التداعيات العربية للاعتداء على ملهى ليلي في تركيا

حجم الخط
14

تعامل الرأي العام العربي مع قضية هجوم ليلة رأس السنة في إسطنبول بطرق مختلفة عن الهجمات الفظيعة الأخرى التي تجري في مشارق الأرض ومغاربها، وحفلت ردود الفعل، وبعضها من سياسيين، بمجموعة من التناقضات المزعجة التي تقفز من حيثية واقعة الإرهاب الذي يستهدف مدنيين، والتي لا يمكن التشكيك في بشاعتها وعدميتها وانعدام المعنى السياسي المفترض الكامن وراءها، إلى مسائل أخرى تتعلّق بالحرّيات الفرديّة وطرق الاحتفال بحدث عامّ وإجازة ذلك من تحريمه، وصولاً إلى التعرّض للضحايا والإساءة إليهم بأشكال شتى.
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان أشار إلى هذه الناحية في خطاب أمس قال فيه إن الاعتداء «يهدف إلى إثارة الانقسام والاستقطاب في المجتمع»، وذلك ما اعتبر رداً على تعليقات على مواقع التواصل الاجتماعي تنتقد نمط حياة قتلى الهجوم على الملهى، وكان إردوغان، وهو الرئيس الآتي من حزب تقليدي محافظ، شديد الوضوح في الردّ على هذه النقطة حين أكد أنه «ليس هناك تهديد منهجي لنمط حياة أحد في تركيا» كما كان معبّراً حقّاً قوله إن «هذه الاعتداءات تهدف إلى دفعنا لتفضيل عواطفنا على المنطق»، وكلمة «عواطفنا» في هذا التعليق تتوجه طبعاً إلى جمهوره الإسلاميّ المحافظ الذي لا يتعاطف مع طرق الحياة المتأثرة بالغرب وأزيائه وثقافته، فيما تحيل كلمة «المنطق»، إلى أن العواطف لا يجب أن تلغي النظام العامّ للأشياء الذي يحمي الاختلاف في الرأي والثقافة والزيّ وطرق التعبير الاجتماعية والفردية كافّة.
في التداعيات العربية كان لافتاً جدّاً أن بعض أعضاء البرلمان الأردني، رفضوا قراءة الفاتحة على أرواح مواطنيهم الأردنيين الثلاثة الذين قتلوا في العملية، فيما عبر البعض على وسائل التواصل الاجتماعي عن استنكارهم اعتبار السلطات من قتل وهو يسهر في ليلة رأس السنة من الشهداء الذين ينبغي الترحم عليهم.
وفي لبنان وجهت المحكمة العسكرية الاتهام الى خلية مؤلفة من 15 شخصا للتخطيط للقيام بأعمال إرهابية ليلة رأس السنة، وذلك بتفجير سيارات مفخخة في بيروت وطرابلس والضاحية الجنوبية واغتيال ضباط واستهداف مدنيين.
أما في فلسطين، فكانت التغطية الإعلامية مع الضحية ليان ناصر مهنية ومتفهمة ومتعاطفة مع مصاب أهلها، وكانت الاستثناءات المعاكسة لذلك قليلة. وفي تونس، التي سهر فيها أكثر من 134 ألف مواطن احتفالاً بليلة رأس السنة خارج بيوتهم، حذّر مسؤول أمني من إمكانية نسخ العملية التركية واعتبر التهديد محتملاً.
الانقسام في الآراء، في جزء كبير منه، هو نتيجة لحالة الاضطراب السياسي الرهيب في بلدان المنطقة، والاعتراف واجب بأن هذه الحالة أدّت إلى اليأس والإحباط والعدمية وإلى اعتبار التطرّف خياراً مفتوحاً للتعامل مع وحشيّة الواقع العربيّ والعالميّ، ولكنّه، أيضاً، نتيجة لتهشّم البوصلة السياسية والأخلاقية للشعوب والنخب معاً.
أغلب الأنظمة العربية تقابل خيار العدمية «الداعشية» إما بحلول أمنيّة خالصة، أو بالاستقواء بالخارج، أو برفع رايات الطائفية الشيعيّة مقابل التطرّف السنّي، وهي حلول قد تؤدي لانتصارات عسكرية وأمنيّة ولكنّها لا تفعل غير إعادة إنتاج الأزمة.
البعض، من جهة أخرى، جعل الحادثة مناسبة للتهجم على المجتمع العربي بأكمله واعتباره متخلّفا و«تكفيريا»، وهو اتجاه يمثّل الوجه الآخر للرثاثة الفكرية والأخلاقية المعاكسة التي يمثّلها التيار الأول، ويتلفّح هذا التيّار «الحداثي» بقناع ثقافة الغرب وقيمه ليتعالى على مجتمعه ويبرّر، تقصّد ذلك أم لم يتقصد، أشكالاً أخرى من إرهاب الدولة المنظّم كما هو الحال مع إسرائيل، أو مع بعض الأنظمة العربية كالنظامين السوري والعراقي.
إلى متى تستمرّ «العواطف» أقوى من المنطق؟

التداعيات العربية للاعتداء على ملهى ليلي في تركيا

رأي القدس

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية