لندن ـ «القدس العربي»: لماذا لم يقف العالم وقفة تضامن مع تركيا التي عانت منذ عام 2015 أكبر عدد من الهجمات الإرهابية؟
سؤال طرحته صحيفة «الغارديان» في افتتاحيتها وقالت فيها إن التعليقات الإعلامية حول الهجوم الإرهابي الأخير على الملهى الليلي «رينا» في اسطنبول وقتل فيه 39 شخصاً ركزت على شخصية الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الذي قالت إنه لا يستحق التعاطف نظراً لنزعاته الشمولية والإستبدادية ولملاحقته المعارضة.
واعترفت الصحيفة أن تركيا التي تعيش حالة من الحزن والقلق تواجه صدمات متعددة. وهي أمة مهتزة تعيش خوفاً من إمكانية حدوث عنف جديد في عام 2017 خاصة أنها تواجه نزاعاً واستقطاباً داخلياً وتداعيات الحروب والفوضى في الشرق الأوسط.
وترافقت صدمة الإرهاب مع ركود سياسي أعقب العملية الإنقلابية الفاشلة إضافة إلى الأزمات التي خلقتها مشاكل التعامل مع 3 ملايين لاجئ في السنوات الماضية. وأزمة واحدة من هذه كفيلة بأن تهز أمة فما بالك بها مجموعة، ولهذا تتعرض أمة قلقة وخائفة لامتحان مصيري.
ومع أن كل قوة من هذه القوى لها طبيعتها الخاصة ومداها إلا أنه يجب أخذها بعين الإعتبار عند محاولة فهم الضغوط التي يتعرض لها المواطنون الأتراك. وتقول إن الهجوم الأخير استهدف مدينة مفتوحة وغنية وجاء على خلفية العملية العسكرية في سوريا وتعديل مفاجئ في السياسة الخارجية التركية وتحالفها مع روسيا مما سهل سقوط المنطقة التي كانت تحت سيطرة المقاتلين المعارضين لنظام بشار الأسد في حلب الشرقية. كل هذا وضعها في مرمى الجماعات التي تدعي أنها حامية للمسلمين السنة ـ رغم أنها تقوم بتعذيبهم.
وأشارت إلى أن عملية الملهى الليلي لا تختلف عن مهاجمة مسرح باتاكلان الباريسي إلا أن مأساة اسطنبول جاءت بعد قائمة طويلة من الجرائم التي حدثت في تركيا بشكل يجعلها الدولة الغربية – كونها عضواً في الناتو- التي غدت في السنوات الأخيرة الأكثر معاناةً من الهجمات الإرهابية. فمنذ عام 2015 قتل أكثر من 400 شخص بسبب الهجمات التي نسبت إلى تنظيم الدولة والجماعات الكردية. وهو عدد أكبر مما تحملته الولايات المتحدة وفرنسا وبلجيكا وألمانيا منذ ظهور تنظيم «الدولة».
وقد تم التغاضي عن هذه الحقيقة. فقد تركزت التعليقات على الطريقة القاسية التي استخدمها الرئيس رجب طيب أردوغان في التعامل مع المعارضة ووصلت ذروتها بعد المحاولة الانقلابية الفاشلة. ودعت الصحيفة العالم إلى التضامن وبصوت عال مع الشعب التركي الذي أظهر جرأة وتصميماً في مواجهة العنف والإرهاب.
استراتيجية جديدة
وستكون تركيا من ضمن ملفات طاولة الرئيس الأمريكي المقبل دونالد ترامب. وقد أظهر الأخير تعاطفاً مع الحكومة التركية. وربما وجد طريقة للتعامل مع أردوغان إلا أن الامتحان الذي يجمع بينهما سيكون سوريا.
وفي هذا السياق ناقش فردريك سي هوف، مدير مركز رفيق الحريري في المجلس الأطلنطي في مقال نشره موقع مجلة «نيوزويك» أن الأزمة السورية ليست سهلة الحل في غياب سياسات منطقية.
وتحدث هوف عن أولويات السياسة الخارجية للرئيس القادم بعد تنصيبه في 20 كانون الثاني/يناير والذي سيأتي في أعقاب الاتفاق الهش لوقف إطلاق النار في سوريا الذي وقع برعاية روسية- تركية.
وقال إن فريق الرئيس ومسؤولي الأمن القومي عليهم أولاً أن يحددوا القضايا التي يجب على الرئيس التركيز عليها في السياق السوري وهي أن القوات الأمريكية تعمل على الأرض والجو وفي وسط وشرق سوريا إلى جانب المقاتلين الأكراد الذين يواجهون تنظيم «الدولة».
وهؤلاء هم الجماعة السورية المرتبطة بحزب العمال الكردستاني وهي الجماعة التي تقوم بعمليات ضد الحليف في الناتو- تركيا.
ويجب أن يكون الهدف الرئيسي للإدارة المقبلة هو هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية. ومن هنا يجب على وزير الدفاع القادم الأمر بمراجعة للوضع العسكري بحيث يكون لدى القائد الأعلى خيارات غير مواصلة استراتيجية سلفه باراك أوباما التي قامت على ملاحقة تنظيم الدولة والضغط عليه ولكنها لم تكن مرضية على مستويات عدة.
وفيما يتعلق بالموضوع السوري فقد دعمت الولايات المتحدة عناصر في المعارضة السورية بناء على تفاهم يتضمن تركيزهم على محاربة تنظيم «الدولة» والجماعات الموالية للقاعدة حالة تم التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار مع النظام السوري.
وحاولت روسيا وإيران دعم النظام لتحييد هذه القوى المعارضة. وعليه يقول هوف إن قراراً من الإدارة لاستمرار الدعم للمعارضة المسلحة المستعدة لقتال تنظيم الدولة، سيتساوق مع أولوياته المقبلة التي تقوم على محاربة الإرهاب في سوريا. ولن تتناقض هذه الجهود مع الحفاظ على وقف إطلاق النار خاصة أن تنظيم «الدولة» و»القاعدة» ليسا جزءاً من ترتيباته.
أزمة إنسانية
ويحذر الكاتب هنا من قضية اخرى وتتعلق بالأزمة الإنسانية المتفاقمة في سوريا والتي ستكون هدية لا تقدر بثمن للمتطرفين الذين سيستغلونها للتجنيد في سوريا وعلى الصعيد الدولي. ويحمل الكاتب النظام السوري وإيران وروسيا مسؤولية هذه الكارثة الإنسانية والتي تعمل على تقوية تنظيم «الدولة».
وعلى الرئيس ترامب أن يرسل رسالة لنظيره الروسي تؤكد على استعداد للتعاون مع موسكو وتحقيق عملية انتقال سياسي في سوريا ومواصلة قتال تنظيم «الدولة» في الوقت نفسه.
وعلى ترامب التأكيد أن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على عمل هذا حالة عاد المدنيون هدفاً للنظام وحلفائه الروس والإيرانيين. وبعيداً عن التحركات المباشرة يرى الكاتب أن على فريق الرئيس القادم تحضير نفسه لعملية طويلة الأمد تتجاوز سوريا.
وهذا يعني إنشاء نظام لإدارة السياسة الخارجية بشكل يساعد الرئيس الجديد ومستشاره للأمن القومي للحصول على سياسات صحيحة وخيارات من الإدارات والوكالات المختلفة. ويعتقد الكاتب أن تحقيق نجاح في سوريا بعد سنوات من إساءة إدارة الملف لن يكون مهمة سهلة، فما حدث في سوريا لم يبق داخل حدودها.
ومن هنا يمكن تجنب ضرر جديد لمصداقية الولايات المتحدة من خلال العودة للممارسات التي تجاهلتها الإدارة الحالية. فمع أن التعامل مع الأعداء والبحث عن طرق للتعايش معهم مهم إلا أن الحلفاء والأصدقاء يأتون في المرتبة الأولى.
وأمام الرئيس الجديد وفريق أمنه الكثير من أجل إعادة بناء علاقات الثقة مع الأصدقاء والحلفاء. ويقول هوف إن إدارة ترامب سترث سوريا وغيرها وهي في حالة مزرية وزادت سوءاً بسبب القيادة السيئة من البيت الأبيض والممارسات الإدارية الأخرى. فالتوصل لحل الأزمة السورية سيكون صعباً ومستحيلاً في حالة لم توجد سياسات واضحة وعملية. وربما جرى الحديث عن اتفاق للنار في حلب إلا أن الحرب جارية في مناطق اخرى، وأهمها الصراع في وادي بردى.
