إسطنبول ـ «القدس العربي»: سجلت الليرة التركية، الأربعاء، تراجعاً قياسياً جديداً في ضربة جديدة للاقتصاد التركي الذي يعاني من أزمات متلاحقة عقب سنوات من النهضة والنمو الاقتصادي وذلك نتيجة السياسات الاقتصادية الداخلية والتغيرات الدولية والحروب في المنطقة والهجمات الإرهابية بالإضافة إلى محاولة انقلاب فاشلة كلفت البلاد الكثير.
وطوال الأسابيع الماضية واصلت الليرة التركية تحطيم أرقام قياسية في الهبوط أمام الدولار وبعد أن كان سعر الصرف 2.2 قبل أقل من عام و2.9 قبل أسابيع، وصل، الأربعاء إلى 3.94 ليرة لكل دولار، ووصلت إلى 4.10 مقابل اليورو، لتكون بذلك قد خسرت أكثر من 10٪ من قيمتها منذ بداية العام الجاري فقط، وقرابة 25٪ منذ محاولة الانقلاب الأخيرة.
وكان البنك المركزي سعى، الثلاثاء، للجم هبوط الليرة فخفض نسبة احتياطي الصرف في المؤسسات المصرفية لضخ 1،5 مليار دولار في النظام المالي، لكن الإجراء لم يحرز النجاح المتوقع لاعتبار المحللين انه لا يكفي.
وبينما يربط مراقبون بين الانخفاض الذي شهدته العملة في الأيام الأخيرة وبين البيانات الصادرة عن البنك المركزي الأمريكي، تقول الحكومة إن الانخفاض خلال الشهرين الأخيرين جاء بفعل الاهتزاز الذي شهدته العديد من الأسواق العالمية عقب فوز دونالد ترامب بانتخابات الرئاسة الأمريكية، يضاف إلى ذلك قرار البرلمان الأوروبي تجميد مفاوضات انضمام تركيا للاتحاد بسبب حملة التطهير التي تقوم بها الحكومة منذ محاولة الانقلاب الفاشلة في البلاد منتصف تموز/يوليو الماضي.
لكن مشاكل الاقتصاد التركي لا تتعلق بأزمة سعر الصرف الأخيرة فقط، فهذا الاقتصاد عانى كثيراً بفعل الحروب والأزمات المتلاحقة في دول الجوار لا سيما في سوريا والعراق وتحمل تركيا أعباء أزمة اللاجئين، وإرسالها قوات عسكرية إلى سوريا والعراق بالتزامن مع توسيع الحرب على حزب العمال الكردستاني داخل وخارج البلاد ما كلف خزينة الدولة مصاريف جديدة أثقلت من كاهلها.
وبجانب ذلك تمر السياحة في البلاد في أسوأ مراحلها بسبب سلسلة من الهجمات الإرهابية استهدفت العديد من المعالم والمناطق السياحية في اسطنبول وأنقرة والتي كان آخرها الهجوم على المهلى الليلي في إسطنبول ليلة رأس السنة والذي خلف 39 قتيلاً وعشرات الجرحى معظمهم من السياح الأجانب، وأدت أيضاً إلى إخافة المستثمرين، بينما يعاني قطاع العقارات من ضعف كبير في الإقبال رغم لجوء الشركات الكبرى إلى الاستثمار في بناء عشرات الآلاف مع الشقق في مجمعات سكنية راقية في إسطنبول والمحافظات التركية الأخرى.
ويضاف إلى ذلك كله، الفاتورة الباهظة التي دفعتها البلاد نتيجة محاولة الانقلاب الفاشلة وما تسببت به من خسائر اقتصادية مباشرة وغير مباشرة تمثلت في إغلاق مئات الشركات واعتقال مئات رجال الأعمال بتهمة الانتماء إلى جماعة غولن المتهمة بتدبير محاولة الانقلاب، وإعلان حالة الطوارئ في البلاد، بالإضافة إلى التوتر الداخلي المتصاعد والجدل حول مشروع التعديلات الدستورية التي يناقشها البرلمان وتهدف إلى تحويل نظام الحكم في البلاد إلى رئاسي.
وبينما شدد وزير الاقتصاد نهاد زيبقجي على أن تراجع الليرة «مؤقت» اعتبر أن «سعر الصرف ليس أهم من العجز في الحساب الجاري والتوظيف والنمو أو التضخم» في حين تحدث كبير مستشاري أردوغان، جميل إرتم عن مؤامرة أجنبية لتشجيع المضاربات وتخفيض قيمة الليرة، وقال: «هناك عملية جارية لتخفيض قيمة الليرة بسرعة. هذه ليست نظرية مؤامرة. إنها واقع شديد الوضوح».
والشهر الماضي قاد أردوغان حملة شعبية واسعة من أجل حث المواطنين الأتراك على تحويل مدخراتهم من العملات الأجنبية إلى الليرة التركية أو الذهب، لدعم النمو الاقتصادي في البلاد ووضع حد للانخفاض المتواصل لـ»الليرة» لكن هذه الحملة التي حققت نتائج قصيرة المدى سرعات من ثبت ضعفها أمام حجم الضعوطات التي تواجهها العملية التركية.
وبينما يؤكد أردوغان الذي يصف ما يحدث بـ»المؤامرة» أن بلاده سوف تتجاوز هذه الأزمة، يشدد رئيس الحكومة التركية بن علي يلدريم على أن «الاقتصاد التركي قائم على أسس صلبة».
وكالة رويترز ذكرت في تقرير لها، الأربعاء، أن تركيا لا تملك رفاهية الاغتراف من احتياطاتها لتثبيت الليرة، لافتةً إلى أنه ومع هبوط الليرة إلى مستوى قياسي جديد لتصبح أسوأ العملات أداء في الأسواق الناشئة الكبرى أمام الدولار الأمريكي يرى المحللون أن رفع أسعار الفائدة هو الخيار الوحيد أمام البنك المركزي.
لكن الحكومة تعارض بشدة اتخاذ أي خطوة من شأنها الإضرار بالنمو الاقتصادي، ويطالب أردوغان على الدوام بخفض أسعار الفائدة من أجل تشجيع الاستثمار ورفع معدلات النمو.
وقالت الوكالة: «ظاهريا تبدو الاحتياطيات التركية من العملة الصعبة في مستوى صحي إذ تظهر بيانات البنك المركزي أن إجمالي الاحتياطيات بلغ نحو 106 مليارات دولار في نهاية 2016. غير أن الذهب يمثل 14 مليارا من هذا المبلغ كما أن البيانات التفصيلية للرقم الإجمالي تكشف عن صورة أقل وردية من ذلك لاسيما عند مقارنة الأرقام بحجم المبلغ الذي يتعين على تركيا سداده من ديونها الخارجية في الأشهر المقبلة».
وتقدر حسابات أجراها بنك يو.بي.إس وبنوك أخرى في لندن واسطنبول بناء على بيانات البنك المركزي أن المستوى الحقيقي للاحتياطيات القابلة للاستخدام أقرب إلى 35 مليار دولار.
التراجع الأخير جاء أيضاً على أثر نشر وكالة موديز تقريرا توقع تراجعا كبيرا لارباح البنوك في تركيا خلال 2017 بالإضافة إلى نشر نسبة التضخم لشهر كانون الاول/ديسمبر 2016 التي بلغت 8،53 في المئة مقارنة بالشهر ذاته في 2015 وهي نسبة اعلى بكثير من النسبة المستهدفة من البنك المركزي وهي 5 في المئة.
لكن محمد علي أقبن رئيس مؤسسة تنظيم ومراقبة القطاع المصرفي في تركيا قال إنّه لا يرى تدهوراً كبيراً في جمع البنوك لمستحقاتها المتأخرة ومخزونها من العملات، وأنّ البنوك التركية أنهت عام 2016 بأرباح جيدة، لافتاً إلى أن «نسبة كفاية رأس المال لدى البنوك التركية لم تشهد تدهوراً وأنّ تقييم موديز لا يعكس الواقع».
وانخفض الاستهلاك بنسبة 2٪ خلال الفصل الثاني من العام الماضي، ووصلت نسبة البطالة إلى 11،3 ٪ وتراجع الإنتاج الصناعي خلال أيلول/سبتمبر بنسبة 3،1٪ ما يعني تراجع النشاط الاقتصادي في البلاد خلال الفصل الثالث من العام 2016 للمرة الأولى منذ عام 2009.
وفي حين كانت الحكومة التركية تتوقع نسبة نمو للعام 2016 تصل إلى 4،5٪ فإنها عادت وتوقعت أن تكون 3،2٪.
وتحاول الحكومة إعادة تشجيع الاستثمار من خلال المزيد من التخفيضات الضريبية المؤقتة لتعزيز النمو، لكن مراقبون يتوقعون أن تستمر المشاكل الاقتصادية في البلاد خلال العام الجاري وتوسعها إذا لم تتخذ الحكومة التركية إجراءات وإصلاحات جذرية تساهم في احتواء الأزمة.
وفي تشرين الثاني/نوفمبر رفع البنك المركزي للمرة الاولى منذ كانون الثاني/يناير 2014، نسبة فائدته الرئيسية (+50 نقطة) لاحتواء تدهور العملة الوطنية.
الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وفي آخر تصريح له حول الأمر كرر دعوته للأتراك لبيع النقد الأجنبي وقال إن سعر صرف الليرة لا يعكس الحقائق الاقتصادية، داعياً البنوك وبخاصة الحكومية لخفض أسعار الفائدة، ولفت إلى أن البنك المركزي يجب أن يعمل على هذه القضية لخفض أسعار الفائدة.
وعلى الرغم من أن البيانات الأحدث أظهرت أن الصادرات التركية تعافت بنهاية عام 2016. وقال رئيس مجلس المصدرين الأتراك محمد بيوك أكشي إن صادرات تركيا ارتفعت 7.4 في المئة في ديسمبر كانون الأول لتصل إلى 12.82 مليار دولار، إلا أنها انخفضت في عام 2016 ككل بنسبة 0.8 في المئة إلى 142.6 مليار دولار.
وفي هذا الإطار، أشارت بيانات معهد الإحصاء التركي أن مؤشر الثقة الاقتصادية في تركيا انخفض أكثر من 18 في المئة إلى مستوى قياسي في كانون الأول/ديسمبر بما يشير إلى توقعات أكثر تشاؤما بعد انكماش الاقتصاد بنسبة 1.8 في المئة في الربع الثالث.
وقبل أسابيع، أثار قرار مؤسسات التنصيف العالمية بتخفيض تصنيف الاقتصاد التركي غضب كبار المسؤولين الأتراك الذين حذروا من مؤامرة تهدف إلى ضرب اقتصاد بلادهم، مشككين بمصداقية وأهداف هذه المؤسسات العالمية، في حين وصف كبار الكتاب المقربين من الحكومة ووسائل الإعلام الموالية ما يواجهه اقتصاد بلادهم بـ»محاولة انقلاب» اقتصادية جديدة أصعب من محاولة الانقلاب العسكرية.
إسماعيل جمال