في المقال السابق تعرضت لما سميته «سيكولوجية الموظف المقهور» وقد تركزت الفكرة هناك على العلاقة المعقدة بين الرؤساء والمرؤسين في العمل، وتأثير ذلك الوضع غير الصحي، المتمثل في الرغبة السلطوية والميل إلى القهر وتوسيع الفروق والميزات الوظيفية، تأثير ذلك وغيره من المتلازمات الحتمية، كالفواصل النفسية بين القائد أو المدير ومعاونيه وعدم مشاركة الآراء في إعاقة مسار العمل الذي سيؤدي، في حالة كانت هذه الحالة مكررة في أكثر من مكان، إلى ترسيخ البيروقراطية والتعقيد، ما يعوق في نهاية المطاف عجلة التنمية التي لم تنشأ كل هذه القوانين والتشريعات والمؤسسات في الأصل إلا لإسنادها.
حاول المقال، الذي وضع صورة قاتمة، لكن متفاوتة ولا يمكن تعميمها على جميع البلدان النامية ولا على جميع المؤسسات حتى داخل البلد الواحد، أن يضع يداً على الجرح ولا شك أنني كنت متأثراً جداً فيه بأطروحة «سيكولوجية الإنسان المقهور» لمصطفى حجازي، وإن كانت تلك أشمل، حيث اعتبرت أن علاقات المجتمع المريض في مجملها تقوم على القهر، بما فيها العلاقات على المستوى الأسري، وأن المقهور بشكل عام لن يلبث أن يتحول مع مرور الوقت إلى ممارس للقهر والظلم. تكتسب دراسة حجازي أهميتها من تلك النظرة الجديدة التي ينظر بها إلى ذلك المجتمع الذي يقهر فيه الرجل المرأة، والغني الفقير، دون أن يعلم ذلك القاهر أنه مجرد مريض وضحية لمجتمع القهر ذاك.
هنا أيضاً يختلط الاجتماعي بالسياسي فتصبح الأقليات والطوائف والجماعات التي واجهت القهر متشبثة أكثر بمجموعتها المتجانسة، ورافضة الانسجام والاندماج ومتأهبة في انتظار تحقق حلمها ذات يوم، ومواتاة الفرصة لتتمكن بدورها من ممارسة القهر. لا شك أن رؤية حجازي كانت متأثرة بواقع بعض مجتمعات المنطقة، التي فيها يمكن النظر حتى للعلاقة بين الحاكم والمحكوم بمنظار سيكولوجية القهر، فالحاكم يمارس القهر ليس فقط لأنه متسلط بالفطرة، ولكن لأن هذه هي طبيعة المجتمع وطريقة ممارسة القيادة فيه، كما أن مثل هذه المجتمعات تكون في الكثير من الأحوال قابلة ومستسلمة للقهر السلطوي، بل حتى إذا أتاهم من هو أرحم بهم، ومن يصر على التعامل معهم كشركاء له وليس عبيدا، فلن يروقهم ذلك لأنه سيخدش عندهم تلك الصورة التقليدية للقائد، وسرعان ما سيأخذهم الحنين لتمني عودة سنوات القهر. هذه الصورة تبدو أقرب لصورة المرأة التي نشأت ضمن بيئة قاهرة، والتي تتماهى مع مرور الوقت مع هذه البيئة، لدرجة اعتبار أن الأصل هو تسلّط الرجل عليها، بل لدرجة اعتبار أن الرجل الذي يعاملها باحترام وتقدير هو مجرد حالة شاذة ضد الأصل الذي اعتادت عليه.
هكذا ينشأ نوع من «التواطؤ ضد الذات» لا يواجه فيه المقهور السلطة القاهرة فقط، على أي مستوى من مستوياتها، ولكن يواجه نفسه أيضاً التي ستظل تدافع بشكل لاإرادي عن ذلك الظلم باعتباره أمراً واقعاً. كل ذلك سيشكل حلقات داخل الإطار الذي يسميه حجازي «التخلف الاجتماعي»، وهو العنوان الجانبي لكتابه، وهو مصطلح قد يشمل وقد يفسر الكثير من الظواهر السيكولوجية والاجتماعية وحتى السياسية. لا ننسى أن ننبه هنا إلى أن المقصود ليس انتقاد التراتبية الوظيفية على العموم، وهذا لا يقول به عاقل وقد ورد في الأثر النبوي: «إِذَا خَرَجَ ثَلَاثَةٌ فِي سَفَرٍ فَلْيُؤَمِّرُوا أَحَدَهُمْ». لكن المقصود هو انتقال هذه العلاقة من منحاها التنظيمي لعلاقة مريضة قائمة على القهر والجبر، وتحول ذلك «الأمير» إلى طاغية.
وبالعودة إلى موضوع الإدارة والقهر الوظيفي يمكننا القول إن هذه المشكلة، بالشكل الذي سردناه، ليست خافية على أحد، إلا القليل من أولئك الذين يمكن تلخيص مدرستهم في الحياة بعبارتين: لا مشكلة، وكل شيء على ما يرام. أما الغالب من الناس في مجتمعات التخلف الاجتماعي فهم يرون الآثار السلبية لكل ذلك، سواء على صعيد رفض التحديث أو الاستجابة لمستجدات العصر، التي تبدو الحساسية من الحوسبة من أبرز معالمها، أو على صعيد التباطؤ والعقم الذي تسير به الملفات، لاسيما في الدوائر الرسمية. الاحساس بالمشكلة انتقل إلى الكثير من صنّاع القرار، فتضاعف الاهتمام بالتدريب في مجالات الإدارة، وصارت تفتتح بين كل أسبوع وآخر دورات قصيرة وطويلة في المجالات المتعلقة بالتنمية البشرية، وإدارة الأعمال، وتجديد روح العمل، إضافة إلى عشرات الكليات التي تمنح شهادات متوسطة وعليا في هذه المجالات، داخل البلدان النامية وفي الخارج أيضاً، حيث ينخرط الكثيرون في دراسات متخصصة ودورات تأهيلية ينفق عليها الكثير من الميزانيات، ما يؤكد وجود اعتراف رسمي بالمشكلة ورغبة في الخروج منها عبر التدريب والتأهيل. لكن هذه الدورات والدراسات الأكاديمية تبدو كلها بلا جدوى، وما يلبث المتدرب أن يعود لممارسة عمله كما كان يمارسه سابقاً، خاصة إذا كان ذلك الذي التحق بدورات تدريبية مهمة ومكثفة في أسفل السلم الوظيفي، حيث لن تتاح له الفرصة لإقناع أحد بجدوى وأهمية تطبيق ما درس، وفي الغالب سيطلب منه الانتظار لعقد أو عقدين حتى يصبح في قيادة المؤسسة، حيث يمكنه حينها تطبيق ما عنده من أفكار. عليه أن ينتظر إذن، وإن كان الانتظار نفسه سيكون بلا جدوى، فمن ناحية، وبعد أن تمضي كل هذه السنوات، سيكون قد نسي ما تعلمه، وسيخفت مع مرور الوقت ذلك الحماس الذي اشتعل فيه أول مرة، ومن ناحية أخرى فإن أفكاره نفسها لن تلبث أن تتغير، ليتحول لمجرد ترس من التروس الميكانيكية التي لن يكون من السهل عليها الخروج عن دولاب العمل، تماماً مثلما لا يستطيع قطار التحكم في مساراته أو الخروج من قضيب سكته مهما بلغت مهارة قائده.
أفكر أحياناً بأن الخلل قد يكون في اتباعنا للوصفات الغربية وتجاهلنا لتجارب النجاح التاريخية في فترات السمو والإنجاز. ربما ينبغي علينا أن ندرس من جديد كيف استطاع النبي محمد- عليه السلام- توحيد جهود أتباعه ونقلهم نقلة حداثية مميزة خلال سنوات قليلة. كيف تمكن ذلك القائد الأعظم من جعل مجموعة من العرب الذين كان يقاتل بعضهم بعضاً شركاء في قصة نجاح كبيرة وجزءاً من تجربة خالدة؟ يا ليت شيوخ الفتاوى التقليدية والمواعظ المكررة يحدثوننا عن كيفية كسب القلوب على الطريقة المحمدية بحيث يكون الجميع جنوداً متفانين في خدمة المجموع لا عن قهر وتسلط ولكن عن تفانٍ وحب ضمن واقع يشعر فيه كل واحد منهم بأهميته بغض النظر عن وظيفته ودوره.
التواضع ولين الجانب والشورى والمشاركة والرغبة في عدم التميز عن بقية «المعاونين» حتى في الأكل واللباس، كلها قيم مفتاحية، بدأها النبي الكريم وتتابعت في عصور الخلافة الراشدة والفتوحات الكبيرة. قيم كان النجاح والازدهار مرتبطاً بما حققه أولئك القادة الأوائل منها، فلما ابتعدوا عنها وتجاوزوها ابتعد عنهم النصر وتجاوزهم التاريخ.
نتحدث كثيراً عن مكافحة الفقر وتنعقد كل عام الكثير من الندوات والمؤتمرات بهذا الشأن. ليتنا نتحدث بذات الاهتمام عن مكافحة القهر الذي قد يكون أحد أسباب الفقر وتأخر النصر.
د. مدى الفاتح