سهير المصادفة في «بياض ساخن»: تسليط الضوء الكشاف على الحياة الجوانية في الشارع المصري

حجم الخط
0

 

تقتحم الروائية والشاعرة المصرية سهير المصادفة عالم الهوامش والأجواء السفلى للحياة المصرية، مستندة إلى رؤية واقعية، حالمة، ودرامية في بعض وجوهها، لكي تُجسِّد مصائر شخصيات ضائعة، كاشفة عري القاع المصري، ذلك القاع المتشرذم والمطحون والمتشظي في صراعه المتنامي، مع الحياة أولاً، ومع التسلط الكرونولوجي والتاريخي الذي هيمن على الطبقات ووعيها منذ العصور الكولونيالية القديمة، التتريك وظله الثقيل على المجتمعات المصرية بكل شرائحها ونخبها وممثليها. تاريخ طويل من الاستبداد وحكم الباشوات والقصور المنيفة، وصولاً إلى عصر الثورات، وغياب الملكية، وظهور الحكم التوتاليتاري، متمثلاً بجمال عبد الناصر، وبروز الوعي القومي، بكل تجلياته الراديكالية، مروراً بالانتكاسات المتوالية، ثم الصحوة على يد القوى الجديدة، والشابة التي نادت بالتغيير والثورة، والتأسيس لعالم مغاير لعصور الفساد والاستبداد والترهل السياسي الذي حكم البلاد طويلاً، لينزاح فيما بعد عبر أصوات شباب الميدان والحركة الثورية المضادة، المنتمية إلى أفق الحداثة والتجديد السياسي.
تحت ظل هذا المفهوم، بنت الروائية سهير المصادفة عالمها الماتع والمائز والفاتن والقدير، حيث استطاعت تسليط الضوء المنير والكشاف على الحياة الجوانية في الشارع المصري، هذا الشارع المتحرك والمرح والفقير، الذي يتميَّز عن بقية الشوارع العربية بسعة أفقه وتجاربه، وأيضاً بسعة مشاكله وحوادثه ومصائبه اليومية.
تحتل أفق رواية سهير المصادفة «بياض ساخن» شخصيتان مركزيتان، فاعلتان ومهيمنتان في الآن ذاته على هذا الأفق، تتناوشه بين الحين والآخر وتقتحمه شخصيات أدنى منها على صعيد الفعل الميلودرامي، صعيد التوتر والحركة والكاريزمات التي تمتعت بها هاتان الشخصيتان وهما «لولا» و«عبلة»، أما الشخصيات الأخرى فهي بانية للعمل وساندة له، تظهر بين حين وآخر حسب الوتيرة الزمنية التي تتحكم بهذا العمل الذي سيحتِّم حضور مثل هذه الشخصيات الثانوية، شخصيات تساعد على بلورة بناء متسق، وداعم، بناء يعين الشخصيتين الرئيسيتين في امتلاك السيطرة على السياق العام للرواية، ومن ثم الحفاظ على سياقها الدائري، ذلك المستقى من حياة ومدار ويوميات هاتين الشخصيتين الأساسيتين في العمل، أما الآخرون مثل الأخ وزوج عبلة وابنها وبعض الأصدقاء والشخصيات التي تظهر في الشارع والميدان والأسواق، فهي تبقى في حالة تمظهر، على طول صفحات الرواية، لتؤازر عمل ونشاط وحركة هاتين الشخصيتين المشار إليهما أعلاه.
تتنازع الروايةَ عشرون وحدة سردية، مدارها الأختان، كل وحدة، تختص بشخصية واحدة منهما، وبالمداورة لولا وعبلة، وكل وحدة سردية تروي التاريخ القريب للعائلة، وأكثره يتركز في شخصية عبلة، الأخت السليمة عقلياً والساعية إلى تماسك البيت العائلي، بعد غياب الأم والأب، والحفاظ على الصورة المرسومة والقديمة عن العائلة المتحدِّرة إلى حد ما، من طبقة اجتماعية متوسطة، ميسورة الحال، وتسلسل أرومتها يعود إلى أصل محتد، لكن الشخصية عبلة بمروياتها، تسرد أحياناً مرويات معاكسة لما تسرده لولا في مروياتها، ساخرة أي عبلة من تاريخ العائلة، ومن الجدات اللواتي ينتمين إلى عصر الباشوية، بطريقة تشي بوضعها السايكولوجي المتدهور يوماً بعد يوم، والذي بدأ منذ هروبها من البيت إلى الشارع، لتسكنه وتعيش فيه، جائلة بين الأسواق والحواري والمقاهي، كاشفة عن خلل واضح في شخصيتها المهملة والمتصعلكة التي تعيش حياة الهامش واختلال التوازن العقلي والجسدي والنفسي، ومن ثم الدخول في عالم سايكوباثي، متشائم من العالم الجديد، يقترب في رتبته المرضية، من المنخوليا أحياناً. عالم سوداوي، فيه السويداء تُهشِّم ما تبقى من الإرادة العقلية والذهنية والبنية السليمة للجسد، فهي لم تبالِ من تعرِّيها أمام العامة، وعدم مبالاتها أيضاً، بملامحها وملابسها وتكوينها، وإهمال زينتها وملبسها، وصولاً إلى إظهار جسدها عارياً أمام المارة «فالناس لا يرعبهم أكثر من العري والجنون».
من هنا ستتم مراقبتها من قبل العامة، كون هذه المرأة المدعوة عبلة، امرأة مجنونة تترك بيتاً دافئاً، لتقع بعد ذلك فريسة للسوداوية، وتُمسي طريدة العيون أنى حلتْ وحطتْ بقدميها المتورِّمتين، ووجهها المتسخ، وشفتها اليابسة والمتشققة، وأظفار يديها الوسختين، وشعرها الأشعث والمهمل والمجعَّد والذي تهرشه بين حين وآخر، فهو خير دليل رمزي يعكس حالتها وتحولاتها النفسية الجديدة، في عالم متغير وسريع الإيقاع، عالم الثورات وتحولاته المصرية، وانعكاسها على البلاد برمتها، وحياة الناس التي رأت في الثورة الصاعدة عالماً منيراً، أزاح تاريخاً طويلاً من الفساد والتغوِّل البوليسي، وسيادة نبرة القوة والتهديد والوعيد في الحياة المدنية، لدى الكائن المصري البسيط، المتطلع إلى حياة كريمة، خالية من التسلط والنهب، ومن رموز القوة القاهرة للبلد، بأساليبها القمعية والبوليسية المستشرية والمتغلغلة في عمق النسيج الاجتماعي والسياق العام للحياة المصرية.
من هنا تجمح عبلة الشخصية النافرة، والمتمردة على القوانين البطرياركية للعائلة، إلى النفور والخروج على الثابت، إلى أفق متحوِّل، متساوق مع الثورة التي تسكن الميدان، فثورتها الشخصية، هي ثورة مستمدة من أفق الثورة الكبيرة لحياة الناس، والمواكبة لأحلامهم ومصائرهم وتطلعاتهم المشروعة في بزوغ واقع جديد، متغيِّر ومتحوِّل ومخالف للسائد الذي كان، ثورة عبلة ثورة على الأعراف والمناسك والمباذل العائلية، ثورة ذاتية، تتزامن مع المعين الأساسي للثورة الإرادوية للجموع الطالعة من كل زاوية وشارع ومكان، والتزمين هنا يأتي كرديف دلائلي، يحمل ترميزه الجلي والواضح الذي تمثل في الهبوب الكبير للناس الغلابة، وانتفاضة الوعي الأسير والمعتقل منذ أزمنة بعيدة.
عالم عبلة هنا، عالم شائك ومترهبن، عالم يجنح إلى كشوفات صوفية، كونها لم تمتثل للمثال والنمط، بل تحدَّته، حتى لو أضحت ضحية عالمها المختار هذا، وبذا تتمظهر في عالمها حياتان، حياة اليسر والبيت الدافئ والأسرة الملمومة على ذاتها، والمكتفية بالعطاء المتاح لها، مثل أي طبقة وسطى، وعالم مغبش وعاثر ومترب، هي اختارته ليكون الطريق والمصير. فعبلة هنا حسب الوصف العلمي السايكولوجي، ليست مجنونة، ولا مصابة بالشيزوفرينيا، أي منقسمة على ذاتها، ذات جانحة، خطرة ومتهوِّرة وشرسة، وذات مستكينة وهادئة وخاملة، في لحظات معينة من ساعات المحنة والمرض النفسي، وهي أيضاً ليست مازوخية، تعذب الذات من أجل هدف معين يكمن في الرأس، بل هي في كامل وعيها، وأتم حالات العافية، وما الجنوح الإرادي هذا الا علامة احتجاج ورفض وإدانة للواقع الذي كان سائداً، وإلا لما رأيناها كيف تساعد الناس المحتاجين وتمنحهم ما لديها، من مال ومتاع وزاد، ولا هي تمتنع أيضاً عن مشاركة الآخر زادها القليل، أو العطاء الذي يأتيها في ساعات الجائحة الشخصية. عبلة تعرف طريقها جيداً، فقط أرادت أن تدين وتشير إلى مواطن الخلل في الواقع، حتى تعرِّيها، هو نوع من تحدي التابو، وهنا تحضرني حادثة واقعية، لصديقة رسامة سورية، كانت تقيم في أمريكا، حين تم الاتفاق على غزو العراق وضربه وتدميره بقرار أمريكي، ومن ثم عالمي، خرجتْ هذه الرسامة التشكيلية السورية، خلال تظاهرة في واشنطن، ضد قرار غزو العراق، مع آلاف الأمريكيين الذين وقفوا ضد هذا القرار الأهوج والهمجي والبربري، لتخرج هي الوحيدة عارية كما خلقها ربها، سائرة بين الجموع، ضد الإرادة الأمريكية. الكثير من الذين شاهدوا التظاهرة وشاهدوا الفنانة، اتهمها بالجنون واختلال عقلها، ولكن الرسامة وكما أعرفها، ومنذ أمد بعيد، لم تكن في يوم كذلك، بل كانت امرأة متحررة من القيود والأغلال، وكانت تتحدّر من عائلة يسارية مناضلة، مشهود لها بالنضال السياسي، ضد الديكتاتورية والفاشيست، وضد أنظمة الاستبداد والانفراد بالسلطة لحزب معين وشخص بعينه، وهذا ما تجسِّده هنا عبلة رمزياً، رافضة المثول لجهة محدَّدة، حتى لو كانت هذه الجهة هي الأهل والزوج ومن ثم الابن. انها جسَّدتْ ثورتها الشخصية، كما أسلفنا أعلاه، على كل هذه القيم التي تـحــاول أن تحدَّ من قيم المرأة ومن إنسانيتها وتحررها، وتحدّ من انــطــلاقتــها حــرة، في هذا العالم.
بالطبع تعرف عبلة أنها ليست في أمريكا، بل في عالم عربي خاضع للمثال والتقاليد والأعراف المتعارف عليها، من هنا نجدها تعي كل تصرف يندُّ عنها، وتراجع طيلة الوقت نفسها، وتراجع مواقفها وتصرفاتها، وتتشارك مع أختها في مناقشة بعض التفاصيل التي مرت بها، خلال مشوار هروبها من المنزل العائلي، وهي تعي مواقف أولادها الثلاثة، فأحمد انضمّ لتيار ديني، يُعرف بحكم المرشد، وأخوه ابراهيم ناصَر الثورة، وصار من رموزها الموالين، و«لولا» تحاول قتل اختها والتخلص من عار تشردها «لولا» التي تدع العمل يدخل في دائرة الشك والتأويل والإزاحة، تترك النهاية مفتوحة، يشوبها صراع الذات لدى الأختين، الصراع الذي سيصبح ذاتاً واحدة، داخلة في دائرة التأويل وعدم المكاشفة، فها هي لولا تصف المشهد وكأنها هي عبلة المريضة، في الوحدة السردية رقم عشرين، وقد خلت من حمل أي من الاسمين، أي عبلة ولولا، اللتين تناوبتا على حمل عناوين تلك الوحدات السردية، حيث يتم التماهي والتداخل بين الأختين، والنهاية تظل مفتوحة على أمل رمزي تضيئه هذه الكلمات: «أغمض عينيّ مرة أخرى، خوفاً من أن يغمز لي البياض الساخن، غمزة المنتصر، ولكني حين أفتحهما، أرى الشمس خلف الستائر البيضاء تحاول أن تخلص نفسها من السحب الرمادية وتستعد لتشرق من جديد» .

سهير المصادفة:
«بياض ساخن»
الدار المصرية اللبنانية، القاهرة 2015
صفحة279

سهير المصادفة في «بياض ساخن»: تسليط الضوء الكشاف على الحياة الجوانية في الشارع المصري

هاشم شفيق

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية