نجحت أزمة الكهرباء في قطاع غزة والتي تفاقمت في الاسابيع الاخيرة، في أن تجبي في بداية هذا الشهر ضحايا ايضا، حين فقد ثلاثة رضع حياتهم. اصغرهم، ابن 12 يوما، محمد السواركة، الذي كان يعيش مع والديه في مقطورة في قرية جحر الديك قرب السياج الفاصل، مات جراء ارتفاع الحرارة. الرضيعان الاخران ـ واحد ابن ثمانية اشهر من دير البلح والثاني ابن ثلاثة اشهر من رفح توفيا من البرد. وأعلن وزير الصحة لحماس بأنه «تفحص ملابسات وفاة الثلاثة».
«انقطاعات الكهرباء تقتل اولادنا»، قال لـ «معاريف المجلة» سكان من قطاع غزة. رب الاسرة من مخيم اللاجئين نصيرات، الذي فضل عدم ذكر اسمه روى قائلا: «بات هذا مبالغا فيه. نحن بين مطرقة حماس وسندان السلطة الفلسطينية. عندنا كهرباء لاربع ساعات فقط توزع في ساعات الصباح وفي ساعات المساء. واحيانا يقطعونها عنا قبل نصف ساعة أو ساعة من الوقت».
من يتجرأ على التغريد ضد حماس في كل ما يتعلق بأزمة الكهرباء، ينال العقاب. فالمغني عادل المشواحي، الذي تجرأ على نشر بوست اتهم فيه حماس والسلطة الفلسطينية بازمة الكهرباء، اعتقلته قوات حماس. وأفادت منظمة حقوق الانسان الفلسطينية في بيان لها بأن هذا مس بحرية التعبير. كما أن مسؤول فتح، د. فايز ابو عيطة، عضو المجلس الثوري للحركة، استدعي للتحقيق في مكاتب جهاز مخابرات حماس وافرج عنه بعد أن نفى كل صلة بالتغريدات التي خرجت من صفحة التويتر ونشرها احد ما باسمه. وفي رام الله شجبوا الاعتقال.
يوم الخميس جرت مظاهرة في مخيم جباليا للاجئين في شمال قطاع غزة. وفرقت شرطة حماس المتظاهرين بإطلاق النار في الهواء. كما سجلت احتجاجات في وسط القطاع. ويوم السبت خرجت مسيرة من خان يونس في جنوب القطاع، حيث ارسل رجال عز الدين القسام. «الشباب يخرجون للتظاهر دون الاشارة إلى اي فصيل ينتمون. بدون إعلام»، يروي احد سكان مخيم البريج للاجئين. «انت تجد رجال الجبهة، فتح، الجهاد الإسلامي. وترسل حماس احيانا نشطاءها كي يسيطروا على المظاهرة ويحولوها في صالحها. التعليمات هي ان الاحتجاجات هي مس بالامن القومي وخيانة للمقاومة. ويتهمون ابو مازن والسلطة بالاساس. ولكن سكان القطاع ملوا هذه النغمة».
أزمة الكهرباء في قطاع غزة ليست جديدة، وهي متواصلة على التواصل منذ اكثر من 20 سنة. الازمة الحالية هي نتيجة توتر بين الحكومة الفلسطينية في رام الله وبين سلطة الطاقة في قطاع غزة التي تسيطر عليها حماس بشأن دفع الضريبة. وعندما فهموا في السلطة بأن حماس تواصل جباية ضريبة على الكهرباء من السكان، رغم التخفيضات التي تحصل عليها، اوقفت ارسال الوقود إلى أن توافق حماس على الدفع الثمن كاملا بلا دعم حكومي. اما حماس من جهتها، فترفض بشدة، وتضطر محطة توليد الطاقة في غزة إلى تخفيض دراماتيكي في انتاج الكهرباء.
في الايام الاخيرة يُصلون في المقاطعة بأن يؤدي العصيان المدني إلى نهاية حكم حماس في القطاع، والذي يتواصل منذ اكثر من عشر سنوات. وفي القطاع نفسه ينقسم السكان إلى أربعة فصائل. واحد يتهم حماس كصاحبة السيطرة، وآخر يتهم إسرائيل، وثالث يتهم مصر والاخيرون الذين يتهمون السلطة الفلسطينية.
«أملنا هو أن يكون لنا كهرباء ثماني ساعات متواصلة»، يقول رجل عائلة من أحد مخيمات اللاجئين في قطاع غزة. «وصلنا إلى وضع من اليأس. انا أتجول في المنطقة، ومنذ أن لم يعد لي تصريح عمل في إسرائيل، أحاول أن أوفر قدر ما يمكن من النفقات. للأسف، يعرف الغزيون كيف يتكيفون مع الوضع. اعتقدوا أن الشيوخ يمكن أن يكونوا اكثر عدلا تجاه الشعب، ولهذا انتخبوهم إلى أن نزعوا القناع عن وجوههم. هذه مجموعة من المحتالين الذين يهتمون بمصالحهم قبل كل شيء».
لا بديل
«شركة الكهرباء اصبحت آلة سحب الاموال لموظفي حماس»، يقول محمود الزك، امين سر الشركة الوطنية. «مؤسسات حماس، الوزارات الحكومية وموظفو المنظمة الذي يقدر عددهم بـ 50 الفا يستهلكون الكهرباء بالمجان دون أن تجبي شركة الكهرباء حتى ولا شيكل واحد منهم». وعلى حد قوله، «حتى 170 شيكل وبالاجمال 8 مليون التي تخفض من رواتب الموظفين، لا تنقل إلى شركة الكهرباء، وكذا ايضا 2000 مسجد تعود لوزارة الأوقاف ولا تدفع مقابل استهلاك الكهرباء». وحسب تقدير اقتصادي فلسطيني ـ النفقات التي لا تدفعها مؤسسات حماس ورجالها تبلغ مليار دولار في السنة.
من أجل الدخول إلى بواطن الامور، ينبغي فهم كلفة صيانة المولدات التي توفر الكهرباء لقطاع غزة: كل يوم تخرج شركة الكهرباء في القطاع ببيان يومي عن مستوى الكهرباء. وصحيح حتى يوم امس، كما اشارت الشركة، فإن إسرائيل تنقل 120 ميغا واط، ومصر قطعت الكهرباء كجزء من «اشغال البنية التحتية»، ومحطة توليد الطاقة في القطاع توفر 45 ميغا واط. كما يقولون هناك انه إذا لم يقطع المصريون الكهرباء، فسيضاف 20 ميغا واط آخر، مما سيصل بالاجمال إلى 185 ميغا واط. ولكن في الشتاء يتسلق الاستهلاك في القطاع ذي المليوني نسمة إلى 600 ميغا واط.
«نحن شركة غير ربحية، بملكية السلطة الفلسطينية والبلديات. وهدفنا هو نقل الكهرباء للمستهلكين»، شرحوا في الشركة. «نحن ندعو المؤسسات الدولية للضغط على الاحتلال كي يسمح بنقل روافع خاصة لشركة الكهرباء».
وأفاد مصدر في قطاع غزة بأنه لما كانت حركة حماس لا تشغل مولدين في قطاع غزة، فإن دخل المنظمة الغزية هو 30 مليون شيكل في السنة. فهل هذا مخصص لحفر الانفاق؟ أسأل، وهو يتملص: «لا اعرف ما أقوله لك. ما نعلم هو أنه يوجد بضع عشرات من اصحاب الملايين ممن ظهروا منذ سيطرة حماس على القطاع. وبالتوازي، فإن العائلات تحت خط الفقر تواصل الازدياد. هذا ليس خط فقر إسرائيلي. توجد عائلات ليس لها طعام في البيت. يوجد اناس يجمعون جلود الطيور التي تلقى إلى القمامة كي يعدوا الطعام. من لديه وجبة كهذه، هو ملك».
في الايام الاخيرة يقود الاحتجاج جسم يسمى «الحراك الشعبي». وهؤلاء هم بالاساس شبان من الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين ويساريون آخرون ملوا الوضع الخطير في قطاع غزة. ربيع عربي في القطاع؟ أسأل، وصحافي زميل يجيب: «ستحرص على تحويل كل ربيع كهذا إلى خريف. وستقتل الالاف كي تحافظ على كعكة الحكم. والمحتجون ايضا يفهمون بأن لا بديل سلطوي غير حماس. إسرائيل هي الاخرى هي معنية بسقوط حماس. فهي المنظمة الافضل للحفاظ على الحدود، باستثناء بعض حالات اطلاق النار. هل ترى بعينيك أن تتمكن أجهزة فتح في الحفاظ على الحدود مع إسرائيل؟».
