في أعماق السين

حجم الخط
0

دخلت بيت شناز كعادتي بعد أن طرقت بابها طرقا خفيفا. وجدتها تبكي وهي راكعة تناجي تمثالا خشبيا موضوعا فوق أحد الرفوف المواجهة لها. كانت الغرفة صغيرة ومظلمة، أو ربما تعمدت شناز أن تحجب النور عنها في تلك اللحظة. رائحة البخور الشرقية ملأت حينها الأرجاء غير مبالية باحتجاج سكان العمارة. يعبرون البهو المؤدي إلى الخارج، متأففين ومحتمين في عجز ببقايا عطور راقية انتعشوا بها صباحا وهم يغادرون منازلهم الفخمة الموزعة على الطوابق الخمسة في حي ليل سان لوي.
لم أشأ أن أقطع خلوتها، واتخذت لي مكانا في انتظار أن تنتهي من صلاتها. لم يطل قعودي. التفتت إليّ باكية تقول: لقد كنت أطلب من ربي أن ينتقم لي ممن كان سبب شقائي؟ ثم حملت التمثال وصارت تقبله، ثم أعادته بلطف في مكانه، وكأنها تخاف عليه من الانكسار، أو كأنها تقول له كن معي لطيفا كما أنا وفية لك.
حكت لي شَناز ما بها من آلام. سمعتها متأثرة، وكنت أعلم أنني لن أستطيع مساعدتها. زوجها اختار امرأة أخرى، ترك البيت والتحق بها ليعيشا معا تحت سقف واحد .
تلتفت إليّ شناز مواصلة شكواها: هل تعلمين، الرجل يسيء كثيرا إلى المرأة. وإذا صار طيبا مع زوجته، فاعلمي أن أجله اقترب.
أنظر إليها مبتسمة مقدرة حزنها وتعاستها. تهدأ شَناز. ترجع التمثال إلى مكانه وتنظر إليّ وهي مدركة ما سأحدثها به.
تبادرني :
– علموني أن أعبده منذ كنت صغيرة. جئت به من ليل موريس إلى هنا، كنت مصرة على أن يصحبني. وحرصت على ألا ينكسر.
ابتسم، وأقول لشناز: هذا تمثال صنعه الإنسان. والله في كل مكان لا يحتاج إلى تجسيم. إنه رب العالمين.
عدت ذات يوم لزيارتها، فوجدتها على غير عادتها. الموسيقى مرتفعة وكلمات الأغنية تحكي عن الحب والفرح واللقاء، وهي ترقص منتشية. شعرها الأسود الطويل يتطاير في كل الاتجاهات بخفة. صوتها يعلو مرددا كلمات الأغنية في لكنة يغلفها حزن خافت .
سألتها: هل عاد زوجك؟
أجابت وهي تدور في حركات راقصة: لا .
– فما سر فرحك ورقصك؟
أشارت إلى حيث كانت تدع التمثال
لم يكن هناك .
سألتها : أين وضعت ربك يا شناز؟
ضحكت عاليا وقالت: رميته في نهر السين، وعادت للرقص والغناء .

٭ قاصة من المغرب

في أعماق السين

بديعة الطاهري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية