التاء والهاء

حجم الخط
0

قال: كيف تجيز كتابة (ثقات) بالتاء القصيرة (ثقاة) فهل هي مثل: داعي دعاة؟ وهل مفردها ثاقي؟ فأجبته: كلا ليس مفردها ثاقي، على الرغم من احتمال وجوده، بعد أن ضاع من اللغة أكثرها، وعلى هذا اتفق الدارسون من قدماء ومعاصرين. وعلى أي حال، تعال معي:
فأولا: لا علاقة بين الاشتقاق ورسم حرف التاء، كما أنه لا علاقة بين الاشتقاق ورسم أي حرف آخر. ولقد رسم العرب التاء بصيغتين، ما عرفناه بالتاء المفتوحة (ت) والتاء المغلقة (ة) ولك أن تسمي هذه بالتاء الهائية لأنها تُرسم مثل الهاء.
ولننظر في الرسم القرآني بمثال واحد من أمثلة عديدة. انظر كلمة (نعمة) التي جاءت بالتاء الهائية، ومنها (واذْكروا نِعْمَةَ اللّهِ عليكم) (سورة البقرة 231)، وبالتاء المفتوحة، ومن ذلك: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ) (سورة المائدة 11).
لا نعول على قول من زعم أنها كتابة آرامية فلا دليل عليه. ولا يمكن الأخذ بالرواية القائلة بأن الذين جمعوا القرآن قالوا: إن في القرآن لحنا ستقومه العرب بألسنتها. فمن غير المعقول أبدا أن الذين جمعوا القرآن آنذاك سيسمحون للحن أن يقع في رسم كلماته، إضافة إلى أن ترك اللحن كما هو سيسبب خلافا بين الناس، وهذا يناقض السبب المعروف لجمع القرآن في مصحف واحد. والحديث في هذا الجانب متشعب ليس هنا مجاله، وإنما أردت أن أقول إن كتابة التاء لا علاقة لها بالاشتقاق، بل هي ظاهرة صوتية تُمَدّ وتُقْصَر (لا أحبذ استعمال مصطلح اللسانية بدل مصطلح الصوتية).
وثانيا: وردت الكلمة في المخطوطات القديمة بالرسمين: ثقات، وثقاة.
وثالثا: لدينا قانون صوتي قال به القدماء، إنك إن استطعت أن تقف على التاء بالهاء، فتكتبها تاء هائية، كما في كلمة فاطمة، إلا إذا اشتبهت بغيرها. خذ كلمة صلاة فأنت تستطيع أن تقف عليها بالهاء، فإن كتبت التاء مفتوحة فستختلط بكلمة صِلات، بكسر الصاد، جمع صِلة، كما في صلة الأرحام، أو صلات القربى. لذلك لا تكتب الصلاة إلا بالتاء الهائية، خاصة أن العرب لم يكونوا يرسمون الحركات على الحروف في تلك المراحل من اللغة قبل أن يعرف الكاتبون رسم الحركات.
ورابعا: إن باب القياس اللغوي واسع على عكس ما هو شائع. ألا نقول: ليالي الأنس، مثلا، جمع ليلة؟ وحقيقته أنه جمع ليلاة، لا ليلة.
ولننظر الآن في الألفاظ المشابهة التي جمعت بالتاء الهائية: داعي – دعاة، قاضي – قضاة، ساقي – سقاة، راعي – رعاة. فهذه أسماء ذوات، دالة على أشخاص مجسّدين. هل تستطيع أن تنطق دعاة بالهاء، جريا على القاعدة الصوتية المذكورة قبل قليل؟ فشأن ثقاة كذلك.
وخامسا: قيل إن ثقات جمع ثقة. وثقة اسم معنى. فحين تقول: رجل ثقة، فقد أخبرت عن اسم الذات باسم معنى. والفرق بينهما أنك تستطيع أن ترسم اسم الذات، وهو هنا، رجل، ولا تستطيع رسم اسم المعنى، وهو هنا، ثقة، ولأن جمع اسم الذات في المستوى الثاني من الفصاحة، قال حذاق اللغويين: رجل ثقة ورجال ثقة، بلا جمع. ونص ابن منظور في الجذر (وثق) على تقليل الثقة بالجمع ثقات، مستعملا أداة التقليل (قد) في قوله: وقد يجمع على ثقات. ثم أشار إلى أنك إن وصفت به المؤنثة فالجمع ثقات.
والآن فلنقم بتجرية، نحذف الموصوف ونقيم الصفة مكانه، وهو أسلوب معترف به لغويا ونحويا. تقول: تحدثت مع ثقاتٍ، فلن يدرك السامع أنك قصدت رجالا ثقات، أم نساء ثقات؟ أفلا ترى ارتباكا وتداخلا في فهم الكلام؟ وهذا يختلف عن القاضي والراعي والداعية، لأنك تقول: مررت بقضاة لجمع المذكر وقاضيات لجمع الإناث. ومثله راعيات وداعيات.
وعلى كل هذا، فليكن ثقات، خاصا بجماعة الإناث، ويتخصص ثقاة، بجماعة الرجال.
والأفضل منهما (ثقة) للمفرد والجمع، مذكرا ومؤنثا. إلا إذا اشتبه عليك الأمر فلك في رجال ثقاة، ونساء ثقات، ملاذ.

٭ باحث وأستاذ جامعي عراقي – لندن

التاء والهاء

هادي حسن حمودي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية