نجح المصريون قبل أزيد من عام في إسقاط نظام ثقيل، وبدت مصر ـ قلب العالم العربي ـ وكأنها تدخل عصرا جديدا، بل وستكون معلما للديمقراطية بالنسبة للعرب، فمن مصر خرجت أشياء كثيرة تلقفها العرب في كل مكان، ومن هناك تعززت القومية العربية، وهناك ولد الإسلام السياسي في ثوبه الحديث، وفيها أيضا سيكون مختبر المصالحة مع الديمقراطية، لكن ما يجري فيها اليوم ينذر بأن البلاد قد تدخل ـ لا قدر الله ـ في دائرة من العنف والاحتقان. كثيرون قالوا ـ خلال الربيع العربي ـ إن إسقاط أنظمة فاسدة لا يعني بالضرورة إمكانية النجاح في إقامة نظام آخر مستقر متفق عليه وفق الآليات الديمقراطية، لأن الديمقراطية لا تأتي دفعة واحدة بل هي تجربة يتم تعلمها على مراحل. ومن المضحك أن بعض العرب يختزل الديمقراطية في صناديق الاقتراع، ويؤمن بأن هذه الصناديق يمكن أن تنفع شيئا في المجتمعات المركبة ذات الحساسيات الدينية والثقافية والإثنية المختلفة، أو في المجتمعات ذات التكوين القبلي المعقد، من دون أن يسبق ذلك تلقين وتدريب عالي المهارات. وقبل أشهر قرأت في إحدى المجلات الأجنبية تقريرا عجيبا يقول إن الولايات المتحدة الأمريكية عندما كانت تريد خلق الفوضى والاضطرابات في بلدان أمريكا اللاتينية وإفريقيا السوداء كانت تتسلل إليها عبر الدعوة إلى الديمقراطية والانتخابات، ولأن القبائل والعشائر دائما تريد التساوي على قاعدة’منا أمير ومنكم أمير’ فإن الديمقراطية تخلط حساباتها فتدخل في حروب بينها، وهكذا يغيب الأمن ويظهر الفساد الأكبر فيتدخل الخارج. هذا كلام التقرير. في مصر وصل الإخوان المسلمون إلى الحكم عبر صناديق الاقتراع، ولكن بالرغم من أنها بلد عرف الممارسة السياسية والتعددية الحزبية لفترة طويلة إلا أن ثقافة القبول بنتائج الصناديق لم تترسخ بعد. وهذا أول الأخطاء الكبيرة التي سقط فيها الإخوان، ذلك أنهم توهموا أنه بمجرد أن تعطيهم الصناديق بعض الأرقام الزائدة يمكن أن يؤدي ذلك أوتوماتيكيا إلى القبول بهم، مع أنهم ظلوا خارج السلطة المباشرة لمدة ثمانين عاما تقريبا، كانوا خلالها يخافون ويخيفون، وقد ظنوا أن حاجز الخوف المتبادل هذا يمكن أن يتداعى في ثمانية أشهر مع أنه بني في ثمانين سنة. لقد أدى ذلك الفوز السريع والمفاجئ إلى الغرور، وهو غرور ليس جديدا على كل حال، إذ من الصعب أن لا تسقط في الغرور جماعة كانت ترى دائما أنها الأحق بالحكم فقط لأنها تتحدث باسم الإسلام، ولأن الأمر كذلك فقد كان من السهل أن تضع صك اتهام جاهزا للآخرين باعتبارهم معادين للدين إذا كانوا يعارضونها، وهي فكرة ليست لها أية علاقة بالديمقراطية أو بالصناديق. وهذا هو الخطأ الثاني الكبير الذي سقطت فيه الجماعة، ولذلك تم حشر كل الذين خرجوا للتظاهر ضد حكم محمد مرسي في خانة ‘الفلول’، مع أنه كان من بينهم صوفية وسلفيون ومصريون متدينون، لكن الجماعة كانت وفية لثقافتها التي ترسخت طيلة عقود، وهي أن من يعارض مشروعها في الحكم عدو للدين، لا عدو للسلطة الحاكمة، وقد تتبدل الكلمات وتوضع مكانها كلمة’الفلول’. الكاتب الإسلامي فهمي هويدي قال أول أمس إن ما يحصل في مصر يعني أن نموذج الإسلام السياسي بدأ في التحول الجذري، وأن الإخوان في مصر ارتبكوا أخطاء كثيرة. وكمال الهلباوي ـ المسؤول السابق في جماعة الإخوان ـ قال إنه لاحظ بروز ظاهرة التشدد لدى الكثير من قيادات الجماعة بعد تسلم الحكم، والسبب يعود في ظني إلى الشعور بأنهم وضعوا الطوبة الأولى في معمار الدولة الإسلامية التي توجد في لاوعي أي واحد منهم. الاحتجاج على حكم الإسلاميين اليوم ـ مهما كانت الخلفيات ـ سوف يكون مفيدا لهم لكي يفهموا أنهم أبناء الواقع المعقد الذي يجب أن يتعاملوا معه بأدوات الواقع لا بالمفاهيم الثابتة، وأن نتائج الصناديق ليست هي الحاسمة في بلد متحرك ما يزال يتلمس طريقه. وهذا هو الخطأ الثالث، فهم أنفسهم الذين شجعوا على عدم القبول بنتائج الديمقراطية والانتخابات عندما كانوا يرفضونها في بداياتهم، ثم عادوا للقبول بها على مضض في فترات لاحقة، واليوم يريدون أن يدافعوا عن شيء لم يساعدوا في بنائه كثقافة وتربية، ولذلك فإن الذين خرجوا تأييدا لمرسي وكانوا يرددون بأنهم مستعدون للموت من أجل الدفاع عن الشرعية نسوا بأنهم لم يكونوا ليفعلوا لو أن الرئيس المنتخب واحد آخر ليس من جماعة الإخوان المسلمين. المشكلة قديمة ولم تولد مع 30 يونيو. ادريس الكنبوري – المغرب [email protected]