ماذا حدث لبردى؟
وتساءلت لويزا لافلاك وهبة حبيب في صحيفة «واشنطن بوست»، عما جرى لوادي بردى الجميل؟
وقالتا إن اتفاق وقف إطلاق يجلب عليه اتفاق النار الذي تم التوصل إليه قبل ستة أيام سوى مزيد من المعاناة والقنابل التي تمطر عليه يومياً بشكل ساهم في تعميق البؤس الذي تسبب فيه الحصارالذي فرضته القوات التابعة للنظام بشكل أفرغ المحلات من المواد الغذائية وأجبر السكان للاعتماد على الأخشاب وتوفير الدفء للعائلة في اجواء الشتاء الباردة. وفي شهادات نقلتها صحيفة «واشنطن بوست» عن مواطنين بالمنطقة جاء فيها «لا كهرباء ولا آلات والطعام قليل» كما قال أحدهم.
وأضاف: «البراميل المتفجرة تنهمر علينا ولم يغير وقف إطلاق النار أي شيء من وضعنا». ونقلت الصحيفة عن مسؤولين قولهم إن الاتفاق لم يعن الكثير للمناطق التي تريد الحكومة تأكيد وجودها فيها حيث قالت القوات التابعة للنظام إن الاتفاق لا ينسحب على الجماعات المصنفة إرهابية، بمن فيها «جبهة فتح الشام»- الفصيل الموالي لتنظيم «القاعدة» والذي أكد حضوره بمناطق مختلفة من البلاد.
ويظل وجوده في وادي بردى محدوداً مقارنة مع مقاتليه الكثر في محافظة إدلب. ومع ذلك فقد منح المبرر هذا جيش النظام الغطاء الذي يريده لاستعادة السيطرة على عين الفيجة التي كانت تعتمد العاصمة عليها للحصول على 70% من احتياجاتها لماء الشرب قبل أن تصاب بالضرر أثناء الحرب. وتشير الصحيفة إلى أن قوات النظام والمعارضة عادة ما التزمت بشروط الاتفاقيات التي تقع بينهما إلا أن هذه التفاهمات انتهت عندما حاصر مقاتلو حزب الله المنطقة العام الماضي.
ويقول الناشط أبو محمد البرداوي إن الحصار يؤثر على حياة الناس خاصة مع ارتفاع درجة الحرارة ونقص المواد الغذائية، ولم يتبق لدى المحاصرين أي من الطعام المعلب حيث اندفع الناس لشراء ما هو موجود في المحلات قبل بداية القصف. ولهذا يعتمدون على ما خزّنوه في البيوت وبالنسبة للبرد فهم يضعون الملابس الثقيلة أو يتجمعون حول النار التي أوقدوها.
ويتناقض الحال مع ما يعيشه أهل الوادي مع الأوقات الجميلة حيث كانت المنطقة تعتبر مساحة للنزهة يتدفق إليها أهالي دمشق قبل أن يخرج عن سيطرة الحكومة عام 2012.
تجسيد للحرب
ويقول سكان الوادي من بقي منهم وهرب إن منطقتهم تجسد المظالم التي شعر بها السكان في كل البلاد والمتمثلة بالفساد وإهمال الحكومة ووضع اليد على أراضيهم بعيداً عن سلطة القانون. فقد صودرت ممتلكات خاصة للمواطنين وتم تحويلها إلى ناد للخيول وبني على قطعة أخرى فندق فاره.
وتم تحويل كميات كبيرة من المياه لغرض الاستخدام في دمشق التي زاد عدد سكانها. وأثارت السياسات الحكومية لغضب السكان «ولهذا السبب كنا أول من انضم إلى الثورة».
ويعلق صحافي من المنطقة لجأ إلى السويد أنه كان وزملاؤه يسبحون في مياه بردى الجميلة ولكنها أصبحت الآن «غنيمة حرب».
وتحدث مراسل صحيفة «نيويورك تايمز» بن هبارد عن أزمة المياه التي تعيشها العاصمة والتي يقول إنها «ضحية» للحرب. فلم يعد أهل دمشق قلقين على مسار الحرب وإلى أين ستقود البلاد ومتى ستنتهي بقدر ما يقلقون على المياه لغسل الأواني والملابس والاستحمام. وقال إن العاصمة وضواحيها تعاني من أزمة مياه أدت لتوقف الصنابير وتشكل الطوابير الطويلة حول الآبار.
ويعلق الكاتب أن أزمة المياه في دمشق، مثل كل مشاكل سوريا هي من أعراض الحرب التي قتل فيها مئات الالوف من المواطنين وشردت الملايين. ويقول بن هبارد إن وقف إطلاق النار الذي اتفق عليه بعد سقوط حلب لم يؤد لوقف القتال بمناطق أخرى من البلاد، كما لم يحل مشكلة الحصول على المصادر التي يتحكم بها الطرف الثاني.
وهو الوضع الذي أدى لمشكلة المياه في دمشق. فقد بدأت الأزمة في 22 كانون الأول/ديسمبر 2016 عندما توقفت المياه عن التدفق للصنابير واتهم كل طرف الطرف الآخر بالمسؤولية وتدمير البنى التحتية حول مصادر المياه في بردى. ووضعت المعارضة صوراً على الفيسبوك تظهر الأضرار التي أحدثتها البراميل المتفجرة التي ألقاها النظام على المباني المحيطة بنبع الماء.
من جهتها اتهمت الحكومة المعارضة بتلويث المياه ومن ثم تدمير البنى التحتية. وأكد مسؤول الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة في جنيف جينز لاريك إن الاستهداف المقصود للبنى التحتية كان سبباً في توقف المياه «ولكننا لسنا في وضع لتحديد الجهة المسؤولة».
وقال إن هناك 5.5 مليون نسمة في دمشق وما حولها تنقصهم المياه مما يفتح الباب أمام كارثة يتأثر بها الأطفال خاصة. وتحدث كاتب التقرير عن أثر الحرب على معظم سكان دمشق، ففي الوقت الذين ظلت العاصمة بعيدة عن العنف الذي حول العديد من المدن السورية إلى أنقاض إلا أن الكثيرين منهم واجهوا الأوضاع الناجمة عن حالة الحرب من ناحية ارتفاع أسعار المواد الغذائية والمحروقات وغياب الكثير من المواد الأساسية التي تساعدهم على مواجهة برد الشتاء.
وحاولت حكومة النظام التغلب على الأزمة من خلال نقل المياه عبر حاويات من الآبار المحيطة بالعاصمة فيما أعادت الأمم المتحدة تأهيل أكثر من 120 بئراً.
ويقول السكان إن القلة هي من تحصل على الماء فيما يشتري الناس الماء من أصحاب ناقلات المياه الخاصة. وقال صاحب دكان إنه لم يستحم منذ عشرة أيام ولكنه يذهب مع أولاده كل يوم للمسجد ويغسلون أيديهم وأرجلهم ووجوههم وهو خيار ليس متوفراً للنساء في البيوت.
وقال إنهم يستخدمون الأطباق والأواني البلاستيكية نظراً لعدم توفر الماء من أجل غسل الأواني المعدنية. وقالت إمرأة عمرها 60 عاماً إن الماء لم يصل إلى بيتها منذ 10 أيام. ويقضي أولادها الساعات الطويلة كل يوم كي يملأوا الأباريق البلاستيكية من بئر الجامع. ويستخدمون الماء هذا للشرب وغسل الأطباق ويجمعون ما تبقى لتنظيف الحمامات. وتقول «تحلم عائلتي بأن تأخذ حماماً دافئاً». وأضافت «أصبح الأمل الأكبر للعائلة هو الحصول على ماء كاف للاستحمام وغسيل الملابس في الغسالات الأتوماتيكية».
وعبرت عن غضبها من إعلام النظام الذي لم يذكر أي شيء عن أزمة المياه وركز بدلاً من ذلك على المعارك العسكرية مع المعارضة. وعلقت قائلة «سئمنا من العمليات العسكرية، ونريد أخباراً عن المياه ومواعيد وصولها».
ومع ذلك يظل سكان دمشق في وضع أحسن حالًا من المدن الأخرى مثل حلب التي دمرت بفعل القصف المدفعي من قوات النظام ومن الطيران الروسي.
ووصف ساجد مالك، منسق الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية الوضع في المدينة قائلاً «لم نكن مهيئين لما شاهدناه، إن البنية التحتية تعرضت للتدمير في كل الأحياء».