زرت حلب مرتين وأحببتها إلى الأبد وعلى مدارج قلعتها، مدارج عشق تصعد بنا إلى الأعلى. دائما ما يفتح لنا التاريخ أبوابه ويدخلنا في أزقة الزمان، مذكرا إيانا بأن الطاغية كلما ازداد إجراما اقتربت نهايته، و ما أشبه اليوم بالأمس .
عندما ارتكبت القوات الصربية مجزرة (سربرنيتسا) في البوسنة أمام أنظار ومرأى قوات الأمم المتحدة، وشهد من بقي حيا من أهل المدينة بأن القوات الهولندية التابعة للأمم المتحدة وقفت متفرجة على المجزرة دون تدخل لحماية السكان، فوقعت أبشع جريمة في القرن العشرين، كأن التاريخ يعيد نفسه في حلب، وكم تشبه الشهباء عاصمة الشمال السوري سراييفو في بعدها الثقافي والتاريخي. وفي المقتلة سراييفو كانت قبل الدمار مدينة الثقافة والفن، وعادت بعد الدمار مدينة الأضواء، ولأن المدن كالنساء، وكما لا تتشابه النساء لا تتشابه المدن، غير انها تتقارب حلب مدينة الفن والثقافة وملهمة الشعراء كالمتنبي وأبي فراس الحمداني، بل كل ما هو جميل في سوريا تجده في حلب، كما يتشابه التنوع الديموغرافي في حلب وسراييفو، حيث سكن حلب اليهود والمسيحيون والمسلمون على غرار سراييفو، وطبعا حلب ليست مجرد فضاء مكاني، بل مدينة حملت أحلام الشباب وتاريخا من الفن العريق تصدح به حتى حجارتها، وترى إنجازات أهلها منقوشة على الجدران، وفي كل قطعة زجاج وخشب، وها هي حلب الآن تعرضت إلى مجازر وإبادة جماعية، قامت بها قوات الأسد بعد انسحاب قوات المعارضة المسلحة من حلب، المئات من الأطفال والنساء تم ذبحهم بدم بارد، لم يمنع الاتفاق الروسي التركي في أنقرة الذي جرى برضى أمريكي، المجازر التي حدثت وتحدث الآن في حلب، خاصة أن الاستراتيجية الأمريكية مختلفة هنا في هذا الزمان والمكان، تغيرت ومختلفة في تعاطيها لما حدث في البوسنة والهرسك، ويبدو المشهد ناقصا ما لم يتسلم ترامب، الرئيس القادم للولايات المتحدة الامريكية مهامه الرئاسية في إدارة البيت الأبيض، فلم يصدر أي تصريح منه تجاه ما يحدث في حلب، وسط تحرك دولي أوروبي إنساني وعربي، كما شهدت أوروبا تظاهرات غاضبة للجاليات السورية في عواصم عديدة ضد سفارات روسيا وإيران. السؤال هل تغيرت السياسة الأمريكية ؟ أم الضحية؟ أم تغير المجرم؟ وهل يختلف المجرم إن كان في الداخل الأوروبي عن المجرم في الشرق الأوسط؟ كما شاهدنا نهاية ميلوسوفيتش، سنشهد نهاية الأسد، لكن الفرق أن الأول كان يتصرف كرجل دولة، أما الأسد فيتصرف كموظف صغير في الكرملين، ينتهي دوره بانتهاء وظيفته، لكن السؤال هل سيتدخل الأمريكان على غرار سراييفو، وكما جعلوا العالم يرى وجه روسيا القبيح في حرب صربيا ها هي أمريكا التي سمحت بالمد الروسي لتعيد وجه روسيا أكثر قبحا ثم يظهر الأمريكان، وكأنهم الملاك المخلص في مشهد تكراري تختلف به البقـــــعة الجغرافية من سراييفو إلى حلب، بعد تقاسم الكعكة السورية مع الأتراك والروس وينتهي الأسد، كما انتهى ميلوسوفيتش أعتقد أن حلب هي بداية نهاية نظام الأسد وبداية لمشهد جديد دفع ثمنه دماء الأبرياء من أبناء سورية العظيمة كما دفع قبلهم الثمن في البوسنة والهرسك .
٭ كاتب سوري
علوان زعيتر