كما أحبُّ وأفتخر بفلسطين وسوريا وسائر الأقطار العربيّة من المحيط إلى الخليج، فأنا أحبّ وأفتخر بشعب مصر المحروسة بشكل خاصّ! لماذا؟ إنّه حب لا تتّقد ناره مع لهيب الأزمات والثورات وتفاقمها، وينطفئ مع خمودها. إنّه حبّ يفيض كلّما نبض قلب النيل.
أحبّ المحروسة ليس فقط لأنّي شربت مرات عديدة من مياه نيلها فتحققت نبوءة الحنين والاشتياق لتكرار زيارتها وتثبيت عشقها في نفسي. ولا أحبّ المحروسة فقط لأنّ أهلها لا يعرفون النكد رغم الظروف العصيبة والصعبة التي عاشوها ولا زالوا، ففي عزّ الأزمات يخلقون النكتة وروح الدعابة والمرح. ولا أحبّ مصر المحروسة فقط لأنّها رمز الحضارة والعراقة والتاريخ والعروبة.
لا أحبّ المحروسة فقط لأنّها أمّ المعابد والقلاع والمآذن والكنائس. ولا لأنّها فقط أرض الكنانة ومهد الأنبياء.
فالمحروسة كبيرة، وأكبر من أن يخطّها ويصفها قلمي المتواضع. لذلك لن أتعبكم أكثر وسأكشف لكم السرّ الحقيقي في حبّي للمحروسة. هناك العديد من العائلات الفلسطينية داخل الخط الأخضر تنحدر جذورها وأصولها إلى مصر ، يسكنون في أم الفحم، الناصرة، الطيبة، عارة وعرعرة، كفر قرع، وغيرها. وأفتخر بأنّ أجدادي قد قدموا من مصر في عام 1831 أثناء حملة إبراهيم باشا إلى فلسطين.
نعم أنا فلسطينية الهوى والمنشأ، مصرية الجذور، وأحلم بالياسمين الشاميّ. نعم فكما أفتخر بالشعب الفلسطيني، أفتخر بشعب المحروسة، وكما أقلق لمعاناة طفل فلسطيني فأنا أقلق لمعاناة أطفال الشام وأطفال المحروسة، وكما أفرح لفرح طفل فلسطيني وشاميّ أفرح وابتسم لبسمة أطفال المحروسة.
عندما يهتف أبناء المحروسة تتحرّك الدماء في عروقي، ألتصق في الشاشة، وأشعر أنّني في الميدان. وعندما تسيل قطرة دم واحدة بين أبناء الشعب الواحد، أهتف: يا الله أحرسها واحرس شعبها الطيّب البشوش. وكما أتمنّى أن يعيش كل طفل فلسطيني بكرامة وينعم بالحرية، أتمنى ذلك أيضا لأطفال المحروسة ولأطفال سورية، ولأطفال العرب.
بعد هذه الافتتاحية التعريفية الطويلة نسبيّا، وبحقّ هذه الجذور العربية والمصرية التي انتمي إليها، أتساءل، ما هو الذنب الذي اقترفته فتيات المنصورة حتّى يعدن جثثا هامدة إلى ذويهن؟ لقد هزّني ولازمني الحزن بعد هذه المجزرة البشعة التي استشهدت فيها الفتيات الثلاث اللواتي سقطن بالرصاص الحيّ في العشرة الأوائل من شهر الرحمة والذي تصفد به الشياطين. وسيبقى قتل هؤلاء الفتيات وصمة عار في جبين من نفذّ هذه الجريمة.
فهل هذه هي الديمقراطية التي تنتظرها مصر؟ وهل الديمقراطية لا تليق بنا؟ وهل هذه هي النتائج المترتبة على التظاهرات والاحتجاجات بغض النظر عن تعدد الآراء واختلاف وجهات النظر. شابّات سقطن ضحايا بسبب تدني المستوى الأخلاقي لمرتكبي هذه الجريمة البشعة التي تهدف إلى الترهيب وزرع بذور الخوف والفتنة في نفوس المواطنين الأبرياء.
قبل أقلّ من أسبوعين استيقظنا على مذبحة وقعت في صلاة الفجر بمصر، واستشهد بها العشرات من المصلين أمام دار الحرس الجمهوري المصري للقوات المسلحة المصرية، تلك المذبحة التي عادت بنا كعرب وفلسطينيين لعشرات السنين للوراء لذكريات أليمة كان بطلها ومنفذها باروخ غولدشتاين عندما ارتكب مذبحته لمصلّين أثناء تأديتهم صلاة الفجر في شهر رمضان، فيتشابه الألم، وتفتح الجروح من جديد، ولكن الجزار مختلف، فقابيل يقتل هابيل في واقعة مصر، ويبقى ظلم ذوي القربى أشدّ مضاضة على المرء.
الأمر الصعب والمؤلم في مجزرة المنصورة هو الهروب من مسؤوليتها من خلال إلقاء الأطراف المختلفة التهم واللوم على بعضها البعض، فحركة 6 إبريل تُحمّل الإخوان مسؤولية الزج بمؤيديها إلى ‘ التهلكة’ والإخوان يحمّلون مسؤولية هذه المجزرة إلى الشرطة. فيما حَمَل أنصار الرئيس المعزول محمد مرسي، المعتصمين بميدان النهضة أمام جامعة القاهرة أكفانهم معلنين اعتصامهم حتّى عودة الشرعية . فهل سيجاهد أبناء الشعب الواحد بالسلاح الأبيض والخرطوش وغيرها ضد بعضهم البعض حتى تحقيق ‘النصر’ في هذا الشهر الكريم؟.
هل تحقيق الديمقراطية والشرعية سيبقى يستنزف طاقات وجهد الملايين من أبناء الشعب المصري؟ تلك الجهود التي كان من الحري أن تتضافر من أجل رفعة مصر وتقدّمها.
في الحقيقة، إذا استمرت هذه التطورات على هذا المنوال فهي لن تبشرنا بالخير، وسيستمر المسلسل الدموي، وستستمر سياسة البلطجة والعنف، وستستمر مسيرات التنديد والاستنكار، والخاسر الأكبر هو أبناء هذا الشعب، ونحن لا نريد إلا خيراً لمصر ولأبناء مصر، ولبنات مصر، ولحضارة مصر، وتاريخ مصر، ونيل مصر.
أمام هذا المركّب والمرحلة المصيرية الحاسمة نتمنى لمصر صلاح أحوالها، وإيجاد سيناريوهات ملائمة للخروج من هذه الأزمة المعقّدة دون خسائر بشرية. ونتمنى أن نستيقظ على بشائر قادمة من بلاد الكنانة. مصر التي تضيئها الفوانيس الملونة معلنة بهجة ووحدة هذا الشعب، كما تضيء فوانيس القدس للوحدة الوطنية وتغيظ الاحتلال، فوانيس تضيء سماء مصر معلنة قدوم فجر للحرية وعيد جديد نحتفل به جميعاً. قولوا آمين!
*كاتبة وصحافية من أم الفحم ـ فلسطين