«تشديد الإغلاق»
وكيف يردون في حماس على الازمة؟ هناك يلقون بالذنب على السلطة الفلسطينية وعلى إسرائيل. عضو البرلمان عن الحركة، عاطف عدوان، اعلن في بوست نشره في الفيس بوك بأنهم مستعدون للتنازل عن ملف الكهرباء وتسليمه إلى السلطة الفلسطينية وكتب يقول: «فلتأخذ السلطة، التي تحصل على اموال دعم للشعب الفلسطيني و 60 مليون دولار ضرائب من غزة، على عاتقها مسألة الكهرباء».
وقال الناطق بلسان حماس فوزي برهوم: «نحن نلقي على ابو مازن ورئيس الوزراء رامي الحمدالله المسؤولية الكاملة عن أزمة الكهرباء المصطنعة والسياسية، الرامية إلى تشديد الاغلاق، خنق السكان واثارة الفوضى، وذلك بتزامن واضح وخطير مع سياسة العدو الإسرائيلي، الساعية إلى المس بالشعب الفلسطيني ومقاومته. وهنا مطلوب من ابو مازن، وحكومته وحركة فتح الكف عن هذه السياسة الخطيرة والتوقف عن اللعب في الساحة الفلسطينية واستغلال احتياجات سكان القطاع كوسيلة لنشر الفوضى والمس بالأمن العام. لقد دعت الحركة ابو مازن إلى الاسراع في ايجاد الحلول ووضع حد لازمة الكهرباء وباقي الازمات الاخرى. وفي النهاية، شددت حماس على وقوفها إلى جانب الشعب الفلسطيني وسكان غزة وجهودها لتلبية احتياجاتهم وكذا استعدادها للتعاون مع كل جهد يتعلق بالازمة».
ونشر مسؤول حماس الكبير، اسماعل هنية، السبت الماضي بيانا للصحافة اشار في اطاره إلى أنه إثر جهود كبيرة بذلها في الايام الاخيرة، تفضلت تركيا بارسال 15 مليون لتر من السولار، بشكل فوري لغرض تفعيل محطة توليد الطاقة. وإلى جانب ذلك سيلتقي هنية في الايام القريبة القادمة مع أمير قطر ويبحث معه في حلولا لازمة الكهرباء.
في بيان حماس للجمهور في غزة جاء: «نريد كهرباء، حركة فتح تقتل غزة. بدأت الحملة بمبادرة حركة فتح والإعلام الإسرائيلي، عبر منسق الاعمال في المناطق، الذي يتعاون مع حركة فتح لنشر الأكاذيب.
والمسيرات تترافق وشتائم ضد زعماء المقاومة، وبعدها يصل هذا إلى اشعال اطارات السيارات واعمال تخريب تساهم في عدم الاستقرار الامني. جهات في فتح تشعل اطارات السيارات وتبدأ برشق الحجارة نحو المفترقات. فتتدخل الشرطة للتفريق بين مشاركي المسيرة المجرمين وحركة فتح واعتقالهم. على محمود عباس أن يلغي ضرائب الكهرباء ويخفف الحصار عن غزة، وعندها فقط تنتهي الازمة».
المشكلة هي أن السلطة لا تسارع إلى حل مشاكل حكم حماس في غزة لا في مواضيع الكهرباء ولا في مواضيع الصحة. موضوع الصحة هو مسألة حياة وموت، وهنا ايضا يقع المواطنون الفلسطينيون في قطاع غزة ممن يعانون من امراض قاسية بين المطرقة والسندان. وفي واقع الامر، يموتون.
وماذا يقول اللواء يوآف مردخاي، منسق اعمال الحكومة في المناطق؟ فقد قال لوكالة «معا» الفلسطينية ان إسرائيل تنقل 122 ميغا واط من الكهرباء إلى قطاع غزة، شركة كهرباء غزة توفر 60 ميغا واط، بينما مصر توفر 20 ـ 30 ميغا واط عبر محطة التوليد في العريش. واضاف ان «إسرائيل تنقل كل يوم 350 مليون لتر من السولار لمحطة التوليد في القطاع ونحن مستعدون لمضاعفة الكمية إذا كان يوجد المال لذلك. قيادة حماس تتمتع بتيار كهربائي على مدار الساعة، ولكن سكان غزة يتمتعون بثلاث ساعات كهرباء في اليوم. حماس تستغل اموال الكهرباء للمصالح الشخصية او للاستعدادات العسكرية». كما يدعي مردخاي بأن «الكهرباء لا تنقطع عن الانفاق، وإلى جانب كل نفق تعمل مولدات لاستخدام حماس وحدها».
ياسر عقبي
معاريف 16/1/2017
صحف عبرية