اعتاد رئيس حكومة الدولة الأكثر يمينية في تاريخ إسرائيل، الذي أصبح يمثّل العناصر الأكثر تشددا فيها بثقة تامة بقدرته اللا محدودة على المناورة، أن يوزع الصفعات كيفما يحلو له.
وفي الوقت ذاته الذي يتشدق فيه بالسلام وبالتزامه بحل الدولتين، اعتاد بينامين نتينياهو على الخروج على الشرعية الدولية، بضمان الفيتو من الدولة العظمى أمريكا التي قدمت لإسرائيل أكبر معونات في تاريخها. فخلال السنوات العشر الأخيرة، تلقت إسرائيل ما يقارب 38 مليار دولار، معونات مالية وعسكرية، إضافة إلى 35 طائرة هي الأحدث في الترسانة الأمريكية، التي رفضت أمريكا بيعها لدول الخليج. التّعود على الحماية خلق وهما لدى القيادة الإسرائيلية بأن أمريكا لن تتخلى عنها. تماما كالوهم المماثل الذي عمل عليه لخلق واقع كاذب بأن الأرض إسرائيلية، والمستوطنات ما هي إلا جزء من الوطن الضائع، ومن حق إسرائيل الطبيعي الدفاع غير المحدود عن النفس، وغير المقّيد بالشرعية الدولية. امتنع عن الاعتراف بالشرعية الدولية التي أقرّت بحدود 1967 وبأن احتلال أراضي الضفة الغربية بعد 1967 غير شرعي. وحتى في معاناة الفلسطينيين اليومية من الاحتلال أرجعها إلى انهم السبب في هذه المعاناة لعدم تسليمهم بـ»الوهم» الذي اختلقه.. الوهم المستعصي على الفهم، فكيف يستطيع إنسان مقيم في بيته وأرضه التسليم بحق آخر على بيته وأرضه.. التسليم الذي يجعله عرضة للطرد في أي وقت وتحت أي تبرير. رفض نتنياهو، اتفاقية جنيف الرابعة التي تحظر على القوة المحتلة نقل مجموعات من سكانها المدنيين إلى الأراضي التي تحتلها، لأن التوسع الاستيطاني لم يكن إلا سياسة مقنعة وممنهجة لعملية تهجير طوعي للفلسطينيين من أرضهم.
وتلقى الصفعتين الأولى في إصدار قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2334 الذي طالب بوقف فوري للاستيطان، والسماح بتمريره ربما يكون صحوة ضمير أمريكية.. ولكنه وبالتأكيد عودة إلى الشرعية الدولية التي كان قرار التقسيم 181 أول اختبار لها.. ولم تلتزم به آنذاك متعللة برفض الدول العربية له. الواقع الدولي وإن كان يصر على حماية بقاء الدولة الإسرائيلية.. إلا أنه يعكس ايضا وعيا بخطورة سياسة التوسع الاستيطاني على حساب ما تبقى من إمكانيات ضئيلة لحل الدولتين. ومن جانب آخر لا يستطيع إنكار حق الفلسطينيين في الحياة على أرضهم، وفقا لشرعية القرار 242 عام 1967 ولا يستطيع إنكار أو التغاضي عن معاناتهم وحرمانهم من أرضهم، بما يتناسب مع الزيادة السكانية أيضا، بحيث أصبح وضعهم يتقارب تدريجيا مع الوضع السكاني في غزة.
الصفعة الثانية التي احدثت صدمة أكبر من القرار وعدم تصويت الولايات المتحدة ضده بالفيتو الذي تعودت عليه، تمثلت بخطاب وزير الخارجية الأمريكية جون كيري، الذي كان موجها للشارع الأمريكي ليؤكد له أن الولايات المتحدة لم ولن تتخلى عن إسرائيل، ولكن عملية التدمير الذاتي التي يتبعها نتنياهو هي المدمرة للدولة والمقوضة لجذورها، وأنه على إسرائيل والشعب الإسرائيلي الخيار، فإما دولة ديمقراطية تعطي حق التصويت لمليونين ونصف مليون فلسطيني (وبهذا قد تنتهي يهودية الدولة) وإما دولتان منفصلتان لإنهاء الصراع.
لا يمكن التقليل من أهمية القرار التاريخي، وإن جاء متأخرا، لأنه وبحكم الإجماع الدولي يشكل ضغطا هاما على إسرائيل، ولا التقليل من قيمة وأهمية الخطاب حتى إن جاء متأخرا أيضا، ولكن الكرة الآن في الملعب الفلسطيني.. وبيد القيادة الفلسطينية. وفي الملعب السياسي الدولي عليك أن تلعب بحذر وبخفة وبتلاحم الفريق وباستراتيجية واضحة تعكس التزاما أخلاقيا (حتى إن لم تلتزم به الدولة الإسرائيلية) يؤكد التطلع إلى السلام المحلي والعالمي. ولا بد هنا من الإشارة إلى ثلاثة أمور مهمة على القيادة الفلسطينية مراعاتها:
1- تجاوب حماس الإيجابي مع القرار، لا يكفي لوضع المعالم الإستراتيجية لإنهاء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي بدون إنهاء الصراع الفلسطيني الفلسطيني ما بين حماس والسلطة.
2- سحب مصر مشروع القرارفي المرة الأولى لا يعني عدم الاستفادة من ثقل مصر الحضاري والدولي، خاصة مع تجاوبها الأول مع الرئيس المقبل ترامب، الذي أكد مرات خلال الأشهر القليلة بأن أحد أهدافه هو تحقيق السلام بين الطرفين.على القيادة الاستثمار في ذلك بالتعاون مع القيادة المصرية، التي حظيت بتجاوبه في لقائه الأول مع الرئيس السيسي.. يجب أن لا تعمينا تصريحاته بمساندة الدولة لإسرائيلية على العمل على إحياء الضمير فيه من خلال القيادة المصرية، ومن خلال أن حل هذا النزاع سيكون احد أهم العوامل في إطفاء بعض حرائق المنطقة، وتخفيض حدة نقمة الشعوب العربية على ازدواجية السياسات الغربية خلال كل السنوات الماضية وأحد مفاتيح السلام النفسي لشعوب المنطقة.
3- التجاوب المحلي الفوري للحاجة الملحة في تغيير وجوه القياديين القدامى، وفي ظل المتغيرات الدولية ووصول نساء يثبتن دوما القدرة على عدم الانحناء وتجاوز المعيقات، أتمنى بل أعتقد بأن تولي الدكتورة حنان عشراوي للقيادة كونها امرأة ومسيحية ستكون أفضل الوجوه للديمقراطية الفلسطينية ( في تساوي المرأة والرجل وفي حق الأقليات في كل الفرص) في المصالحة بين فتح وحماس .. أؤمن بأنها ستكون أفضل المفاوضين في الملعب الدولي، ليس لطلاقتها باللغة ولكن أيضا لخبرتها في العلاقات الدولية. المصداقية التي تتمتع بها على المستوى العالمي سيكون الحماية الكبرى لعدم التلاعب بالأقوال والحقوق الفلسطينية.
نعم اختيار عشراوي مع فريق من الشباب للعمل على خلق وجه جديد يمثل فلسطين محليا ودوليا، هو أقصر الطرق للتفاوض، سواء على حل الدولتين.. أو دولة ديمقراطية تضم الجميع لخروج إسرائيل من مأزقها في دولة الأبارتايد التي بنتها، ولخروج الفلسطينيين من الاحتلال للحياة الحرة.. والأهم أنها ستكون الصفعة الثالثة للعنجهية الإسرائيلية.
كاتبة فلسطينية
أحلام أكرم