نحن اليوم، في ظل تمكن وإستمرار سطوة تحالف الإستبداد والفساد في بلداننا، نعيش زمن الردة والرداءة. الردة على قيم وخصال تربينا عليها بعد أن توارثناها جيلا بعد جيل، ورداءة زمن اختلت فيه المعايير وتسطحت المفاهيم وابتُذلت الشعارات، فصارت الدولة مملوكة لجماعة، وأصبح القمع بسبب الهوية والقبيلة والرأي المغاير ممارسة مشروعة وشرعية، وأضحى الفساد مباحا محللا، أما الناس العاديون فلم يعد الوطن بالنسبة للكثيرين منهم إلا محل إقامة إجبارية لن يترددوا أبدا في هجره..!!. والردة والرداءة، إمتدت وتمددت لتشوه مفهوم الثوابت الوطنية وسياجها من الخطوط الحمراء. ويقصد بالثوابت الوطنية تلك المسلمات والمرجعيات التي يتراضى ويتوافق عليها الجميع، وتشمل مفاهيم الهوية والدولة والوطن والدين والمصلحة الوطنية، والتي يعتبر المساس بها خطا أحمر، أدركته النفس البشرية السوية على مر التاريخ، فلا تتخطاه ولا تقبل التلاعب به. وهو خط، إذا تمعنته، ستجده مشتركا بين شعوب الارض جميعها. فالمجتمعات البشرية، كما تشاركت فى الماء والكلأ والنار، إستمدت خطوطها الحمراء من نفس هذه الأساسيات، فلا توجد ثقافة انسانية لا توصي بسقي العطشان، مثلما لا يمكن أن يُسأل عن دينه أو جنسه أو سبب عطشه. وفي الحرب، رغم أن الأسير هو العدو بلا أي اشتباه، فإن وقوعه في الأسر لا يحل إستباحته. وهكذا، الخطوط الحمراء هي في الأصل السياج الحافظ لحياة الإنسان وكرامته.
أما، إذا تتبعنا الخطوط الحمراء التى يصكها النظام السوداني كل هوجة والثانية منذ 1989، سنجد أنفسنا فى ذات المتاهات التي لا نهايات لها، والتى ظل السودان حبيسها لما يقرب الثلاثة عقود، وهدفها الرئيسي هو التشبث بالسلطة عبر تكتيكات تستند على عدد من المغالطات الموجهة للعب بنفسية الجماهير تحت شعارات السيادة الوطنية، حماية العقيدة، الدفاع عن الأرض والعرض…، وغيرها من مثيرات العاطفة. فمثلا، يقول النظام أن المؤسسات السيادية، المدنية والعسكرية، خط أحمر، يمنع ما عداه الكلام عنها إلا على طريقة «الفيل يا ملك الزمان»!. لكن، كيف يستقيم ذلك والنظام له مطلق الحرية فى تشكيل وإعادة تشكيل هذه المؤسسات طيلة الـ27 عاما الماضية، علما بأن هذا النظام ليس محل إجماع، والبعض لا يعترف به أصلا، وهو نظام حزب واحد ولا يمثل حكومة كل الشعب، في حين هذه المؤسسات هي ملك للوطن؟ وكيف يستقيم ذلك، وهذه المؤسسات، العسكرية تحديدا، زُج بها في حرب أهلية يخوضها المواطن ضد المواطن، وفي حالة بقاء عيون الأمهات مفتوحة حتى الفجر في إنتظار الغائب، والحالتان تقتاتان على دم وكرامة الانسان، وهما خط أحمر، ومنذ آلاف السنين، وليس منذ 27 عاما فقط..؟!
ونظام الخرطوم يعتبر إتصالات المعارضة أو تفاهماتها مع المجموعات المعارضة المسلحة، خطا أحمر، أما هو فيحق له ان يفعل ما يشاء، يتصل ويدير حوارا أو يوقع إتفاقية ثنائية أو ثلاثية، لا يهم، مادام هو الذي يرسم الخطوط الحمراء، وهو وحده يملك حق تعديها أو تحويلها إلى خطوط خضراء. لكنا، نرى غير ذلك! نحن نرى أن للمعارضة المسلحة قضية أبرزت صراعات المركز والهامش، وجعلت الحرب الأهلية والموت حدثا طبيعيا، وممارسة يومية عادية. ونحن نرى، أن التقاعس عن تعديل هذا الوضع بوقف الحرب وبسط السلام الشامل هو الخط الأحمر الحقيقي. وإذا كانت السيادة الوطنية تعني سكوتنا عن إنتهاكات حقوق الانسان وعن قصف المدنيين، فهذا يعني قبولنا بأن هولاء المدنيين ليسوا من بني الإنسان ولا السودان، وقبولنا بتسرب مفهوم الوطنية من بين يدى السيادة لتبقى الأخيرة وحدها سافرة ومستفزة، فالسيادة مقرونة بالوطنية تعني أول ما تعني حق المواطن في الحياة والعيش الكريم والمشاركة في إتخاذ القرار السياسي. وهذا يعني أن نتجاهل عمدا حقيقة أن السودان، في ظل الإنقاذ، أصبح، ولأول مرة في تاريخه، أكبر قاعدة عسكرية للقوات الأجنبية!
والحكومة عندما ترفع الكارت الأحمر، وتضع الخطوط الحمراء لشل حراك معارضيها، فإنها تنسف أى «ميس»، أو بيت أمان يرتكن اليه المشفقون على عموم الناس من وعثاء المعارك، علما بأن الأصل عند المشرعين وواضعي الخطوط، أن تتساكن الخطوط الحمراء مع علامة المرور الخضراء المميزة التى تشعرك بأمان الانطلاق. ولكن، للأسف يبدو أن العلامات الخضراء ضاعت فى بلادنا، فأستوطنتنا حرب أهلية لا تخضع لأي منطق، وتتجدد أسبابها ومحفزاتها مع كل حركة هوجاء من هنا وهناك، حتى أصبحنا شعب يحاصره الإحباط، لا يثق فى المستقبل، وحتى الخروج الآمن لا توفره له أبواب مطاراته.
ولكن، الشعب أيضا لديه خطوط حمراء حتما ستتصادم مع خطوط السلطة. فالإستبداد والطغيان خط أحمر، حماية الفساد ونهب المال العام ومنع الحديث عنه خط أحمر، الإعتقال والتعذيب خط أحمر، تفتيت البلاد خط أحمر، الغلاء خط أحمر، الكنكشة في السلطة خط أحمر، دعاوى إستمرار الحرب وإجهاض السلام خط أحمر….، وفي خضم معركة تصادم الخطوط الحمراء هذه، من الممكن جدا أن يضيع الوطن!.
وفي الحقيقة، عندما تتصادم الثوابت والمرجعيات والخطوط الحمراء، فهذا يعني وجود أزمة عميقة، أعمق من كونها أزمة سياسية عادية نتاجا للحراك الاجتماعي والسياسي في البلد، وإنما أزمة الفشل في بناء الدولة ذاتها. وبسبب ذلك، فأنها تأخذ طابعا دمويا، عرقيا وقبليا، وتضع الدولة، ككيان، في مهب الريح. ويتحمل الوزر الأكبر من في يده القرار والملكية الحصرية لرسم الخطوط الحمراء، والذي يمارس نفي الآخر.
التاريخ والبداهة والمنطق السليم، أمور تؤكد ألا ثوابت وطنية ولا مرجعيات ولا خطوط حمراء بدون التراضي والتوافق على مشروع الوطن. إذ بخلاف ذلك، سيصاغ الوطن ويدار حسب مشيئة الحزب الحاكم ومصالح الجماعة المسيطرة، وعندها تكون الثوابت والخطوط الحمراء مجرد وهم، ومجرد آلية لقمع الآخر المتهم دائما بإنتهاكها، والذي يُمارس بحقه شتى صور الإقصاء والتخوين.
٭ كاتب سوداني
د. الشفيع خضر سعيد