في الوقت الذي تحتفي فيه بريطانيا بقدوم الوريث المستقبلي للعرش البريطاني وانشغال المجتمع برمته بهذا الحدث إعلامياً واجتماعياً وتجارياً وتقاطر الناس وعدساتهم على أماكن إقامة المليك الوليد يعيش وليد آخر لم يبق في جسده موقع لرمح أو سيف ذات يوم موتاً جديداً.
فهذا العالم المجنون الذي يعيش غبطة الحدث في عاصمة الضباب يعيش أيضاً قتلاً مستمراً في سورية وفي الشهر الفضيل يطال حتى المقامات التي جمعت هاماتٍ تاريخيةٍ كانت وما زالت مدارس عملاقة في الشموخ والعزة.
حروب العرب والعجم في بغداد والنجف وكربلاء ودمشق وحلب وطرابلس وصنعاء وعدن والقاهرة وسيناء وتونس تأتي اليوم على دور العبادة والمتاحف والمسارح ورياض الأطفال والمدارس في موقف أشبه بانفصام واضح في الشخصية.
فالعواصم التي تشجع التغيير وتدعمه معنوياً ومالياً وعسكرياً ولوجستياً تحتفي ببراءة مواليدها ورفعة شأنهم بينما ترزح مجتمعات أخرى تحت وطئة مستقبلٍ مجهول عنوانه الضياع والتشرذم والتفكك والجهل.
فما ذنب الحدائق المعلقة ومكتبة الموصل ومتحف بغداد وسوق ومكتبة حلب وضريح خالد بن الوليد وقائمة أخرى من مواقع نُحرت أن تُغتال بهذه الصورة؟ سوى لهدف واحد ووحيد يقوم على السعي لتجهيل الشعوب المنتفضة وشرعنة استباحة دمها واعتيادها على الانتهاكات المستمرة للحرمات بما فيها حرمة رمضان بصورة تجعل الهوان جزءاً مستمراً ومملاً في الحياة اليومية لا يكترث به الكثيرون بينما يتمكن أصحاب مشروع التجهيلي من أن يستكملوا برنامجهم في الهدم والدمار.
إن قتل خالد بن الوليد من جديد وغيره من سيوف الحق المسلولة ليس إلا تفاقم محتدم لانهيار الضمير وانتقام وحشي من الحجر تمهيدا لقتل روحية البشر وآدميتهم وصولاً للتجهيل المطبق.
نعم نحن ننتحر في كل لحظة يستمر فيها مشروع القتل وفي كل مرة يقتل فيها خالد بن وليدٍ آخر حي كان أم ميتاً. نحن نتجه بامتياز نحو غلبة الجهل على أحكام العقل ونحو انهيار نسيجنا البشري أمام سلسلة لا منتهية من الأطماع.
ومع استحكام الجهل وسطوته فإن ظهور انهيارات أخلاقية متواصلة سيكون حدثاً مستمراً وصولاً إلى إنهاك المحيط العربي أمام جبروت يتصاعد لإسرائيل .. المستفيد الأول من حرب الجهل على العقل وحرب البؤس على الاستقرار.
ضياع الجدوى من الحياة هو استحضار متجدد ومبتكر بل تخليق مستحدث لاستعمار الأمس بصورة أكثر ديناميكية وأقل ضرراً على المستعمرين الجدد.
إذا نحن نتجه نحو كبوة عربية جديدة وواسعة ما لم ينتفض الشباب العربي على الحال في ثورة ارتدادية حضارية لا تعرف القتل والعنف بل تتبنى التوسع السلمي المدروس والهادىء لثورة توعوية تنبيهية تشرح طبيعة الأهداف التجهيلية المستعرة وتؤكد على حماية المكتسبات والمنشآت واحترام الأديان وحرمة الإنسان ومؤسساته على اختلافها.
إن التغيير في الحال يحتاج إلى هندسة عقلانية للتحول من واقع لآخر ولا يحتاج لقتل المزيد من المواليد أو حتى خالد بن الوليد من جديد!!!
‘ كاتب فلسطيني
[email protected]