدالباري عطوان. قلت ذلك يعني أنني أسلك نفس طريق الالتزام الذي يسير فيه هذا الرجل.
‘ باحث سياسي عراقي