هادي حسن حمودي يرصد التاريخ الجيوسياسي لـ«عُمان التاريخية»

حجم الخط
2

«لا تمش في طريق من طرق الحياة إلا ومعك سوط عزيمتك وإرادتك تُلهب به كل عقبة تعترض طريقك».
«فريدريك نيتشه»
دعوة نيتشة تنطبق على تواريخ الشعوب الحية والأمم. فلا يستطاع بناء الحضارة إلا بسوط العزيمة والإرادة ينهال على أسس التخلف فيزيلها من طريق التاريخ.
وكما تنطبق على الشعوب الحية والأمم المتطلعة للحضارة، كذلك تنطبق على أفراد وهبوا أنفسهم للعلم، رغم العقبات والمثبطات والتقولات.
هذه الحقيقة أيضا تنطبق على كتابات الباحث العراقي هادي حسن حمودي في جميع (مغامراته) الثقافية، فيتوغل في متاهات الكلمات والنصوص، بسوط يلهب به العقبات الكأداء التي تعترض سبل تعبيره عن وجهة نظره. وهذا كان جليا في كتابه «عُمان: التاريخ الجيوسياسي منذ أقدم العصور» إذ اعترف بأنه سيدخل المنطقة المحرمة، وهي تلك التي تقل فيها شواهد الإثبات التاريخي. ولقد اجتاز ويل ديورانت في «قصة الحضارة» تلك المنطقة من غير أن يحرمها أحد عليه. يقع الكتاب في 370 صفحة، وصدر في بيروت، أكتوبر/تشرين الأول 2016، دار الكنوز العلمية.
العنوان هو الذي لفت نظري «منذ أقدم العصور» وكيف يتاح لأي باحث أن يدخل تلك المنطقة التي حرم العقل العربي المعاصر على نفسه الدخول إليها، وحللها لأي كاتب يأتي من خارج هذا العالم العربي؟ المؤلف لا يهتم بذاك التحريم وهذا التحليل، بل يأخذ السوط معه، سوط العزيمة والإرادة، يعتمد النصوص التي يقتنع بها، حتى إن لم يقتنع بها غيره. وليس في هذا إلا معنى واحد، هو تجديد الفكر، بخطابه ومضمونه ومحاججته.
ليس هذا عرضا للكتاب، بل هو قراءة لأول مقدمة له، والمعنونة «من قبل البدء» حيث وضح فيها المصطلحات الواردة في الكتاب، ومدى تأثره ببعض ما سبق لهادي حسن من تأليف في المجال نفسه.
يشهد المؤلف بأن من حق القارئ أن يتساءل: ما معنَى ما جاء في عنوان الكتاب «التاريخ الجيوسياسي منذ أقدم العصور»؟ ومن حقّنا عليه أن نجيب تساؤله.
أمّا التاريخ الجيوسياسي، فهو الجامع بين التاريخ السياسي والجغرافية السياسية وتفاعلهما معا لصياغة الحضارة. على أنّ مصطلح (التاريخ الجيوسياسي) باعتباره مصطلحا جديدا، نرى أنْ لا بد، هنا، من توضيح ما يراد به، سواء اقتنع الباحث الجليل به أم لا. مصطلح (جيوسياسي) لوحده مركب من (جيو) الدال على الأرض باللغة اليونانية، ومنه أيضا مصطلح الجغرافية. والسياسي، فبمعناه الشائع. ويُعتبر العالم السويدي كوغلين أول من وضع هذا التركيب الاصطلاحي، وأراد به تأثير الجغرافية على السياسة، ومن أمثلة ذلك، عنده، أن المملكة المتحدة، وباعتبارها جزيرة اضطرها وضعها الجغرافي إلى الاهتمام بالأسطول البحري الذي كان ذراعها في الامتداد إلى القارات الأخرى. ثم تطور المصطلح ليشمل الروابط والعلاقات بين الأطراف الاجتماعية في دولة من الدول، وعلاقاتها الخارجية، ومدى تأثير الجغرافية على تلك الروابط والعلاقات الداخلية، وكذلك العلاقات مع دول العالم الأخرى. ونستطيع أن نضيف إلى ذلك تأثر الجغرافية نفسها بتلك الروابط والعلاقات الداخلية والخارجية. فربّ أقاليم متفرقة تنضوي تحت لواء دولة موحدة، كالذي حدث في الاتحاد السويسري المعاصر. وربّ دولة موحدة تنقسم إلى أقاليم متفرقة، أو تصبح دولا متعددة. وهذا ملاحظ في جميع حقب التاريخ بما فيها الحقبة المعاصرة. ولعل ما حدث إثر انفراط عقد الاتحاد السوفييتي وتقسّم الدول التي كانت منتمية إليه، من شواهد ما نقرره هنا. وقد حاول المؤلف في بحثه هذا أن يدرس التاريخ الجيوسياسي لعُمان التاريخية إلى حدود انفصال زنجبار عنها إداريا وسياسيا.
أما استعماله لمصطلح «منذ أقدم العصور» الوارد في عنوان الكتاب، فما المراد به؟ وهو يضع احتمالا ينص فيه على أنه «لربما يتساءل القارئ: أليست العودة إلى أقدم العصور مغامرة في بحر الظلمات من غير نجمة قطبية ولا لمعة من تلألؤ الثريا؟ كيف ستصل سفينة البحث إلى بداية الزمن؟».
ونحن أيضا نتساءل، إذ ربما تكون مغامرة، ولكن المغامرة في حد ذاتها، تنير للباحث السبيل، ولو على شكل إيماضات متسارعة وبَوارق متخافقة من حين لآخر. ثم يشرح المؤلف لنا قصة هذه المغامرة. فيبين أنه سبق أن أنجز كتابا حمل عنوان «تأملات في التاريخ السياسي العُماني» مبتدئا من ظهور الإسلام إلى سنة 1742 وقد اضطر، ربما بسبب الرغبة في الإيجاز والاختصار، أو ربما لعوامل أخرى، إلى عبور واقعات رآها غير متلائمة مع عنوان يحمل مصطلح (التأملات) مع إهمال تام لِما سبق ظهور الإسلام. ونلمح عند المؤلف ترددا في خوض مغامرة الكتابة عن فترة ما يعرف بما قبل التاريخ وهي التي تختلف فيها التقويمات وتتعدد الاجتهادات، بل تتناقض لقلة الشواهد المعترف بها في الأوساط العلمية. فثمة عقبات كثيرة في الطريق، وهي عقبات عسيرة الاجتياز والعبور، خاصة في ما يتعلق بالعصور القديمة. ومِمّا يزيد من تعقيد تلك العقبات أنّ المصادر المكتوبة والنقوش والآثار المكتشفة تترك فيما بين أجزائها فراغات هائلة وفجوات عميقة الغَور تخلق تناقضات جمة في الرؤى بين المتخصصين في هذا الضرب من ضروب البحث الموصوف بالبحث العلمي حينا، والتخيّلي أحيانا، بحيث صار من العسير الربط بين تلك الأجزاء حتى لو أخذنا، نحن المؤرخين، (بأسلوب الفنانين الإيطاليين في عصر النهضة الأوروبية بإخفاء العيوب والتشققات التي كانت تظهر، من حين لآخر، في بعض تماثيلهم باستخدام الشمع. فالشمع هنا يلمع ولا ينفع، إذ سرعان ما يزول لَمعانُه) حسب تعبير المؤلف.
ولذلك لم يكن أمامه، حسب اعترافه، إلاّ التفكير في النصوص والنقوش والآثار، والحوار معها لتشترك، هي في محاولة ملء تلك الفراغات. فأخذتنه ومضة الأمل إلى الأغوار السحيقة من الزمن، في محاولة فهم ظهور الإنسان الأول على سطح الأرض، وأين كان ذلك؟ وكيف كان؟
ونلاحظ أنه ابتداء من هذه النقطة أسلم نفسه للتيار يأخذه إلى النصوص والمكتشفات الأثرية وسائر وسائل البحث العلمي، بالنقاش والحوار الهادئ المطمئن المستفيء بظلال الحقيقة كلما بان لها ظلّ ظليل جدير بأن يُلجأ إليه.
اعتمد المؤلف في فصول الكتاب الإثني عشر على 154 مصدرا عربيا، ومجموعة من الوثائق الفرنسية والإنكليزية، ووثائق الجامعة العربية، إضافة إلى 43 مرجعا أجنبيا باللغتين الإنكليزية والفرنسية. فكان هذا الكتاب، دراسة حضارية وافية. وتلك هي ديناميكية الحياة وحيويتها التي تؤكد صفتها: التطور على الأسس التي أثبتت صلاحيتها في بناء الحضارات، بتجارب التاريخ وشواهد الأيام. لا اللهاث وراء السراب، والانبهار بالشعارات الخداعة التي لا يخلو منها عصر من العصور.

٭ باحث لبناني ـ المملكة المتحدة

هادي حسن حمودي يرصد التاريخ الجيوسياسي لـ«عُمان التاريخية»

أحمد نعمة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية