للكراهية بين المبدعين تاريخ طويل لا تخلو منه مدوَّنةُ ثقافة من ثقافات الشعوب، ولا يمكن أن تُحيط بكلّ وقائعه مقالةٌ. فقد مثّلت الكراهية منذ القِدم مُحرِّكًا للفعل الثقافي وللإنتاج الإبداعي، وساهمت في ظهور رؤى فنية وفكرية عديدة على مدى تاريخ الإبداع البشري.
والحق أن مبعث تلك الكراهية بين الكتّاب إنما هو ما كان ينشأ بينهم من تنازع على الأفكار وطلب الريادة في إبداعها. وغير خافٍ أن تلك الكراهية كانت دومًا متأدِّبةً وخلاّقةً، يُعبِّرُ عنها الكتّاب في شكل ردود محمولة في كُتب ومقالات تناقش كتابات غيرهم وتدحض ما فيها من تصوّرات وتعرض بدَلها أخرى على غرار ما فعل الفرنسي ريمون بيكار، لمّا أصدر كتابه «نقد جديد أم دجل جديد» مناقشًا فيه أطروحات رولان بارت النقدية، ما حدا بهذا الأخير إلى الردّ عليه بكتابه «نقد وحقيقة».
غير أن الكراهية بين المبدعين التونسيّين بليغة جدا ولها تاريخ وحاضر مليئان بصنوف من التهجّم على الأشخاص والنيل من خصوصياتهم وتلفيق التهم لهم والحطِّ من قيمة ما يكتبون عبر تقنيات النميمة والشيطنة والتقوّلِ عليهم واستصغارهم. من ذلك أن المؤرّخين يرجّحون أن «هروب» ابن خلدون من تونس إلى مصر لم يكن بسبب رفضه مصاحبة أبي العبّاس سلطان تونس آنذاك في حملاته العسكرية نحو جنوب البلاد وحسبُ، وإنما كان أيضًا بسبب تنامي خلافه مع الفقيه ابن عرفة وأتباعِه حيث تمّ التضييق عليه و«كثرت سعاية البطانة بكل نوع من أنواع السعايات» على حدّ ما كتب ابن خلدون ذاته في كتابه «التعريف بابن خلدون ورحلته شرقا وغربا».
ثم إنه ما إن أصدر المصلح التونسيّ الطاهر الحدّاد كتابه الرائد «امرأتنا في الشريعة والمجتمع» حتى تدافع مثقّفو قومِه للنيل منه، قبل أن يقرؤوا ذاك الكتاب ويتدبّروا معانيه، حيث كتب الشيخ محمد الصالح بن مراد مقالة هاجم فيها الحدّاد واصفا فكره بكثير من النعوت المُشينة، جاءت فيها عبارته الشهيرة: «هذه دفعة أولى على الحساب حتّى أقرأ الكتاب»، ولم يتمّ إنصافُ الحدّاد إلا من خارج تونس، حيث قال عنه طه حسين: «لقد سبق هذا الفتى زمنه بقرنين».
ولا يَخْفى عن دارسي أشعار الشابي ومؤرّخي سيرته تبرُّمُه من الوسط الثقافي التونسيّ في بداية القرن الماضي بسبب كثرة خصومه من الكتّاب والشعراء الذين لم يستسيغوا نصوصَه الجديدة وراحوا يناصبونه العداء والازدراء، وهو ما حدا به إلى مخاطبتهم في إحدى قصائده بالقول: «إن المعاول لا تـهد مناكـبي – والنـار لا تأتي على أعضائي/فارموا إلى النار الحشائش والعبوا- يا معشر الأطفال تحت سمائي».
ولمّا توفّي الشاعر محمد الصغير أولاد أحمد، وهو من أكثر شعراء تونس شعبية وحضورًا بين الناس، كتب عنه حسونة المصباحي مقالة جاء فيها قوله: «لم يكنْ –أولاد أحمد ـ مُؤسّسا، ولا رياديّا في مجال الكتابة الشعرية. ولم يكن يمتلك الثقافة ولا الأدوات الفنية التي تخوّل له أن ينتسب إلى حلقة الكبار». والحال أنّ من الوثائق التي تركها أولاد أحمد رسالة وصلته من المصباحي ذاته على إثر اتهامه بالسطو على كتابات غيره، حيث أثنى فيها عليه، وطلـــــــب منه أن يكـــــتب مقالة ينتصر له فيها ويرفع عنه تهمة السرقة.
إنّ كراهية الكتاب التونسيّين بعضَهم بعضًا لم تكن يومًا كراهيةً متأدِّبةً، ولم تخدم الإبداع كما هي حالها لدى الشعوب الأخرى، وربما زاد استفحالها الآن بعد أن وجدت في واقع تونس الجديد كلّ أسباب النماء حتى صار الشكّ في صدق التحايا بين الكتاب وجيهًا، بل صارت التحايا بينهم خناجر سامّة جاهزة للفتكِ بغيرهم متى توفّرت الفرصة. ومن صوُرِ الكراهية المجّانية أن يتوجّه كاتب برسالة إلى منبر ثقافي عربي يلتمس فيها منع زميله من نشر مقالاته، والسبب أنه كان قد خالفه الرأي مرّةً في قضية من قضايا الثقافة، أو أن يفسخ كاتب اسمَ غيره من قائمة المدعوّين إلى حضور ندوة فكرية، بسبب أنه لم يكتب عنه ولم يُمجِّد كتاباته. إنها بلاغة الكراهية.
٭ كاتب وإعلامي تونسي
عبدالدائم السلامي