ثورة شعبية أم انقلاب: قراءة في الحالة المصرية!

حجم الخط
0

ليس ثمة ما هو أسوأ من التلاعب بالمصطلحات والعبث بالمفاهيم المستقرة اتباعاً للهوى ودعماً لوجهة نظر مسبقةً مغرضة، فذلك يهدد بنسف العلوم الاجتماعية والإنسانية برمتها، ويجعل من المحال الوصول إلى اتفاق حول أي شيء بين بني البشر، ما دام كل منه يعطي لنفسه الحق في أن يهوي بمعاول تحيزاته وتفضيلاته الشخصية على ما سبق وتم الاتفاق عليه من جمهور المعنيين أو المختصين فيما يتصل بمفهوم من المفاهيم.
لكن بني قومي من بني يعرب لا يعرفون تلك القاعدة المبدئية الراسخة فيما يبدو، والأرجح أنهم لا يمانعون بالدوس عليها حتى وإن عرفوها. مناسبة هذا الحديث هو زعم البعض، زوراً وبهتاناً، وظلماً وعدواناً، وضد ما تواضعت عليه علوم السياسة والاجتماع والتاريخ من مفاهيم، بأن ما جرى في مصر في الثلاثين من الشهر الماضي يشكل ‘ثورة’ شعبية، وليس انقلاباً عسكرياً.
فلو زعم طالب في إحدى مساقات العلوم السياسية الابتدائية مثل ذلك الزعم، لوبخه أستاذه أقسى التوبيخ، لتجرؤه على ارتكاب خطيئة معرفية لا تغتفر. لكن هذا يحدث وحسب في الجامعات المحترمة التي يعترف بها المجتمع العلمي العالمي بالطبع، وليس في تلك ‘الدكاكين’ العربية التي يتولى ‘التجار’ فيها، ممن يسمون أنفسهم بالأساتذة، مهمة الإطاحة بالمفاهيم العلمية وتشويهها تزلفاً لذوي السلطان!
من أجل الوصول إلى حكم سليم فيما إذا كان ما حدث في مصر يمثل ثورة شعبية أم انقلاباً، علينا أن نتساءل حول طبيعة ثلاثة عناصر أساسية في المعادلة: النظام الحاكم؛ القوى الشعبية التي عملت على تغيير النظام؛ الجيش. وبطبيعة الحال، وحتى يكون لحديثنا أي معنى، فإننا نتحدث بالضرورة عن نظام مدني شرعي وصل إلى السلطة عبر انتخابات ديمقراطية تتمتع بدرجة مقبولة دولياً من النزاهة والحرية والشفافية. وخلاف ذلك، أي إذا كان النظام الحاكم قد وصل إلى السلطة بالقوة، أو بانتخابات مزورة، فليس ثمة حاجة لإضاعة الوقت في مناقشة ما إذا كان السعي لتغييره يمثل انقلاباً أم لا. وفي الحالة المصرية، لا يماري بشرعية النظام الحاكم إلا مكابر، لأنه تقلد الحكم عن طريق القاعدة الوحيدة، أقول الوحيدة، التي تضمن لأي نظام الشرعية، وهي قاعدة الفوز بدعم الأغلبية عبر صناديق الاقتراع، أياً يكن موقف الجهلة أو المغرضين الذين باتوا على أتم الاستعداد للتحايل واختلاق المبررات لإلقاء تلك القاعدة التاريخية التي تعد من أهم الأبجديات في أي نظام ديمقراطي إلى سلة المهملات، لمجرد أن النتائج التي جاءت بها الصناديق هددت مصالحهم. فقد بتنا نسمع بدعة جديدة تقول إن الديمقراطية ليست هي الصناديق فحسب، وهذا صحيح من حيث المبدأ، ولكنه مجرد كلام حق يراد به باطل، فالصناديق هي الآلية الشرعية الوحيدة والحصرية لانتخاب الحكام، ولو كان الأمر غير ذلك، لوجدنا الملايين من أبناء الشعب الأمريكي يخرجون إلى الشوارع مطالبين بإٍسقاط جورج بوش، لثبوت قيام نظامه بجرئم حرب في العراق وأفغانستان، بل وتهديد النظام الديمقراطي الأمريكي نفسه، عبر تجاوز مبادئ الدستور وإهدار الكثير من حقوق المواطنين الأمريكان بذريعة مكافحة الإرهاب.
في الوقع إن حديثنا الذي تقدم عن العنصر الأول، أي عن طبيعة النظام الحاكم، يكفي لإثبات أن ما جرى في مصر ليس إلا انقلاباً عسكرياً أهوجاً، بدأ ناعماً، وسرعان ما انزلق إلى مستنقع الدموية. ولكن دعونا نتابع تحليل العنصرين الآخرين من باب: ولكن ليطمئن قلبي. إذا تأملنا في طبيعة القوى الشعبية التي نادت بإسقاط نظام مرسي وعملت بحماس من أجل ذلك، فإنها تتسم بعدد من الخصائص، أبرزها: عدم تعبيرها عن أغلبية الموطنين، أو حتى عن نصفهم، وهذا ما تتوالى المؤشرات من جانب جهات محلية ودولية عديدة ومحايدة كي تؤكده؛ واشتمالها على كم كبير من أنصار نظام المخلوع حسني مبارك، الذي قامت ثورة الخامس والعشرين من يناير لإسقاطه. ومن ثم؛ فإن تلك القوى، المعتبرة ولا شك، لا يمكن أن تعبر بحال من الأحوال عن إرادة الشعب المصري. وحتى وإن افترضنا جدلاً أنها تعبر عن الأغلبية، وهذا ليس صحيحاً، فلماذا لم تنتظر وهي تمثل الأغلبية كما يزعم البعض كي تقول كلمتها وتطيح بتفرد الإخوان المزعوم بالسلطة، عن طريق الانتخابات النيابية التي كانت قيد التنظيم، التي كانت ستضمن للأغلبية الفائزة تشكيل الحكومة، التي يتمتع رئيسها بصلاحيات تفوق صلاحيات الرئيس، وذلك حسب الدستور الذي وافق عليه أغلبية المصريين في استفتاء شعبي مبين!؟
الجواب واضح طبعاً، وهي أن تلك القوى لا تعبر في حقيقة الأمر إلا عن الأقلية المعزولة الرافضة للاعتراف بالأمر الواقع وبإرادة أغلبية الشعب، تلك الأغلبية التي وجهت للأقلية المتنمرة سلسلة من الصفعات القاسية المتواصلة في خمس جولات اقتراع مختلفة، شهدتها مصر منذ إسقاط مبارك. وهذا ينقلنا إلى العنصر الثالث، أي الجيش. إن مجرد تدخل هذا الأخير لدعم فئة ضد أخرى، مهما كانت الذرائع، يعبر عن مؤشر صارخ على وجود الانقلاب العسكري، فكيف إذا كانت الذرائع المقدمة تدحض تماماً أية إمكانية للحديث عن ثورة شعبية، أو عن تدخل نزيه ومحايد من جانب الجيش للوقوف إلى جانب تلك الثورة! فليس سراً أن الجيش في مصر، بقياداته على الأقل، قد شب وشاب وتتلمذ على يد مبارك شخصياً، ولولا الضغوط الهائلة التي جوبه بها إبان ثورة يناير، لما ضحى بقائده الذي خصه بكثير من الامتيازات والمغانم على امتداد ثلاثين سنة، لكن التضحية بمبارك ـ الذي ما يزال بالمناسبة يعامل حتى الآن بمنتهى الاحترام والإجلال من جانب قيادات الجيش ـ كانت السبيل الوحيد للحفاظ على نظامه من السقوط. وهكذا قضت الخطة أن يتقبل الجيش صعود الإخوان على مضص، مع تخديرهم، والشروع بالتنسيق مع خصومهم، وما أكثرهم، في تنفيذ خطة محكمة للانقلاب عليهم عند أول سانحة، وإخراج الانقلاب كثورة شعبية عملاقة، على يد مخرج متمكن وخبير في إخراج أفلام الثورت الشعبية، تحت مظلة حملة إعلامية ضخمة جُندت لها ترسانة من القنوات واسعة الانتشار، التي لم تتوقف لحظة واحدة طوال العامين المنصرمين عن شيطنة الإخوان وتصيد أخطائهم وتضخيمها والتعتيم على أي إنجاز لهم.
تأسيساً على ما تقدم، لا يمكن لأحد يحترم عقله أن يزعم بأن ذلك الانقلاب العسكري الصارخ والفاضح يعبر عن ثورة شعبية بأي معنى من المعاني، بل إني لا أشك بأن التاريخ سيذكره كواحد من أسوأ الانقلابات العسكرية التي عرفها الوطن العربي، لأنه يكاد ينجح في استعادة واحد من أسوأ الأنظمة التي عرفها العرب في تاريخهم المعاصر، ولأنه يكاد يطلق رصاصة قد تصيب’الربيع العربي’ في مقتل، فتحرم أبناء أمتنا المنهكة من مجرد الحلم بمستقبل أفضل، تسوده الحرية والكرامة والعدالة، ولا يئن تحت ثقل أحذية العسكر!

‘ باحث عربي مقيم في كندا

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية