ملهى راينة في اسطنبول قصة مجزرة معلنة

حجم الخط
1

دخل القاتل الملهى الليلي المشهور في منطقة «أورتة كوي» وفي يده بندقية رشاشة من نوع كلاشنكوف. كانت الساعة الواحدة والربع بعد منتصف الليل، أي بعد فترة قصيرة من بداية العام الجديد. أخذ يطلق النار من بندقيته على كل من يتحرك داخل الملهى، فأفرغ ستة مخازن كاملة (180 طلقة) في ست دقائق، ثم خرج واستقل سيارة تاكسي أبعدته عن المكان.
كانت حصيلة المجزرة 39 قتيلاً و65 جريحاً بين أتراك وسياح من جنسيات مختلفة. أفاد شهود عيان بأن القاتل أطلق رصاصة ثانية على رؤوس بعض الجرحى ممن كانوا يتحركون على الأرض. بل سمعوه يقول: من كان حياً فليرفع يده. أي أنه لم «يهدر» أي طلقة مما كان بحوزته من ذخيرة الموت.
يعرض القاتل الذي ما زال طليقاً في مكان ما، بروفايل شخص مدرب جيداً على استخدام السلاح، ذي أعصاب فولاذية، يملك من الدوافع ما يجعله وحشاً في هيئة البشر، خطط لعمليته بدقة وعناية بما في ذلك خطة للهروب بعد «إنهاء العمل». هذا التفصيل الأخير هو ما يميز هذا الهجوم الإرهابي عن هجمات كثيرة سبقتها في مختلف المدن التركية، كان الفاعلون فيها انتحاريين، لعل أبرزهم هو قاتل السفير الروسي قبل أقل من أسبوعين.
الضحية المستهدفة مختلفة أيضاً هذه المرة: رجال ونساء يحتفلون في سهرة رأس السنة، في أحد أبرز أماكن اللهو في إسطنبول، ينتمون إلى طبقة اجتماعية فوق المتوسطة، لهم نمط حياة غير محافظة.
اتجهت أصابع الاتهام، بصورة بديهية، إلى داعش التي تبنت العملية، بعد يومين، على أي حال. داعش التي يحاصرها الجيش التركي في مدينة الباب السورية منذ أسابيع، وتلقت ضربات موجعة هناك في الفترة الأخيرة، سبق لقائدها أبو بكر البغدادي أن أعلن تركيا هدفاً للعمليات الجهادية.
شكلت العملية الإرهابية صدمة كبيرة في الرأي العام التركي، ربما لأنها قالت لكل شخص: يمكن استهدافك بهذه السهولة، أنت لست في مأمن. يمكن لشخص واحد يملك السلاح والدافع وبرودة الأعصاب ودرجة معينة من التدريب، أن يقتل عدداً كبيراً من المدنيين في أي مكان وأي وقت، وأن ينجو بفعلته أيضاً. وهي رسالة موجهة أيضاً إلى معتنقي العقيدة الجهادية من الذئاب المتوحدين ممن لا يرتبطون بعلاقة عضوية مع المنظمات الجهادية المعروفة كداعش والقاعدة، فحواها أن هذا العمل سهل التنفيذ ولا يتطلب الانتحار بالضرورة، أي يمكن لشخص واحد القيام بعدة عمليات متتالية.
شكا بعض الكتّاب من غياب التضامن الاجتماعي المطلوب في مواجهة هذه المجزرة، على غرار فرنسا التي خرج مئات آلاف المواطنين من مختلف المشارب الاجتماعية، في عاصمتها، رفضاً للإرهاب، خريف العام 2015. ففي تركيا انقسم الناس بين أصوات مستنكرة وأخرى شامتة، إضافة إلى الكتلة الكبيرة من غير المبالين. نعم كان هناك من عبروا، على مواقع التواصل الاجتماعي، عن استحسانهم لمقتل «سكارى يحتفلون بأعياد الكفار»، فيما قال آخرون «كان عليهم ألا يذهبوا إلى الملهى». وسبقت المجزرة حملة مركزة من تيارات محافظة على هذا الاحتفال «الغريب عن تقاليدنا وأعراف مجتمعنا المسلم»، برز منها مشهد تمثيلي نفذته مجموعة من الشباب حيث يرتدي أحدهم ثياب بابا نويل التقليدية، ويوجه له آخر لكمة على رأسه، كما علق في بعض الشوارع ملصق كبير يصور شخصاً يوجه مسدساً إلى رأس بابا نويل. بل إن هيئة رئاسة الشؤون الدينية (بمثابة وزارة) وزعت على الجوامع نص خطبة آخر يوم جمعة قبل نهاية السنة، ورد فيها عدم جواز الاحتفال برأس السنة، وألقيت هذه الخطبة في 84 ألف جامع موزعة على الخريطة التركية. في حين أصدرت بعض مديريات التربية في المحافظات تعميماً بمنع طلاب المدارس من أي فعل احتفالي في آخر أيام السنة. وتوجت إحدى الصحف اليومية المحافظة هذه الحملة بمانشيت عريض تصدر الصفحة الأولى من عددها الصادر في 31 كانون الأول 2016: «هذا هو الإنذار الأخير: لا تحتفلوا برأس السنة!»
القصد هو أن ثمة تيارا اجتماعيا عريضا، في تركيا اليوم، يزداد تشدداً باطراد. ففي شهر رمضان الماضي، على سبيل المثال، هاجمت مجموعة متشددة مقهىً قرب جادة الاستقلال في إسطنبول كانت تعرض فيه لوحات فنية، قامت بالاعتداء بالعصي والأدوات الحادة على الموجودين، بدعوى أنهم «مفطرون ويشربون الخمر في شهر رمضان». وتكررت، في الأشهر الأخيرة حوادث اعتداء فردي على نساء في أماكن عامة بدعوى عدم احتشامهن في الملبس. كأن من قام بارتكاب مجزرة الملهى الليلي، أو الجهات التي تقف خلفه، استفادا من هذا الانقسام الحاد في المجتمع التركي حول «نمط الحياة» هذه المرة، المضاف إلى انقسامات أخرى معروفة، بين الأتراك والكرد، أو السنة والعلويين، أو الإسلاميين والعلمانيين، أو الموالاة والمعارضة، وأرادا الاستثمار السياسي فيها.
وفي كل مرة يستهدف فيها أحد طرفي تلك الاستقطابات، يبتهج القطب المقابل أو لا يكترث، في أحسن الأحوال، بمصيبة جاره، على مثال ما تفيدنا نكتة ألمانية سوداء من الحقبة النازية: في صباح أحد الأيام جاء حلاق ألماني ليفتح محله في السوق، ففوجئ بجاره الخياط اليهودي يستعد للرحيل. سأله مستغرباً: ما الأمر يا جار، وإلى أين الرحيل؟ فأجابه الخياط اليهودي: ألم تسمع؟ سوف يقتلون جميع الحلاقين واليهود في ألمانيا. اندهش الحلاق وسأل بذعر: ولكن لماذا الحلاقون؟ فقال الخياط: هذا هو ما يدفعني للرحيل، لأن كثيرين مثلك لا يهتمون بمصير جيرانهم.
بعض الصحافة الموالية للحكومة اتهم أمريكا بالوقوف وراء العملية الإرهابية، فقال أحد كتاب العمود اليومي في إحداها إن اتصال الرئيس الأمريكي باراك أوباما بنظيره التركي أردوغان للتعزية، هو بمثابة عودة القاتل إلى موقع الجريمة!
نعم، في هذا العالم أشياء غريبة جداً.

٭ كاتب سوري

ملهى راينة في اسطنبول قصة مجزرة معلنة

بكر صدقي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية