قضية تيران وصنافير وحالة حصارٍ عامة

من ضمن أزماته العديدة ومن بينها، لا أشك للحظة في أن قضية تيران وصنافير هي أخطر ما يواجه النظام المصري الآن. أدرك تماماً أن مصر تعيش أزمةً اقتصاديةً حادة وعميقة، تسببت فيها سياسات النظام المالية والاقتصادية المتخبطة وغير محسوبة العواقب، والمنحازة بوضوح ضد الفقراء ومحدودي الدخل الذين تتضخم صفوفهم نتيجة تلك السياسات، من انفلاتٍ في الأسعار وانهيارٍ في القدرة الشرائية وأزماتٍ في السلع الأساسية والدواء.
كما أن الوضع في سيناء مقلق، كما تشهد بذلك مداخلة الرئيس مع الإعلامي عمرو أديب، فقد تعلمت أن أقلق من كل شيءٍ تحاول الدولة نفيه أو طمأنة المواطنين عليه.
في ما يخص ملف الحريات والمجال العام والمشاركة السياسية، فحدث عن انعدامها جميعاً ولا حرج، فالسجون ممتلئة والنظام وأمنه يقولان هل من مزيد، والاتهام بالانتماء للجماعة المحظورة أو حتى التعاطف معها صارا مظلةً ومسوغاً للاغتيال المعنوي أو التصفية الجسدية إذا لزم الأمر.
نحن إذن إزاء فشلٍ على جميع الأصعدة، بيد إنه إذا كان في مقدور النظام وأبواقه التحايل على هذ الأداء الرديء والفاشل عن طريق الكذب والتدليس واختلاق الإنجازات الوهمية وجر الجمهور في مشاريع عديمة الجدوى أو التذرع بإلقاء اللائمة على مبارك وحصيلة سني حكمه من الفشل المتراكم (الذي لا نشكك فيه بالمناسبة)، فإن قضية تيران وصنافير تظل ذات وضعٍ خاصٍ، ذلك أنها، ودون لبس، تضرب مشروعية النظام السياسي والسيسي على رأسه في مقتل، خاصةً أنه لا ولن يستطيع التنصل من المسؤولية. ليس ذلك فحسب، بل إن القضاء قد حكم بمصريتهما مبطلاً الاتفاق، مكللاً بنجاح حملةً قادها الأستاذان خالد علي ومالك عدلي وفريقهما الباسل وحبس في مظاهراتها الكثيرون.
إن أكبر وأسمى مهام أي نظامٍ هو الحفاظ على سيادته الوطنية على أراضيه ما في ذلك شك، وأذكر أنني قرأت أن جمال عبد الناصر عقب هزيمة 67 وفي قاع اليأس والإهانة على ما حل بنا، قال ما معناه إن أي نظامٍ لا يستطيع حماية أرضه لا يستحق الاستمرار، وليس ثمة جدل في أن تلك الهزيمة هزته شخصياً وهزت صورته أمام العالم، وحركت تبعاتها أول مظاهراتٍ يعرفها عهده ضد النظام أو جزءٍ منه؛ وذلك عبد الناصر وهو من هو.
في حالة الرئيس السيسي فإن الأمر يصبح أكثر تعقيداً بكثير وأعمق إهانةً، فالتنازل هنا طوعي، في مقابل المال، كما أننا وبمنتهى الثقة نستطيع أن نؤكد أن الغرض من هذه الأموال كان دوماً، ومذ قدم على ظهر دبابته، دعم النظام حيث تبخرت أغلب الأموال والواردات من دول الخليج، في مشتريات السلاح وخزينة القوات المسلحة، ذلك الثقب الأسود الغامض. هذه أرضٌ خيضت من أجلها معارك وسقط شهداء وتتمتع بميزةٍ استراتيجيةٍ فائقة لا مثيل لها، إذ تمنح مصر سيطرةً على المضائق بما يهدد أمن إسرائيل مباشرةً؛ وإذا وضعنا في الاعتبار تعليق مكرم محمد أحمد نقيب الصحافيين الأسبق عن دور متفقٍ عليه لإسرائيل في تأمينهما، فإن الأمر يتعدى التفريط ليغدو كارثياً، ويرقى إلى الاستهتار الجهول بالأمن القومي، وقد لا يتورع الكثيرون أو يحجمون عن وصفه بالخيانة.
وإذا نحن تذكرنا التهم الموجهة للرئيس مرسي والإخوان المسلمين بالتخابر مع قطر والنية عن بيع أراضٍ مصرية لها فإن حرج النظام يزيد. نحن إزاء نظامٍ يزداد عريه، محاصرٌ، كفأرٍ في مصيدة، وما كل ذلك العنف تجاه معارضيه الذي نرى سوى تعويضٍ عن ذلك الشعور بالضعف والخوف من المستقبل. قد لا يأبه النظام لمعارضيه السياسيين، بيد أن أزمته الاقتصادية وتبعاتها تطال كتلاً جماهيرية واسعة جداً، وتأتي أزمة تيران وصنافير لتظهره في مظهرٍ بائس، لاسيما وأن أخبارا اًو تسريباتٍ قد انتشرت وشواهد تراكمت بتوترٍ مقلقٍ (للنظام بالطبع) في العلاقة مع المملكة العربية السعودية، خاصةً في ضوء إلحاح الأخيرة على الإسراع بإجراءات تسليم الجزيرتين كما هو متفق عليه.لقد أدرك النظام الذي اختلف مع اتجاهات المملكة في عدة ملفاتٍ، على رأسها السوري، أنه لا قبل له بغضب الممول الأكبر، ما حدا به إلى تحويل الاتفاقية لمجلس الشعب للتصويت عليها، الأمر الذي يعد تعدياً وخرقاً دستورياً.
من المهم هنا أن أثبت أن النظام ليس وحده المحاصر، بل جل المواطنين كذلك، فهم بين مطرقة الغلاء المتصاعد والفقر وسندان البطش. لقد سد النظام في هاجسه الأمني ورعبه من 25 يناير آخر، أي منافذ مشروعةٍ للتعبير عن السخط، خشية تضخمها وتحولها إلى مظاهرةٍ ضخمة، فأتحف البلد ببطارية من قوانين قراقوش المشلة للحريات والتجمع وغلظ العقوبات.
لا أستطيع أن أتنبأ بتوقيت ثورةٍ أخرى أو أجزم بقربها، إلا أنه في ظل انسداد كل الأبواب ومع استمرار تدهور الأوضاع، فقد لا يبقى أمام المواطن المحاصر سوى بدائل الثورة، من عنفٍ تجاه مواطنين آخرين كمن ينتمون لديانةٍ أخرى، أو السرقة والسطو المسلح والاختلاس وما أشبه ذلك من فساد المعاملات المالية أو انفجاراتٍ عفوية، سيتبع النظام لا محالة سياسته المعهودة في قمعها وعدم الإفصاح عنها، إلا أن ذلك لا يعني أنها لا ولن تحدث، فهو سيستمر يسكت من يشاء ويعتقل من يريد إلا أن ذلك لن يحل المشكلة.
هي حالة حصارٍ عامة، والحكومة هنا تشبه المواطن المقهور في أمرٍ واحدٍ فقط، أن كلاهما ما يني يفقد هامش المناورة، محاصرٌ كفأرٍ في مصيدة، مع ملاحظة أن النظام ما يزال مصراً على عدم تقديم أي تنازلات.
لا يسعنا في هذا السياق سوى أن نسأل: أمام الفشل المتراكم في إدارة الملفين السياسي والاقتصادي والتفريط في الأرض، وفي حال زاد السخط، فهل سيمهد ذلك الطريق لانقلابٍ آخر تتخلص به المؤسسة العسكرية مرةً أخرى من شخصٍ للحفاظ على الدولة والنظام؟
كاتب مصري

قضية تيران وصنافير وحالة حصارٍ عامة

د. يحيى مصطفى كامل

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية