مصر: الخروج من الفيروس

حجم الخط
0

القاهرة – أحمد ندا : كان يوما عاديا لشاب في نهاية العشرينيات من عمره. جاءته رسالة على هاتفه المحمول: «طفل في مستشفى الدمرداش يحتاج إلى فصيلة الدم B موجب بسرعة» قرر أن يذهب للتبرع للدم، لينتظر فترة تزيد عن الساعة، دون أن يشعر أن هنالك مشكلة تخصه، ظنها مشكلة في «سيستم» العمل كما اعتاد في المستشفيات الحكومية، لكن الطبيب المشرف على عمليات التبرع اقترب منه وقال له بلا اكتراث «حضرتك معمول لك «بلوك» في قوائم المتبرعين علشان عندك فيروس سي».
كان ذلك يوم تعرفت على إصابتي بالمرض، الوباء المصري الأكثر انتشارا في العقدين الأخيرين في البلاد. وكنت قبل إعلان الطبيب أظن أنه يحدث للآخرين فقط لا لي. تلقيت كلماته كأنها بلغة أجنبية لا أفهمها. اللامبالاة التي تحدّث بها كانت أهم أسباب صدمتي، وكأنه يبلغني بحدث تافه عرَضًا. خرجت من «بنك الدم» ابتسم وأسخر مما حدث فقط لأطمئن رفيقة عمري التي لم تستطع أن تخبئ خوفها علي، وشعور متفائل بأن ما قيل لي خطأ في السيستم؟ قالت لي «سوف نعيد التحليلات.. وعندي إحساس إنك غير مصاب بأي شيء».
من المستشفى إلى «وسط البلد» حيث ألتقيت صديقي شادي لويس القادم من إنكلترا. بعدما سلمت عليه أعلمته بالخبر، وكعادته العدمية العاقلة، قابله بـ»عادية» كانت مفتاحا لأسخر منه من «نحسه» هذه السمعة المزعومة التي لازمته. في عقلي جزع لا من المرض بل من فكرة علاجته.. لكنني صمتتُ.
أنا الآن متأكد من إصابتي بالفيروس بعد إعادة التحليلات عدة مرات، أيضا لا بد من التفكير في العلاج، وكيفية الحصول عليه، وهو محدود للغاية في مصر، وباهظ للغاية. قرأت كثيرا عن المرض وأعراضه ومضاعفاته وفترة حضانته وخموله ونشاطه. لم أترك رابطا على الإنترنت إلا وقرأت تفاصيله، ساعدني في ذلك دراستي الطبية، ورفيقتي التي انصب اهتمامها كاملا على كيفية علاجي ولا شيء آخر.
بين معرفتي بالعدوى وبدء خطوات العالج عام كامل، مررت بكل مراحل الاكتئاب المعتادة، من الإنكار إلى التسليم. قررت أن أبحث عن أي شيء بعيد عن العلاج على نفقة الدولة، لكن تكاليف العلاج كانت ستتجاوز قدراتي المادية.. رفيقتي قالت لي: «لماذا لا تجرب العلاج على نفقة الدولة؟» وكطبيب سابق، أعرف كم المشقة و»البهدلة» في شيء كهذا، أعلم يقينا أن اللاجئين إلى العلاج الحكومي لا يقدرون على كلفة العيادات الخاصة، لم أر في المسألة «تعاليا طبقيا» كما اتهمني بعض الأصدقاء، لكن تفكير في القفز على فرصة من هم أحوج مني إلى العلاج.
في نهاية الأمر، قلتُ لنفسي سأجرب، ولم لا؟ وقد جربت كل ما عدا ذلك الطريق الحكومية ولم ينتج عنه أي نتيجة مجدية. وبعد فترة من الانتظار حصلت على الدواء.
يعرف ابن منظور الحماقة –في واحدة من معانيها- أنها كثرة الاحتيال- والمعنى ليس أنه واسع الحيلة، بقدر ما تكثر محاولاته للاحتيال ولا ينتج عنها أي شيء. كنت أنا ذلك الأحمق، وأنا لا أرى في مرضي إلا فرصة مواتية للانتحاب والصراخ واستخراج الملحمة من الحياة اليومية. كيف أخوض فيما يمنعني عن شرب الكحول وأكل الدهون؟ وكنت دائما ما «أحتال» على ذاتي وأراوغ في فعل ذلك. في تحين الفرص للغضب من مشوار العلاج الطويل. في خلق بكائيات من اللاشيء.
اليوم وقد خرجت من الفيروس، لا أرى في مشاوير المستشفيات الحكومية، وبطء الإجراءات الروتينية، والعلاج إلا شيئا يسيرا مما يراه الناس يوميا في مصر.

مصر: الخروج من الفيروس

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية