القاهرة ـ «القدس العربي» ـ عبد السلام الشبلي: يبدأ الكاتب الصحافي همام كدر مشروعه الأدبي، بمجموعة « تهويمات، كوابيس سوريّة»، المتكونة من نصوص كُتبت بين عامي 2007 – 2015، متعمداَ كما يقول، أن يقدم لقارئه هذه النصوص التي اختلف زمان كتابتها، ليمنحه فكرة جلية عن واقع الكتابة في سوريا قبل الثورة وبعدها، مؤكداً أن الأدب السوري نال حريته وخرج من القيد الذي فرض عليه بعد طوال عصور الظلام في البلاد. «القدس العربي» حاورت همام كدر، لتعرف أكثر عن « تهويمات، كوابيس سورية»:
■ دعنا نبدأ من عنوان كتابك، لماذا تهويمات، كوابيس سورية؟
□ في الحقيقة إن كلمة «تهويمات» ترافقني منذ بداية دخولي عالم الكتابة، كنت أكتب زاوية أسبوعية بعنوان «تهويمات» وهي تعني نوم الإنسان الخفيف، لكن كنت أقصد فيها ما يقوله الإنسان في نومه، أو كوابيسه. الكوابيس هي الأخرى رفيقة ليالي أغلب السوريين في الداخل والخارج، أنا كنت «أكوبس» قبل 2011 في أيام الخدمة الإلزامية، كوابيس غريبة؛ منها أني ما زلت حتى الآن في الخدمة، لذلك ربما جاء موضوع الغلاف السرير العسكري مترابطاً مع الكوابيس، وما يقوله الإنسان في نومه. أما بعد 2011 فلا داعي لنقول أي كوابيس تجتاحنا جميعاً.
■ هناك الكثير من النصوص التي كُتبت قبل عام 2011 لكنها مرتبطة جداً بروح سوريا ما بعد هذا التاريخ، هل كان لديك إحساس بأن شيئاً ما سيحدث في البلاد؟
□ المسألة لم تكن إحساساً بما سيحدث في سوريا، إذ لم أمتلك ذلك يوماً، ولم أشعر بأننا قد نفعل أي شيء يصل بنا إلى الحالة الآنية التي نعيشها، لكنني عند وضع كتابي، تعمّدت إدراج بعض النصوص التي كتبتها سابقاً، لكي أقول إننا كنا نكتب بطرق مواربة، ولكي أظهر سقف الحريات الذي كان ممنوحاً للكُتّاب.
■ تحتل مدينتك حمص جزءاً كبيراً من كتابك، ماذا يمكن أن تشكل هذه المدينة لأبنائها الكتّاب، وكيف حاولت رسمها؟
□ حمص المولد وملعب الطفولة الأول، إضافة إلى أني امتلكت رغبات دفينة لكتابة هذه المدينة بطريقة جديدة، حاولت الابتعاد عن النمطية، إذ كتبت عن معلم لا يعجب الكثير من الأدباء والفنانين وهو فريق الكرامة لكرة القدم، الاسم الذي كان حديث كل الحمامصة في زمن ما، أردت أن أستعيد إيقاع المدينة المستقر بداخلي مذ خرجت منها، وجوه سكانها، أحاديثهم، طرائق عيشهم وحبهم وعملهم، التي كنت أعتقد واهماً أنها عادية.
■ تستعين نصوصك بالذكريات، هل ترى أن هذا ما بقي من سوريا لكتابها؟
□ لا أعرف إذا كانت الذكريات فقط هي ما تبقى لنا، فنحن اليوم نعيش حالة الحنين الدائم للمدن التي تركناها، ولذكرياتها ولأشياء ربما لم تعد موجودة كما تركناها، اليوم نحن كمغتربين أو لاجئين أو مُبعدين قسراً، نعيش حالة من التشويش في علاقتنا مع المدن السوريّة، لدرجة تتداخل مدننا البديلة – إن صح التعبير- مع مدننا الأم، ننام في لندن أو ميونيخ أو باريس أو القاهرة ونشعر في نومنا أننا في دمشق، أو حلب، أو الرقة أو درعا.
■ يقال إن الألم يولد الإبداع، برأيك هل كانت الثورة السورية دافعاً لك لوضع أول كتبك؟ ولماذا؟
□ أنا أمتلك حساسية تجاه الأفكار النمطية في الكتابة، رغم احترامي وتعلّمي المستمر من التجارب السابقة، ورأيي بوجوب الاطلاع على قسم كبير منها، لكن ليس بالضرورة أن نمتلك مفاهيم محددة عن نوعية الكاتب والأديب المطلوبة، فمثلاً يجب ألا أكون مدخناً أو فوضوياً في هندامي وعبثياً أو متألماً لأبدع دائماً، إلا أن ما شهدته سوريا جعل الألم أخف شعور يختلجنا، لقد وصل السوري في شعوره المروع إلى مبالغ لم يكتشفها علم النفس في أبهى عصوره. بالنسبة للشق الثاني من السؤال، وفي الحقيقة لا أدري إن كنت سأكتب لولا الثورة السورية، وبالمناسبة كانت لدي محاولة لنشر كتاب عام 2008، تقدمت لإنجازه بالتعاون مع وزارة الثقافة، ولكن مخطوطه رفض لأسباب لم توضح لي.
■ الساحة السورية مليئة اليوم بالكتاب الذين أنتجتهم الثورة، كيف يمكن تصنيف أدب كتاب الثورة، وكيف تنظر إليه؟
□ لا أعرف إن كان هذا المصطلح حقيقيا «أدب كتاب الثورة»، لكني قرأت لبعض الكتاب السوريين بداية الثورة، بأنهم غير قادرين على الكتابة عن الحدث السوري قبل أن تتوقف الدماء، كان رأياً غريباً جداً، ففي الواقع لا يمكن أن توقف أحاسيسك وقلمك في الظروف الحالية، وشخصياً أحب أن أقرأ أثّر الثورة السورية على الكُتّاب، ولديّ أولوية لقراءة الكتب المتعلقة بالحدث السوري، مثل رواية «مترو حلب» لمها حسن، وروايات خالد خليفة وفواز حداد.. وغيرهم. هذا لا يعني أن كل ما ينتجه الكتاب عن الشأن السوري هو جيد ومبهر، فقط لكونه حُرا، يجب أن يكون لدينا المعيار الأدبي العام والشخصي الخاص، للتفريق بين ما هو غني وقيّم وما هو عابر لا يستحق صفة الإبداع.
■ أنت صحافي سوري مارست هذه المهنة في سوريا في قسمها الرياضي، ما منحك فرصة لزيارة عشرات المدن والبلدات السورية، كيف تتذكر أماكن زياراتك في ظل الحرب؟
□ غادرت سوريا في شهر 11/2011، محمّلاً بخزانات هائلة من ذكريات المدن والبلدات السورية، التي زرت الكثير منها بحكم عملي، عشت بين أهلها، أكلت معهم، ونمت في بيوتهم، وأستطيع القول بضمير مرتاح، أننا من جذر سكاني أصيل، ريان بالكرم والجود والتنوع، هذا الجذر هو ما سنعود إليه جميعنا.
■ نصوصك كُتبت على عدة سنوات، ما الذي تعتقد أنه تغيّر بين 2007 و 2015 وانعكس على كتابتك؟
□ تغيّر كل شيء، فلم يعد هناك سقف للحرية، كل منا يكتب ما يريد، بالطبع هذا أنتج أعمالاً متفاوتة في القيمة، لكن الأهم أن القضبان التي كان يضعها الكاتب أو المبدع في عقله لتمرير إبداعه تلاشت، وبات الرقيب الداخلي فقط في صدور من يريدون له الاستمرار.
■ تقترب بعض النصوص من الدين، ثم تصل لمرحلة القول «ماذا سينفعني أن أكون على دين ولا يرى قلبي سوى الباطل»، كيف تفسر لنا هذا الاقتراب من القناعة الأخيرة؟
□ لا نستطيع أن نخفي أن الدين يمشي بقرب ما يحدث في سوريا يومياً بكل أشكاله المعتدلة والمتطرفة، لكني أؤمن إيماناً راسخاً، أنه ومهما خرجت أبشع صور التطرف، فإنها ليست إلا صورا دخيلة على شعبنا، فمن عاش أو زار أو عرف أو قرأ سوريا، يدرك أن هذا الشعب لم يكن في تاريخه أي حربٍ طائفية، لذلك كل شيء قاتم في سوريا إلى زوال ولن يبقى إلا أصالة هذا الشعب.
■ تعيش سوريا اليوم تغيرات جذرية وصلت إلى أن يعتبر البعض أننا في عصر احتلال جديد من دول معينة «روسيا وإيران» ككاتب سوري، كيف تنظر إلى هذه الجلجلة السورية؟
□ هي جلجلة بكل ما تحمله من آلام ودماء، جلجلة ليست لمسيح واحد بل لسوريا بأكملها بمن فيهم من نختلف معهم في الرأي، جلجلة كل ما فيها مؤلم بل الأشد ألماً وإيلاماً في العصر الحديث، وقد يكون من المفاجئ في ظل هذا الألم الهائل، أني ما زلت أحتفظ بأمل كبير في شعبنا، أن يعود متماسكاً رغم الظروف الصعبة التي يعيشها، وأن سوريا ستولد بعد هذا المخاض الطويل.
■ برأيك ما هي مهمة الأديب السوري في ظل الظروف الحالية التي تعيشها بلاده؟
□ هذا سؤال كبير جداً، لا أحد يحدد ما هي مهمة الأديب، وأنا لست بأديب بالفعل، أنا أدون خواطري وأمضي، لكن باعتقادي كقارئ وليس ككاتب، أننا نعيش ولادات جديدة لفنانين وأدباء وكتاب سوريين شباب فُتحت لهم الأبواب على مصراعيها، ونحن كأجيال شابة يجب أن نَدعم ونُدعم، ونتمسك بالتربة الصالحة التي زُرعنا وسُقينا فيها، ونعكس ما نحن عليه من أصل ربما شوهته الحرب لكنه سيحيا وسيخضرُّ متى توقف هذا الصراع.