إصدارات

حجم الخط
0

 

سمر يزبك: «المشاءة»
قبل هذا العمل الروائي الجديد، كانت الكاتبة السورية سمر يزبك قد انشغلت بالهمّ الوطني السوري، فأصدرت «تقاطع نيران» الذي يسجّل يوميات الشهور الأولى من الانتفاضة الشعبية؛ ثمّ «بوّابات أرض العدم»، الذي يتابع الانشغالات ذاتها، ولكن من مواقع على الأرض في الداخل السوري، في محيط محافظة إدلب، حيث خاطرت الكاتبة بالدخول عبر تركيا. «المشاءة» ـ روايتها الخامسة بعد «طفلة السماء»، «صلصال»، «رائحة القرفة»، و»لها مرايا»؛ فضلاً عن مجموعتين قصصيتين، «باقة خريف» و»مفردات امرأة»؛ ونصّ مفتوح بعنوان «جبل الزنابق» ـ  تلتقط محطات أخرى في حياة الانتفاضة السورية، ولكن عبر رؤى واقعية وأخرى حلمية، كثيفة الشعور ورهيفة الإبصار وحادّة الوعي، تعيشها صبية يافعة مصابة برغبات جارفة في المشي، وفي الرسم والقراءة والتدوين بأحرف تصويرية رغم أنها لم تدخل مدرسة نظامية.
ريما سالم المحمودي، كما يأتي ذكر اسمها مرّة واحدة يتيمة في الرواية، تمرّ بأهوال شتى: من حواجز الأمن، حيث تفقد أمّها وتُصاب بطلقة؛ إلى المشفى تحت رقابة الأمن، حيث تلتقي بنماذج بشرية سورية ذات ارتباطات متشعبة بوقائع القمع والعنف والرعب؛ إلى زملكا، في محيط دمشق، بعد جوبر، حيث المزيد من النماذج والأهوال والضرية الكيميائية وفقدان الأخ الوحيد؛ وانتهاء بقبو، أقرب إلى مدفن فعلي ومجازي، حيث تدوّن الصبية، وتراقب كائنات العالم الخارجي من بشر وحيوان وطائرات تقصف، وحيث تقضي جائعة ومهترئة ومتآكلة، حيّة/ ميّتة ببطء؛ أو هكذا في وسع القارئ أن يستخلص من نهاية تركتها يزبك مفتوحة.
من الرواية: «لكلّ كوكب من كواكبي السرّية أهميته، لكن كوكب الطين، له أهمية استثنائية. هذا الكوكب لن يختفي حتى أختفي. هذا جيّد. لوني مثل لون الطين، وإنْ كان بدرجات متفاوتة. لكنّ أصله طين، وهو أحد ألواني المفضلة. نحن ألعاب من طين، ألعاب صغيرة سريعة الكسر والتفتت، إذ يكفي خدش بسيط في أجسادنا لنتحوّل إلى غبار. وتتقطع أعضاؤنا ببساطة. أنت لا تصدّق؟ استطعت التحقق من هذا عندما قُصف بيت أم سعيد وسقطت القذيفة قربها، وتحولت إلى تمثال نصفي من الطين. تمثال بلا ساقين. لعبة بلا ساقين. كانت أم سعيد تمشي على ساقين، وكانت مثل جبل، ومن المستحيل التفكير في أنّ معجزة قادرة على إزالة هذا الجبل، تحولت أم سعيد إلى لعبة طينية بلا ساقين، خلال ثوان».
دار الآداب، بيروت 2017؛ 206 ص.

فهمي جدعان: «مرافعة للمستقبلات العربية الممكنة»

أبانت العقود الأخيرة من القرن المنصرم عن «جَزْر» عربي ينذر بالانحلال وانقطاع الرجاء، وعن «مدّ» إسلامي يَعِد بملكوت سماوي على الأرض. «تضاد» و»تراكب» يكتنفهما سحاب كثيف، ما لبث أن كشف عن إعصارات حارقة، خارقة، يلحق بعضها ببعض؛ حسب فهمي جدعان، خريج السوربون وأستاذ الفلسفة والفكر العربي الإسلامي الحديث والمعاصر في جامعات عديدة.
في الجزء الأول من كتابه هذا يستحضر جدعان حال «الأفكار ـ القوى» التي كان قد عوّل عليها للزمن الذي كان منظوراً في يقينه؛ وأمّا في الجزء الثاني فإنه يوجّه التفكير إلى الانحلالات والتفككات «النكدة» التي لحقت بالزمن العربي الجديد، وإلى «التجسدات والتماثلات الداكنة» التي تلبست الزمن الإسلامي الطالع. وهو، بعد ذلك، يصيخ السمع إلى «نداءات الوجود» و»حقوق المعنى»، و»دواعي العبور الآمن الواثق». وللخروج من دائرة الولادات البائسة، يختار جدعان السير على طريق الدولة العادلة، والإصلاح الراديكالي، وإعادة بناء القيم، والحرية، في حدود فلسفية مناهضة للحمق والهوى، تقودها أوامر العقل والحكمة.
جدير بالذكر أن جدعان واظب منذ 1985، حين صدر كتابه «نظرية التراث»، على معالجة مسائل التقدم عند مفكري الإسلام، وجدلية الديني والسياسي، والنسوية الإسلامية، وإشكاليات «الماضي في الحاضر»، والطريق إلى المستقبل، والمقدس والحرية، وسواها من القضايا ذات الصلة بواقع الإسلام المعاصر.
الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت 2016.
512 ص.

سنية الفرجاني: «امرأة بني باندو»

في تقديم هذه المجموعة، وهي الثالثة للشاعرة التونسية سنية الفرجاني، يكتب الشاعر والأكاديمي التونسي منصف الوهايبي: «لعلّ ما يًحمد لهذا الكتاب الجميل لغته المقتصدة وهي تقول تفاصيل اليومي والمعيش.. تقولها مثلما يقول الرسم ذلك، وتقولها مثلما يقول السرد ذلك. ولا أحب بهذا أن أقول إن هذا الكتاب الشعري لوحات تشكيلية، وإنما فيه من مقتضيات التشكيل البصري وإن بتمثّل لغوي. فاللوحة هي أيضاً تكثيف، وربما تكون حتى أكثر تكثيفاً من القصيدة فمهما اتسعت مساحة القماشة فإنها محدودة لا تفلت من الحقل البصري، لكنها جزئيات وتفاصيل، بل أشياء بسيطة قد لا ننتبه إليها في معهود سلوكنا اليومي. ولا أحب أيضاً أن أقول إن قصيدة سنية قصة قصيرة مكثفة؛ وإن كنت أجد بينها وبين أسلوب القصّ المبتسر وشائج وأواصر لعلّها مما يزيد من جمالية اليومي فيها. عليّ أن ابدي ملحوظة هاهنا وهي أن هذه الجمالية لا تعني تحويل اليومي إلى موضوع جميل، فمن أشدّ خصائص اليومي التصاقاً به خاصية المعاودة والتكرار بنفس الوتيرة تقريباً، وهذا إنما يغنم هذا الأخيرُ من اليومي نبض الحياة».
هنا، من المجموعة، قصيدة «حبال الغسيل»: «غداً/ على حبل الغسيل/ سأنشر أشهر العام كاملة/ دون أن أغسلها/ أريد أن تتساقط الذكريات منها/ وتجفف الشمس فيها/ كل ما كان بارداً/ ساقا تونس/ يداها النحيلتان/ صدرها المرميّ… على جلد ثور/ وصوتها المعلّق فوق المسارح الفارغة/ غداً…/ أودّ أن أكنس الغرف/ بريشة طائر/ كي لا أحلم… في العام المقبل/ وأكتفي/ بترصيف القبعات…».
دار آفاق، تونس 2016؛ 156 ص.

Sebastian Smee: «The Art of Rivalry»

«فنّ المنافسة»، للأمريكي سيباستيان سمي، الناقد الفني في صحيفة «بوسطن غلوب»؛ يحمل العنوان الفرعي التالي: «أربع صداقات، وخيانات، واختراقات، في الفنّ الحديث». وهو، استطراداً يتناول هذه المفردات الثلاث، الصداقة والخيانة والاختراق، عبر توازي وتقايل وتباين وتعارض ثمانية أقطاب: ماتيس/ بيكاسو، مانيه/ دوغا، بولوك/ كوننغ، وفرويد/ بيكون. الحصيلة، من وراء هذه الاشتباكات جميعها، انتهت إلى صناعة سلسلة من أهمّ مكاسب الإنسانية في حقل الفنون التشكيلية. ولأنّ المنافسة كانت في قلب بعض أشهر الارتباطات، وأشدها عمقاً، في ميادين الأدب والفنّ بصفة خاصة؛ فإنّ ما جرى بين هذه الأقطاب كان مزيجاً مذهلاً من الوفاء، والتأثير، والتأثر، والحسد، والإعجاب. صداقة إدوار مانيه وإدوار دوغا ظلت متينة، حتى نجح الثاني في رسم بورتريه للأول وزوجته، أثار عواصف الحسد بينهما. وبين هنري ماتيس وبابلو بيكاسو هيمن جوّ رائع من تبادل الأفكار والمشاريع والتأثيرات، حتى وقعا في التنافس على صدارة الحركة الطليعية، وكذلك كسب ودّ غرترود شتاين! وأمّا أسلوب جاكسون بولوك الفريد، في «الرسم والتمثيل معاً»، فقد ولّد رغبة مجاراة جارفة لدى منافسه القديم، وليم دي كوننغ، الهولندي ـ الأمريكي، الذي حمل راية الأسلوب بعد رحيل بولوك في حادث سيارة. وكان لوسيان فرويد، الفنان البريطاني ـ الألماني المولد، قد التقى بنظيره فرنسيس بيكون، أواخر خمسينيات القرن الماضي، فتوطدت بينهما صداقة عميقة، شخصية وفنية؛ لم يفسدها سوى الهوس المشترك في تفكيك بورتريهات البشر إلى ملامح زائغة، مهشمة مشوّهة عن سابق قصد.
وعلى جري عادته في كتابة التحليل النقدي الفني عن طريق التوغل النفسي في بواطن الفنان الشعورية، الأمر الذي أكسبه جائزة بولتزر الرفيعة؛ يبلغ سمي، ويبرهن بعمق على، هذه الخلاصة اللامعة: كل التماعة رفيعة واختراقية لفنّان كبير، من ذلك الطراز الذي يتيح له أن يعثر على صوته الخاص، لا بدّ أن تستوجب الانفكاك الإرادي عن كتلة من الانتماءات والتأثرات، وقد تؤدي إلى… خيانة صداقة ما، حميمة!
Random House, New York  2016, 391 p.

إصدارات

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية