من دون أسمائها الرائجة كان السيد جعوان يتعَشَّقُ لفظة استحقاقات. يرددها بلسان خشبي طيلة الحملة الانتخابية يتيمَّن بحروفها، يتمَنى استحقاق كرسيِّه إلى الأبد. لكن الاستحقاقات الأخيرة أسقطته فتوارى عن الأنظار. ربما يقنع ويقتنع هاته المرة، على غير قليل من الألم والأسى، وقد صار الكرسي عضوًا من جسده، غُدَّةً من غُدده الصماء، والاستئصال كان دون بنج.
قاطنة دائرته هرمت من أجل هاته اللحظة التاريخية التي يستحقون. ربما هناك دوما من يستحق وهناك من لا يستحق. لكن السيد جعوان هَرِم فجأة مثلهم أو أكثر، أسفا على فوات الكرسي المُؤبَّد كسجين عتيق يكره العفو. كم سعى أن يصير مثل ورَم لا ينصَح الأطباء ببتره. بترُه هلاك الجميع. لكن لكل شيء أجل، حتى الأورام.
في الواقع لم يزل السيد جعوان منذ بداياته في حالة توارٍ واحتجاب. خبرُ إزاحته إنما وارى المتواريَ أصلا. أدخلَه سردابا في سرداب وسباتا لهضم لحم نيئ عسير. الهزيمة. كم يوما سيستغرق ليظهر للناس في صفته البشرية، عاريا عن صفة رئيس مجلس مُوَقَّر يُرى بالعين المجردة فقط في نادي الغولف أو نادي الرماية بين شلته من رُماة السلام والوئام والدَّعَة والسكون..
كم يوما يلزم السيد جعوان وقد قضى ربع قرن على الكرسي نفسه ميمونَ النقيبة، يرتع في الضريبة، في أغنى دائرة وأكثفِها سكانا من البسطاء الكادحين والأسواق المتقاربة والفراشين. درهمٌ للرأس كافٍ لجمع ثروة كلَّ يوم. القليل في الكثير كثير. لا شيء تغير في الدائرة من حَسن إلى أحسن إلا شكله هو وحالُه هو. تبا للربيع العربي الذي ململ الأوضاع فانفض الزائدون عن طاقة السفينة المخروقة منذ زمن بغير غرق.. لكن السيد جعوان رغم تواريه بقي حاضرا بقوة. قوةٍ قاهرة له قبل أيٍّ كان. وجوهُه ما زالت تملأ شوارع دائرته وجدرانَ الأزقة وبلاطاتِ الدروب وقد تجرفها زخات المطر فتخنِق أحيانا المجاري والصُّروب. لم يدخلها منذ نجاحه الأول إلا في شكل وجوه على أوراق ومناشير، أيامَ الحملات الانتخابية، موزعة أو ملصقةً على الجدران. لكنه اليوم سقط وبقيت وجوهه مبثوثة تدوسُها الأقدام. كأنها ما زالت تطبع وتوزع. في كل صباح تُطِلُّ منها دفعة طرية بندى الفجر تدوسُها الأقدام وتطبعها أتربة الأعقاب وتسحبها الريح إلى الدوائر المجاورة..
«أنا السبب» هلعُ السقوط استبد به في استحقاقاتٍ صادفتِ الربيعَ العربي، وجزعُ الانتحار الطبقي. على قدر توجسه بالغ في طبع وجوهه ممهورةً بشعار حملته النبيل الراقي. دائما. كان أتباعُه يجولون زنقة زنقة، دارا دارا، بيتا بيتا ويوزعون يدا بيد، أكان العابر طفلا أو امرأة أو رجلا أو شيخا كبيرا، بيتا مغلقا أو مفتوحا، علبةَ بريد أو ممسحة زجاج سيارة.. وحين فاق عدد وجوهه تعداد الساكنة وعدد أيام الحملة صار أعوانُه ينثرونها في كل مكان كأنها بذور ستنبت وتورق. وهي تنتشر مثل القُرَّيْص وتفيضُ حتى أعيى عمالَ النظافة تجميعُها.
أخجلته الأصداء فقرر أن ينزل بنفسه إلى الميدان ليباشر تجميع وجوهِه المُدَاسة. ما حك جلدك مثل ظفرك. ما حمى وجهَك مثلُ توجهك.. لم يفعل ذلك قط طيلة ربع قرن من رئاسة المجلس. كان ناجحا مظفرا كل مرة. كان شتاتُ وجوهه لا يضره رغم معرفته بذلك ولم يكن يعبأ بجمعها ومصالحُ الأزبال يومَها تحت إمرته. اختلف الأمر الآن.. هزيمةٌ وشتات! غلب على ظنه أن الأمر مقلبٌ وشماتة وأن عمال النظافة ينثرون ليلا ما التقطوه نهارا كرها في سحنته وانتقاما صامتا منه فقرر النزول.
مكث أياما يطوف بنفسه يجمع صُوَرَه كمجنون يحاول عدَّ وجوهه اللامتناهية بين مرايا متقابلة. حتى حل عليه الليلُ يوما وهو يصنع نارا عظيمة وَقودُها وجوهُه والأوراق. لم يكن يدري أن تلك الليلة قد صادفت ليلة عاشوراء. وقف وقد اجتمعت عليه كل الحسرات يتأمل ألسنة النار تلتهم وجوهَه، بينما دخانُها الكثيفُ يتعالى في الجو كأنما يحمل رائحة شِواء رأس غنم سمين.
لكن.. يا لسوء حظه. أثار الدخان انتباه دورية اليقظة. كانت تطوف الدروب تجمع أكوام إطارات العجلات التي أعدها صبيان الأحياء لنار «شَعَّالَةِ» عاشوراء. صادفته الدورية عاكفا منفردا على ناره في ركن من أركان سور مدرسة قديمة. ظنوا الرجل الكهل العاقل ساحرا في طقس من طقوس الشعوذة الشائعة في مثل هاته المناسبة، فاعتقلوه وأغرقوا ناره بالماء. زمزموها قبل الأوان. حين تعرفوا على الشخص المهم في سيارة الترحيل، لم يسألوه ولم يشرح لهم. كان واجما لا يتكلم. لم يَضِره اعتقاله لأن مكالمةً صغيرة من جواله قد تفك مأزقه. لكن.. منظر تلبسه بإحراق وجوهِه الذي لم يكتمل وجمعُها الذي يفشلُ في كل مرة. غريب.. ستتطاير غدا من جديد في مهب الريح نصف محروقة، ربع محروقة، ومعها خبر نار مجوسية أوقدها رئيس مجلس سابق لتطرد آلهة الظلام عسى إله النور ينتعش يوما في دائرته!
٭ قاص مغربي
رضا نازه