روسيا وأمريكا والشرق الأوسط

حجم الخط
0

مع دخول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض تكثر الرسائل حول التغييرات المرتقبة في سياسة الولايات المتحدة بالنسبة لروسيا. فانتصار ترامب يستقبل في روسيا برضى وتفاؤل عظيم، ولا سيما عقب تصريحاته في حملة الانتخابات للرئاسة حول استعداده للتعاون مع روسيا. وبالاجمال، فإن روسيا تعيش تحت ضغط غربي كان التقدير هو أن ادارة أمريكية ديمقراطية ستشدده. ولكن يتبين أن ترامب نفسه معني بتخفيض مستوى المواجهة مع روسيا ويحتمل أن يكون مستعدا لأن يعمل على تسويات ـ وان لم تكن تنازلات كبيرة. اما روسيا من جهتها فتعيش حالة انتظار متحفزة استعدادا لتسلم الرئيس الجديد مهام منصبه، بينما تتعاظم في الخلفية الاصوات التي تدعي بتدخل روسيا في عملية الانتخابات في الولايات المتحدة.
في الولايات المتحدة، مثلما في الساحة الدولية بشكل عام ايضا، يبدو حرج وانعدام يقين من نوايا ترامب في مسألة السياسة الدولية للولايات المتحدة، بما في ذلك بالنسبة للسياسة التي تتحدد تجاه روسيا. واضح أن هذا الموضوع سيكون من المواضيع المركزية على جدول اعمال الادارة الجديدة. وبالتوازي، يتعاظم القلق في أوساط المؤيدين لمواصلة التصدي للتحدي الروسي ويفضلون مواصلة ممارسة الضغط على روسيا، بينهم ـ ادارة أوباما المنصرفة ومؤيدوها، اعضاء كونغرس كثيرون، بينهم جمهوريون، وبالطبع الدول الأوروبية. يبدو أن جزءاً من نشاط الإدارة المنصرفة كان يستهدف تثبيت حقائق على الأرض تجعل من الصعب على ترامب تغيير السياسة الحالية تجاه روسيا.
ان سياسة الادارة الأمريكية الجديدة في موضوع روسيا ستكون بلا شك ذات آثار على الشرق الأوسط ـ وعلى عموم السياقات الذي يشهدها، وعلى رأس ذلك التدخل الروسي في الحرب في سوريا. فضعف مراكز الحكم للدول كنتيجة للثورات التي ألمت بالمنطقة في السنوات الاخيرة، تسعى القوى الإسلامية المتطلعة إلى تعظيم قوتها إلى استغلالها. وقد شجعت الثورات في المنطقة بالتوازي سواء التدخل المتعاظم للقوى العظمى الاقليمية أم للقوى العظمى العالمية في ما يجري في المنطقة، بهدف التأثير على الميول وموازين القوى فيها ـ كلها تتطلع إلى املاء النظام الاقليمي المستقبلي وقوتها النسبية في هذا الاطار. وبين القوى التي تؤدي دورا مركزيا في صراع القوى هذا توجد روسيا ايضا، التي تستهدف تعزيز مكانتها في الشرق الاوسط.
يشكل التدخل الروسي في الشرق الاوسط، ضمن امور اخرى، ردا على التحديات التي تواجهها حيال الغرب. فالدول الغربية التي تعتبر السلوك الروسي في مجال الاتحاد السوفياتي السابق ولا سيما في اوكرانيا كعدوان غايته تثبيت نفوذ موسكو في هذا المجال، ردت على خطواتها بالضغط السياسي عليها، وبفرض عقوبات اقتصادية تهدد استقرارها. وبالتالي فإن التدخل الروسي في الشرق الاوسط، اضافة إلى غايته كسبيل لتثبيت مكانة روسيا كلاعب مؤثر في الساحة الدولية، موجه ايضا لمساعدتها على تحطيم دائرة الضغوط المغلقة عليها وخلق روافع واوراق مساومة حيال الغرب.
وكنتيجة للتدخل الروسي في الشرق الاوسط، اشتد التوتر الروسي ـ الأمريكي. فالولايات المتحدة وشركاؤها يشخصون تطلعات روسيا كموجهة ضد المصالح الغربية وحتى الان تحفظوا من خطواتها في المنطقة وامتنعوا عن التعاون معها في ظل تشديد الضغط عليها من خلال استمرار العقوبات الاقتصادية. ورغم ذلك، فإن التدخل الروسي في الشرق الاوسط، والذي يتضمن رفع مستوى العلاقات بين موسكو ودول في المنطقة، خلق فيها واقعا استراتيجيا جديدا، في اطاره تعاظم النفوذ الروسي.
بالنسبة للعلاقات الأمريكية ـ الروسية، قبيل قيام ادارة جديدة في الولايات المتحدة، يمكن ان نرسم ثلاثة سيناريوهات محتملة:
1. استمرار سياسة إدارة أوباما، والذي يعني استمرار بل وتشديد التوتر بين موسكو وواشنطن بالنسبة للشرق الاوسط.
2. تعديلات معينة في سياسة الإدارة الجديدة تجاه روسيا، في ظل العمل على تنازلات متبادلة مضبوطة. يمكن التقدير بأن هكذا تخف حدة التوتر بين الولايات المتحدة وروسيا، بل وينشأ تعاون بين القوتين العظميين في الشرق الاوسط ايضا.
3. تعاون أمريكي ـ روسي كامل في الساحة الدولية، تكون له آثار بعيدة المدى على تصميم النظام الاقليمي في الشرق الاوسط.
من هذه الامكانيات، يبدو السيناريو الاكثر واقعية هو الثاني ـ تفاهمات وحلول وسط معينة. ويستند هذا التقدير إلى توافق هذا السيناريو مع نوايا ترامب المعلنة. واضافة إلى ذلك، يمكن التقدير بأن روسيا، التي تعيش ضغوطا في الساحة الدولية، ستفضل الوصول إلى حل وسط مع الغرب ـ وان كان في ظل الحرص للحفاظ على مصالحها الاستراتيجية. وعليه، فيمكن التوقع انه حتى في بداية ولاية الادارة الأمريكية الجديدة ستتخذ خطوات، سواء من روسيا أم من الولايات المتحدة بهدف تخفيض حدة التوتر بينهما، في ظل تنازلات متبادلة. واذا كان هذا ما سيحصل، فإن هذا الميل سيعطي مؤشراته في الشرق الأوسط أيضا.
في هذا السياق يطرح ضمن امور اخرى، سؤال حول علاقات روسيا مع إسرائيل. اليوم، على المستوى الثنائي، تسود بين الدولتين علاقات ايجابية. فروسيا ترى في إسرائيل شريكا ايجابيا وواعية لقدراتها الردعية. ويشار إلى أنه في اثناء السنة الاخيرة جرت في روسيا أربع زيارات إسرائيلية رفيعة المستوى، لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وللرئيس رؤوبين ريفلين. وزار رئيس وزراء روسيا ديمتري مدفيدف إسرائيل. يحتمل أن يكون في التدخل الروسي للمنطقة فرصة معينة ايضا وان كانت متدنية للغاية، في ان تدفع روسيا إلى الامام بتفاهمات مستقبلية بين الجهات الاقليمية المقربة لها وبين إسرائيل.
ومع ذلك، فإن العلاقات بين الدولتين تتأثر سواء بالمجريات الاقليمية ام بالتوتر بين القوتين العظميين العالميتين. فالتواجد الروسي في سوريا في اطار التحالف مع خصوم إسرائيل الاساسيين ـ إيران، نظام الاسد، حزب الله ومؤيديهم، طرح اضطرارات جديدة امام إسرائيل. صحيح أن روسيا معنية بالامتناع عن المس بعلاقاتها مع إسرائيل في هذا الواقع الباعث على التحدي، وبالتأكيد تخفيض مستوى احتمال الصدام العسكري معها. اما إسرائيل من جهتها، فتسعى إلى الحفاظ على حرية العمل في مجال سوريا، في ضوء التهديدات الناشئة على أمنها فيها. ولهذا السبب، فإن على روسيا وإسرائيل على حد سواء أن تبلورا ردا مناسبا على هذا الاحتمال. وتثبت آلية التنسيق الامني التي تبلورت بين موسكو والقدس لمنع الاحتكاك حتى الان مصداقيتها وفاعليتها.
اضافة إلى ذلك، ينبغي الاخذ في الحسبان بأنه لن تضمن لإسرائيل دوما مراعاة روسية لمصالحها، إذا ما تضاربت هذه مع مصالح روسيا. وتقف إسرائيل امام تحدي التحالف الروسي العامل في سوريا. ترى إسرائيل في تثبيت وضع إيران في الاراضي السورية وفي التعزيز العسكري لحزب الله عناصر تهديد مركزية. اما روسيا من جهتها فتتعامل باستخفاف مع امكانية التهديد الإيراني تجاه إسرائيل.
ولاحقا يكمن في دعمها لإيران وحزب الله احتمال لصدام مستقبلي بينها وبين إسرائيل. في الظروف الحالية، يبدو أنه ستتواصل المراعاة للمصالح المتبادلة بين إسرائيل وروسيا بالنسبة للساحة السورية، كما من المتوقع ان تحرص روسيا على تنسيق عملياتي مع إسرائيل في هذه الساحة وربما ايضا تصل معها إلى تفاهمات حول استقرارها. ولكن تواجد روسيا في المنطقة يستدعي من إسرائيل متابعة دائمة لخطواتها وللتطورات المتعلقة بمنظومة العلاقات الروسية مع العناصر الاقليمية واللاعبين الدوليين.

نظرة عليا 18/1/2017

روسيا وأمريكا والشرق الأوسط
مع بداية عهد ترامب ستتخذ موسكو وواشنطن خطوات بهدف تخفيض حدة التوتر بينهما
تسفي مجين

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية