مشاهد محبطة في السياسة وفي التلفزيون المغربي أين النقاد وهل من فائدة ترجى؟!

مساء الاثنين المنصرم، كانت شوارع المدن المغربية شبه فارغة، لأن الكثيرين كانوا متحلقين حول شاشات التلفاز في المنازل والمقاهي، حيث كانوا يتابعون مباراة كرة القدم التي جمعت بين الفريق القومي المغربي ونظيره الكونغولي برسم تصفيات كأس إفريقيا. لكن النتيجة كانت محبطة لآمال المتتبعين الذين كانوا ينتظرون أن تحصل «المعجزة» على يد مدرب فرنسي يتقاضى أكثر من ستين ألف دولار شهريا، ولاعبين مغاربة مدللين لكون أغلبهم يلعب في فرق فرنسية وإسبانية وإيطالية، مما جعل أحد الزملاء يطلق على الفريق القومي «المنتخب الأوربي الممثل للمغاربة»، وقال إن هذا الفريق «ما زال يتوفر على كامل الحظوظ للمرور سريعا إلى مطار العودة. فلا داعي للقلق، هذه المرة الكأس مضمونة، ولكنها كأس من البلاستيك من درب عمر (سوق شعبي) بالبيضاء وليست من أدغال إفريقيا». (والكلام على عهدة الأديب إبراهيم الحجري في إحدى تدويناته).
يومها، كان الإحباط مزدوجا، رياضيا، وسياسيا أيضا مع المسرحية ذات الإخراج الرديء التي سبقت انتخاب رئيس جديد لمجلس النواب، والتي أثبتت أن ثمة إرادة مقصودة لإحداث نكوص ديمقراطي وتكريس عزوف لدى المواطنين من الممارسة السياسية عموما والعملية الانتخابية خصوصا؛ فقد تبين أن أول «كافر» بالديمقراطية ومنقلب عليها هو من لم يتحقق له مراده من ورائها، وتلك حال جل الأحزاب السياسية المغربية التي تسبح عكس الإرادة الشعبية وعكس الخطاب الذي يُروَّج له رسميا عبر مختلف الأبواق.
من هنا، نفهم سر قول الإعلامية فاطمة الإفريقي (المشهورة ببرامجها التلفزيونية الفنية وبمواقفها الشجاعة) إنها تشعر الآن بالإهانة عندما لطخت إصبعها بمداد مكتب التصويت يوم سابع تشرين الأول/ أكتوبر المنصرم، خلال الانتخابات التشريعية، وصدّقت كأية مواطنة ساذجة بأن الانتخابات في المغرب تصنع حكومة وبرلمانا. ومن ثم، قدمت اعتذارها للمقاطعين، قائلة: «كنتم على حق!».
وبالضبط، هذه هي النتيجة التي ينتظرها رموز الاستبداد والفساد: أن يدبّ اليأس في نفوس الحالمين بالديمقراطية، فيصنعوا المشهد السياسي كما يحلو لهم!
لنتذكر قوله سعد زغلول الشهيرة: «غطيني يا صفية ما فيش فايدة»!

الثقافة في التلفزيون

نادرة هي البرامج الثقافية في القنوات المغربية، وضمن هذه الندرة يبقى برنامج «مشارف» الذي يعده ويقدمه الأديب والإعلامي ياسين عدنان بمثابة بصيص أمل ضمن فضاء إعلامي يقوم ـ في معظمه ـ على الابتذال والتسطيح والتسفيه.
ضمن هذا التوجه، خصص البرنامج إحدى حلقاته لإثارة موقع الثقافة في وسائل الإعلام، ففي ضوء شيوع ثقافة الاستهلاك في المجتمع المغربي، يُطرح سؤال عريض حول موقع الإبداع والفكر والمعرفة في وسائل الاتصال المختلفة، ومدى قدرة هذه الأخيرة على الاستجابة لضرورة تقديم خدمة أساسية للمتلقي، تقوم على التنوير وتنمية الذوق وإشاعة القيم الجمالية وتحفيز السؤال النقدي لدى الأجيال الجديدة. ومن ثم تساءل ياسين عدنان عما إذا كانت المؤسسة الصحافية المغربية تخلق لدى عموم الجمهور الحاجة إلى التفاعل الإيجابي مع المادة الثقافية بتجلياتها المختلفة، أم إن الهوامش المتاحة للثقافة في الصحافة والإعلام الوطنيين ليست أكثر من «غيتو» خاص بأهل الأدب والنقد ومَن يدور في فلكهم من طلبة ومهتمين. وتساءل أيضا عما إذا كان الطابع «النخبوي» للثقافة لا يحفّز مهنيّي الصحافة على تبويئها المكانة اللازمة ضمن اهتماماتهم وأجناسهم الصحافية، وكيف يتأتّى الانتقال من اعتبار الثقافة مجرد ترف إلى ضرورة تُمليها التنمية المتوازنة للفرد داخل النسق الاجتماعي العام.
وكان موضوع منافسة القنوات الدولية حاضرة في النقاش، حيث طرحت مجموعة من الملاحظات حول علاقة المشاهد المغربي بقنواته المحلية وحول موقع هذه الأخيرة بين نظيراتها الأجنبية، وكذا قدرتها على شد مشاهدها المحلي والحفاظ على هويته. والحال أن هذا الرهان لن يتأتى إلا من خلال تقديم برامج ثقافية وفنية وتربوية واجتماعية لها من الفائدة ما يخلق تجاوبا بينها وبين المتلقي المغربي.

النقد التلفزيوني حال وأحوال

مثل «بيضة ديك» كان اللقاء الذي نظم منذ حوالي عشرين سنة في مقر وكالة الأنباء المغربية، حول موضوع «التلفزيون والصحافة المكتوبة»، حيث أكدت جل المداخلات على غياب نقد حقيقي للبرامج التلفزيونية المغربية في الجرائد الوطنية.
وأوضح المشاركون في اللقاء أن النقد الموجود يتميز بكونه موجها إلى الصورة كثقافة دون الاهتمام بالخطاب اللفظي، معتبرين أن هذه المقاربة أقرب إلى ردود فعل ذاتية منها إلى نقد موضوعي.
وأشاروا إلى أنه يفتقر إلى أصول وقواعد مضبوطة كما هو الشأن في النقد الأدبي، مما أدى إلى بروز نوع من العداء للتلفزيون.
كما تمت الدعوة إلى اعتماد التخصص وتكوين نقاد متخصصين في البرامج التلفزيونية حتى يكون نقدهم بناء ومساهما في التربية النقدية، وانفتاح التلفزيون على ما يرد فيها من آراء. وجرى حث المشاركين على إقامة لقاءات منظمة من أجل مناقشة البرامج والتوجهات التلفزيونية في المغرب، وتطارح قضايا صورة التلفزيون في الصحافة المكتوبة، مشددين على ضرورة خلق تواصل بين العاملين في حقلي الصحافة المكتوبة والإنتاج السمعي البصري، بهدف تحطيم حائط الحذر المتبادل وتفهم مختلف المشاكل وقضايا العاملين في كلا الحقلين الإعلاميين، حتى يتسنى الارتقاء بالعمل التلفزيون من جهة والنقد الموجه له من جهة أخرى.
والواقع أن النقد التلفزيوني في المغرب أنواع: نقد ينصب على السياسة الإعلامية أو الاستراتيجية المتبعة في هذه القناة أو تلك، ونقد يركز على برامج بعينها، وثالث يتوجه إلى العاملين في التلفزيون، سواء كانوا معدي برامج أو منشطيها أم مقدمي أخبار أم مخرجين أو منتجين، أي إنه يركز على الأشخاص أكثر من تركيزه على الأعمال.
أما مستويات هذا النقد، فيلاحظ أن بعضه يحاول أن يكون «موضوعيا»، من خلال عرض محتوى المادة التلفزيونية المنقودة، وتبيان مكامن القوة والضعف فيها، ونقد آخر يركز على الجانب السلبي في العمل المنقود، وثمة نقد يستعمل قاموسا من النعوت القدحية في قالب تهكمي، يعتمد على الإيحاء والرمز لا التعيين والتقرير، وبالتالي يبدو هذا النوع من النقد بمثابة رسائل مرموزة لا يفقه كنهها سوى الموجهة إليهم وبعض الذين يتقنون تفكيك الرموز.

كاتب من المغرب
[email protected]

مشاهد محبطة في السياسة وفي التلفزيون المغربي أين النقاد وهل من فائدة ترجى؟!

الطاهر الطويل

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية