هكذا تكلم محمد السرغيني

على عادة المفكرين الكبار، وعلى غير عادة المتشاعرين ممن يفتقرون إلى الحس الإبداعي في مجال الشعر، ما يزال فيضُ الأفكار المجنحة يتدفق بكرم وسخاء نادرين، لدى أيقونة الأدب المغربي الحديث، الشاعر محمد السرغيني، على الرُّغم من أنه في عقده الثامن أطال الله في عمره. فالرجل من مواليد 1930 في مدينة فاس العالمة والعامرة، حاصل على دكتوراه الدولة من السوربون 1985، أستاذ مساعد في كلية الآداب في فاس من 1963 إلى 1970، ثم أستاذ محاضر من 1970 إلى حدود سنة 1985، فأستاذ التعليم العالي في السنة نفسها، قبل أن يشغل منصب نائب عميد كلية الآداب في فاس إلى غاية سنة 1991.
لم يكن فوزه بجائزة الأركانة العالمية للشعر سنة 2004، تتويجا لمسار شعري باذخ، بقدر ما كان فوزه هذا، تشريفا للجائزة في حد ذاتها. ويكفيه فخرا أن هذه الجائزة العالمية التي تمنح من طرف بيت الشعر في المغرب، بشراكة مع مؤسسة الرعاية، وصندوق الإيداع والتدبير وبتعاون مع وزارة الثقافة المغربية، إذ تبلغ القيمة المادية للجائزة اثني عشر ألف دولار أمريكي، قلت يكفي هذا الشاعر فخرا أن هذه الجائزة، فاز بها شعراء عالميون كبار، أذكر منهم الشاعر الصيني بيي داو، والأمريكية مارلين هاكر، والفرنسي إيف بونفوا، والإسباني أنطونيو غامونيدا، فضلا عن الشعراء العرب، محمود درويش وسعدي يوسف والطاهر بنجلون، وأخيرا محمد بنطلحة.
والحق أن من سيُعاين منجز هذا الشاعر، منذ عمله الأول «ويكون إحراق أسمائه الآتية» سنة 1987، إلى يومنا هذا، سيدرك بالبداهة – وقد تأكد لي ذلك بالدراسة والمدارسة- أن مسار محمد السرغيني الشعري، هو خارج كل التصنيفات المتعارف عليها؛ فنصوصه «تنتمي إلى كل الأجناس الأدبية، وتخرج عنها في الآن ذاته، ويمكن إدراجها داخل الشعر، ولكن بمفهوم آخر للشعر» كما يقول الباحث محمد العناز؛ ومن ثم فهو فوق القراءة الشفاهية، بعاداتها البالية وشعائرها المتقادمة؛ أيضا وعطفا على ذلك، هو خارج الزمن الخطي للذائقة الجمالية المتوارثة.
لهذا وذاك، وحده الزمن الإبداعي، زمن الشعر أقصد، المعيار الحقيقي لقياس درجات الاهتزاز في هذه التجربة. الشعر، ها هنا، بما هو كشف (أليثيا) بتعبير هايدغر، أو مثلما ظل يردد شاعرنا، منذ أن عرفته منظرا للشعر، قائلا: الشعر هو «استيلاد اللاممكن من الكائن»، أو هو «ذلك الحاضر في مقولات الوجود حضوره الكلي: في الجوهر على أساس الديمومة، وفي الكم المحدد بغير ما يتحدد الكم به، وفي الكيف الذي لا يتكيف مع الزائل». فهمٌ ونَظَرٌ كهذا، لا يمكنه إلا أن يُقلق الدوكسا الجمالي المعطوب المُتحدّر من خيمة أفق معرفي/ إبستيمي معطوب في الأصل.
في آخر لقاء ، جمعني بهذا الرجل/ الأيقونة، وكان ذلك يوم الخميس 22 كانون الأول/ ديسمبر الأخير، في مقهى أسوان في مدينة فاس العامرة، وبدعوة من الصديق الشاعر والناقد صلاح بوسريف، بدا محمد السرغيني، في أوج لياقته الأدبية والفكرية، وهو يناقش، بحماس شبابي، يفتقر إليه أغلب مثقفينا الآن، قلت بدا شابا وهو يتحدث عن قضايا الشعر العربي الحديث، وعن الحداثة والمعاصرة والتقليدانية، لدرجة أنني، في لحظة من اللحظات، اعتقدت أنني على مدرج من مدرجات كلية الآداب ظهر المهراز في فاس، في السنوات الأولى من تسعينيات القرن الماضي، وهو جالس في منصته، يُحاضر بأسلوبه المشاكس والمشكك في الثوابت التي لم تعمل سوى على تكريس الرداءة والتقليد في أحسن الأحوال، في ثقافتنا العربية، وفي الشعر على وجه الخصوص، منذ أحمد شوقي، إلى يومنا هذا، إلا من رحم ربك، يقول وهو يبتسم.
في ذلك الصباح، تحدث السي محمد السرغيني عن الشاعر الفرنسي سان جون بيرس، وكيف كان دوره حاسما في ترسيخ أسس الحداثة الشعرية في فرنسا، وعن أخطائه المقصودة مثلما هي عادة الشعراء الكبار (أنا أكبر من العروض ـ المعري). كما تحدث عن الترجمة السيئة التي قام بها أدونيس لقصيدة بيرس «ضيقة هي المراكب» في خريف1957، في مجلة شعر اللبنانية.
تحدث أيضا عن صديقه الشاعر الراحل أحمد المجاطي، الذي ظل يحلم ـ بإيعاز منه طبعا بـ»القصيدة الأولى»، بعيدا عن الوعي الإيديولوجي، قريبا من الشعر. فالقصيدة، بالنسبة للسرغيني هي «فكرة مبيتة». وفي الأمر دعوة صريحة لخوض الكتابة الشعرية بما هي أسلوب في الوجود الآن وهنا، وبما هي مواجهة للريح واختراق لها. فالشاعر الحقيقي، يقول السرغيني، هو من يُحدث جرحا في اللسان، بتعبير فوكو، أو يجعله أنثويا، أي مشطورا، بلغة عبد الفتاح كليطو، وهو، قبل هذا وذاك، من يكتب بالدهشة ولها. تحدث كذلك عن الأصل الفارسي لنظرية الخليل في علم العروض، من خلال حضور نماذج فارسية كالهزج والمجتث والمضارع… تحدث عن القصيدة المشبوهة لنزار القباني «مع جريدة»، التي تضمنها ديوانه الخامس 1956 الموسوم بـ»قصائد»، التي ليست سوى ترجمة رديئة لقصيدة «فطور الصباح» لجاك بريفر. كما تحدث عن التقليد الذي استبد بالشعرية العربية الحديثة، منذ مدرسة البعث والإحياء إلى شعرية التفعيلة، أو ما سماه صلاح بوسريف بـ»حداثة القصيدة»، مرورا بتقليدانية الخطاب الرومانسي.
ولا يمكنني نسيان أنه تحدث كذلك عن العمل الذي هو بصدد الاشتغال عليه. فالرجل ما ينفك يخرج من عمل، حتى تجده مقبلا على عمل آخر، في إطار مشروعه الواضح المعالم، مهما اختلفت أساليب التعبير فيه، وتراوحت بين الشعر، والرواية، والنقد، سواء في مجال الشعر، أو التشكيل، أو مختلف أشكال التعبير الأخرى، بالعربية والفرنسية. والذي لا ينبغي تجاهله، هو أن أعمال محمد السرغيني الأدبية، بمجرد ما ترى النور، وتودع في المكتبات والأكشاك، حتى يصبح الخبر حدثا ثقافيا، في المغرب؛ يتهافت عليها النقاد من كل الجهات، وهم على يقين كبير من أن مسّاً ما سيمسُّ تضاريس الإبداع، أدبا وفنا، لأن زلزال السرغيني لا يريد أن يترك المياه راكدة، ولا يريد لقصيدته أن تنتهي، بل إنه يتحرك باستمرار، وبشكل متنام، في إطار رؤية مخصوصة، تجعل هذا الشاعر يتميز بها عن غيره من الشعراء، في الوطن العربي ككل؛ إذ بمكنة أي قارئ، أينما كان، بشرط أن يكون على اطلاع بتجربة هذا الرجل، أن يتعرف على نصوصه، دون ذكر اسم الشاعر. وأظن هذا الأمر، كافٍ لكي يجعل محمد السرغيني في مصاف الشعراء الكبار العالميين. فانتظروا عمله المقبل هذا.
إن أصالة هذا الشاعر الأبنوسي، هذا الشاعر القلق والمقلق، في آن، وكأن الريح تحته دائما وأبدا، على حد قول المتنبي، في كل مشاكساته، وسلوكاته التي هي سلوكات أعمى يتحسس طريقه بالشك، أقول إن أصالته تكمن أساسا في كونه يعرف جيدا كيف يفرق بين التراث والتقليد، مع العلم أنه أدهشني كثيرا بذاكرته القوية، إذ مازال يحفظ عن ظهر قلب أمهات القصائد المؤسسة للشعرية العربية في العصر الجاهلي، وكذا أشهر ما قاله الشعراء المتصوفة. لذلك، لا غرابة، في أن ينبهر سيدي محمد بتجربة الشاعر صلاح بوسريف، وينوه بحرارة، بعمل هذا الشاعر، الملحمي الضخم، حول جلجامش، وهو قيد الطبع في إحدى دور النشر العربية، لما رآه في تجربة هذا الأخير من جدية وجرأة، ومغايرة واختلاف عما دأبت علية عادة الشعرية الشفهية، شعرية التقليد أقصد.
فتحية للشاعر سيدي محمد السرغيني، مع طول العمر.

٭ شاعر وكاتب مغربي

هكذا تكلم محمد السرغيني

محمد الديهاجي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية