أجيال المسؤولية السياسة في الجزائر

حجم الخط
1

يتصف الحراك الواقع على صعيد الدولة في الجزائر من خلال متوالية التغييرات الحاصلة على مستوى رجالات الحكم من أعلى إلى أدنى المؤسسات، بالكثير من العشوائية والتسرع، ما يعكس عمق الأزمة التي تحياها الدولة على صعيد المرجعية، المعايير والمشروع المنشطر بين إرادات التجسيد الداخلية والخارجية، وبين النخب الفكرية والعصب المالية والمؤسسات الأمنية.
هذا ما عكسته التغييرات الجزئية التي حصلت على مستوى الولاة، أي مسؤولي المحافظات، في ظل دنو موعد العملية الانتخابية للبرلمان، الأولى في عصر التقشف والأزمة المالية الخانقة، التي لم تشهد لها البلاد مثيلا، منذ الانهيار الكبير لسوق النفط سنة 1986 الذي نجمت عنه انتفاضة أكتوبر الكبرى، التي غيرت من شكل الجزائر دون مضمونها، أي من أحادية متعددة، إلى تعددية أحادية.
متوالية التغييرات الفجائية الحاصلة على مستوى المناصب السياسية والادارية العليا والمتوسطة في مؤسسات الدولة، التي أخذت وتيرة عالية مؤخرا، لا يمكن ولا بأي حال قراءتها في سياق الممارسة الطبيعية للصلاحيات، والسعي لتفعيل دورها بما يتيح للبرامج التنموية التجسيد فوق الميدان، بل في خضم تداعي الصراعات المتواصلة بين مجموعات متصلة، عضويا بهرم الحكم الذي فقد كثيرا بل معظم معالم انبثاقه، مذ استحوذ على مقود الدولة الوطنية بالقوة ذات صيف من موسم الاستقلال 1962، ومنفصلة عنه وعن بعضها بعضا مصلحيا.
فالوظيفة الإدارية ببعديها المتعلقين بسياسة التسيير وتسيير السياسة، والآخذة في التطور عبر مدارها واتجاهاتها الكبرى في العالم، لا تزال مشلولة في الجزائر، تبعا للشلل الحاصل في انتقال السلطة بالشكل الطبيعي والشرعي، فرغم توافر البلد على أكبر المدارس والمعاهد الخاصة بتخريج الكوادر الادارية، إلا أن هذه الأخيرة تظل عاجزة عن ممارسة محصولها من التعليم والتكوين الاكاديمي، الذي تلقته، مؤكدة بقاء المعرفة في الاطار النظري، في مجتمع لا يزال أبعد ما يكون عن الانقياد بالمعرفة، في ظل هيمنة الصراع الغنائمي على الخيرات وآليات الحصول عليها جيلا سياسيا بعد جيل.
هكذا انتقل صدام المعرفة بمصلحة الثورة، التي كانت تختفي وراء السلطة، على صعيد الممارسة الادارية للسياسة، والممارسة السياسية للإدارة من رمزيات التاريخ إلى مهاوي أصحاب المصالح، وهذا تبعا لحالة التطور الذي عرفه خطاب السلطة المحافظ، الذي تجلت خطورته، خاصة حين تحول في خطه التعبوي السياسي، من الدفاع عن مصلحة «الثورة» الذي ساد طيلة فترة الأحادية، بوصفها مشتركا جمعيا، إلى الدفاع عن «الوطن» ذي الصفة ذاتها، وهذا من أجل ضمان الالتفاف حول مبادراتها الوطنية، تماما كما كان عليه الحال قبيل تفجير ثورة 1954، مع فرق بسيط هو أن الأحزاب إذ ذاك تخلت عن وجودها التنظيمي ككل، وقبلت فكرة الانصهار في جهاز حزبي واحد، هو جبهة التحرير الوطني، في حين طلب من الأحزاب تعليق العمل بخلفيتها الإيديولوجية والمشاريعية، والذوبان في إيديولوجية «الوطن» ومصلحته المهددة، مباشرة بعد إيقاف المسار الانتخابي، وحصل ذلك طبعا بأن مال الكثير من التيارات والأحزاب الرافضة للجبهة الإسلامية للإنقاذ إلى جانب السلطة، ما أعطى هذه الأخيرة فرصة، بل قوة تحوير، أو بالأحرى تحويل الاتجاه التعددي الطبيعي الصحيح الذي كانت تسير عليه حركية التعدد الشامل، في مجتمع ما بعد أحداث أكتوبر 1988 عن سكته، بأسر المعارضة خطابيا بالمصلحة الوطنية، وماديا بشراء ذمته وأمنيا بتفجيرها من الداخل.
الأمر تجلى عمليا بشكل واضح في المؤامرة التي حيكت لوالي (محافظ) سكيكدة الذي تمت تنحيته، لكونه تحدث عن القطيعة بين بطولة التاريخ والمصلحة منه، حين أكد أن الفضل في الحرية والسيادة التي نحياها اليوم تعود للشهداء وحدهم، وكل من ساهم في الاستقلال وعاشه، إنما أدى واجبه ويقتضي منه واقع الحال أن يتمه بعيدا عن الغنائمية المتوحشة التي استنزفت قدرات الوطن.
ربما كان والي سكيكدة المُقال يعتقد أن الإدارة الجزائرية تحررت من إشكالات السلطة الكبرى في الجزائر، وأن مصالح جماعات الضغط لا تتوارث جيليا، متخذة من التاريخ ذريعة للاستمرار في بسط قبضتها على خيرات البلاد، الطبيعية منها كما العقارية، باسم صناعة التاريخ.
الحادثة الثانية التي أبرزت مأزق الإدارة في الجزائر وعدم قدرتها على الانتقال الوظيفي وفق الآليات المفهومية التي قامت عليها معرفيا، هي ما حصل مع والي بجاية، الذي لم يقبل بسيطرة بعض الجهات المشكلة لإدارة السلطان على حساب سلطان الإدارة على عقارات بالولاية، الأمر الذي اعتبر تطاولا على تلكم الجهات المتدثرة برمزيات البلاد المؤسسية، ما جعل أصحاب القرار يصرفون الرجل عن مهامه فورا.
من هنا يتضح أن ميدان مصرع التنمية تم في مسرح التاريخ الذي وجه الضربة القاضية للمعرفة، في مجتمع غير إداري على مستوى الوعي، لان ممارسة المسؤولية الإدارية تمت وفق المنظور الغنائمي للبلاد، تماهت فيه وتلاطمت المفاهيم بين الدولة، السلطة والوطن، مع الاستحواذ المستمر للانقلابيين المحافظين (على مصالحهم) على الأجهزة، لذلك كل الذين تخرجوا من المدرسة الوطنية للإدارة محملين بالمناهج الاكاديمية والتقنية البحتة، آملين متأملين في تطبيقها على ارض الواقع حالما يتبوؤن المناصب، سرعان ما تبخرت آمالهم وأحلامهم ووجدوا أنفسهم يذوبون طوعا وكرها في مدرسة الإدارة «الوطنية» سليلة جهاز الحكم بانبثاقاته اللاشرعية وبروحه الغنائمية، وبها مارسوا مهامهم الرسمية على مدار سنوات عمر الاستقلال الوطني، سواء كوزراء أو ولاة أو رؤساء دوائر، ولا أدل على ذلك من تصريح أحمد أويحيى الذي تقلد وتقلب بين العديد من المنصب السياسية للبلاد يؤكد عبره أولوية مدرسة الحكم على «مدرسة» الإدارة، حين قال من دون حرج ولا مواربة وهو خريج المدرسة الوطنية للإدارة (أنا خادم الحكم) !
كاتب صحافي جزائري

أجيال المسؤولية السياسة في الجزائر

بشير عمري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية