من المفارقات اللافتة صدور كتاب بعنوان «من أجل غد واعد» للقانوني الدكتور داود خير الله يتطرق فيه بشكل معمق لموضوع المحكمة الدولية الخاصة في لبنان المعنية بجريمة اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري التي وقعت في شباط (فبراير) 2005. وصدر الكتاب قبل فترة قصيرة من مراسيم تأليف الحكومة اللبنانية الجديدة وتعيين القاضي السابق المُلم بالشؤون القانونية اللبنانية والدولية سليم جريصاتي وزيرا للعدل، علما ان جريصاتي من أبرز المتحفظين على الطريقة التي أنشئت بها المحكمة، ويعتبرها تجاوزت السيادة والقضاء اللبناني في كثير من ممارساتها.
فالمؤلف الدكتور خير الله، المحاضر في القانون في جامعة جورجتاون الأمريكية، يتساءل في المحور الرابع من كتابه أن كان ما يميز المحكمة الخاصة بلبنان عن سواها من المحاكم الجنائية ذات الطابع الدولي أنها الوحيدة التي أنشئت لمعالجة جريمة قتل سياسية محلية، فالمحاكم الدولية الأخرى تنظر عادة في جرائم ضد القانون الدولي كجرائم الحرب والإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية، وليست هناك سابقة أن نظرت محكمة دولية في جريمة وُصفت بأنها عمل إرهابي داخلي لذلك، لا مناص من تطبيق القانون اللبناني على جريمة هي في الأساس من اختصاص القضاء اللبناني. ويضيف: ان الدوافع لإنشاء هذه المحكمة يصعب تجريدها من مآرب سياسية وأنها لما كانت رأت النور لولا إرادة الولايات المتحدة وعملها ونفوذها في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، علماً ان واشنطن تمتنع حسب قوله عن التوقيع على الاتفاقية المنشئة لمحكمة الجنايات الدولية وتعاقب أي دولة قد تلجأ إلى هذه المحكمة لمقاضاة أمريكا وممارسات جنودها ومواطنيها عبرها.
كما يتساءل خير الله: لماذا رفضت أمريكا إنشاء محكمة دولية خاصة لمحاكمة الرئيس العراقي الراحل صدام حسين ورفاقه مع انها اعتبرتهم مسؤولين عن جرائم حرب وجرائم إبادة جماعية وجرائم ضد الإنسانية؟
ويشير الكاتب إلى ان جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري هي من دون شك من اختصاص القضاء اللبناني، ولا يوجد قانون دولي يُطبق بشأنها أو قرارات سابقة لمحاكم دولية يمكن العودة إليها، وبرغم ذلك عملت الولايات المتحدة مع فرنسا وبمساعدة أطراف لبنانية على إنشاء محكمة دولية حتى لو كان القانون اللبناني هو الواجب التطبيق أو على الأقل الواجب التنسيق معه في هذا المجال.
وبرغم هذا الموقف السلبي إزاء فرض معايير دولية في التحقيق والمحاكمة في شأن اغتيال الرئيس الحريري، فإن خير الله يطرح حلولاً لهذا الإشكال قد تحظى بموافقة وزير العدل اللبناني الجديد جريصاتي. فيقول في الصفحة (204) انه يطرح الاقتراح الآتي: «تأليف هيئة وطنية قوامها أفراد مشهود لهم بالنزاهة والكفاءة وتتمثل فيها الأطراف المعنية باغتيال الرئيس الحريري، مهمتهما جمع القرائن والأدلة
المتوافرة وتقديمها كوثائق أو مقترحات للمدعي العام لدى المحكمة الدولية الخاصة بلبنان. بهدف إجراء تحقيق شامل تتوافر فيه كل عناصر الموضوعية والمهنية بغية الكشف عن الجهة أو الجهات المسؤولة عن اغتيال الرئيس الحريري، لأن إنشاء مثل هذه الهيئة يمثل سبيلاً لاستعادة بعض السيادة التي تنازل عنها لبنان بتخليه عن حقه الحصري في التحقيق وملاحقة كل مرتكب جريمة على أرضه ومقاضاته، وذلك ابتغاء للعدل ودرءاً لإشعال فتنة وُضع عود ثقابها في أيد خارجية. ويضيف: «إن إنشاء هذه الهيئة الوطنية هو بمثابة تصحيح لخطأ التسرع في التنازل عن السيادة وفي إقامة المحكمة قبل ان تنهي لجنة التحقيق الدولي عملها وتضع تقريرها النهائي الذي كان يعود إلى القضاء اللبناني ان يتبناه كقرار اتهامي».
وحسب داود خير الله فإن لجنة التحقيق الدولي، بموجب قرار مجلس الأمن رقم 1595 الذي أنشأها، كان يتوجب أن تعمل في ظل السيادة اللبنانية وأن تقوم بدور مساعد للسلطة اللبنانية في التحقيق.
ويؤكد المؤلف أن على الحكومة اللبنانية حالياً أن تطلب تعديلاً في ممارسات المحكمة الدولية وتصر على إقامة هيئة لبنانية هدفها مساعدة التحقيق ومراقبته، فإذا رفض المدعي العام لدى المحكمة الدولية الخاصة بلبنان الدخول مع السلطة اللبنانية في اتفاق أو مذكرة تفاهم بشأن الإجراءات الواجب اتباعها لإعطاء الفاعلية، فعليها إحالة الأمر إلى مجلس النواب اللبناني ذلك ان المجلس لم يتطرق أصلاً إلى موضوع الاتفاقية بين لبنان والأمم المتحدة كما كان يتوجب ان يفعل ذلك دستورياً، وفي امكانه ان يوافق عليها بعد التعديلات المطلوبة لاستعادة السيادة اللبنانية.
ويعبر خير الله عن استغرابه والمراجع القانونية الدولية بأن يلجأ مجلس الأمن إلى الفصل السابع من الميثاق الأممي لإنشاء محكمة أساسها القانوني اتفاقية لم تستوفِ الشروط الدستورية لإبرامها ولم توافق السلطة التشريعية للدولة المعنية عليها.
ان الأفعال الاستثنائية التي ارتُكبت لدى إنشاء هذه المحكمة أو خلال المراحل الأولى من التحقيق فيها تدفع، حسب المؤلف، إلى الحذر وتثير الشبهات حول الأهداف الحقيقية وراء إنشاء هذه المحكمة. وحتى لو استُثنيت التنازلات الحكومية آنذاك عن الحقوق السيادية وعن المخالفات الدستورية التي قامت بها الحكومة اللبنانية لدى إنشاء هذه المحكمة، فإن الجهود التي بذلتها قوى دولية، وفي طليعتها الولايات المتحدة، للقيام بإجراءات قضائية دولية للبحث عن قتلة الرئيس الحريري ومعاقبتهم لا سابق لها، في رأي خير الله. فاغتيال رئيسة وزراء باكستان بنازير بوتو، التي لا تقل شهرة عن الرئيس الحريري، والتي اغتيلت بعده وفي ظروف مشابهة، لم يلق اهتمام مجلس الأمن ولا الدول صاحبة القرار فيه كما لقيت جريمة اغتيال الحريري. وهنا يشير الكاتب إلى ضرورة اكتشاف المستفيد الأكبر (وربما الوحيد) من اغتيال الحريري، وما تبعه من تجاوزات قضائية دولية ومحلية، فيقول في هذا المجال في الصفحة (198) انه عَقبْ اغتيال الحريري، أخرجت سوريا من لبنان وألصقت بها تهم اغتياله وأُعتقل الضباط المسؤولون عن الأمن وأُدخل لبنان في أزمة حكم وانقسام وشحن مذهبي لا يزال يعاني منها حتى الآن، فمن هو المستفيد الأكبر من ذلك؟ الجواب، في رأيه، أن إسرائيل هي المستفيدة الكبرى في هذا المجال إذ ظنت ان ما عجزت عن تحقيقه بعد انسحابها من لبنان في عام 2000 سيتحقق عبر إثارة فتنة طائفية في البلد عام 2005 وان الانسحاب السوري من لبنان سيقطع الدعم العربي المباشر والأساسي لحزب الله اللبناني ويجعل حزب الله تحت ضغط أكبر للتخلي عن سلاحه ومقاومته لإسرائيل.
هذا التسلسل في مواقف المؤلف قاده إلى ما ورد في الصفحة (200) من كتابه والوارد في هذا المقطع: «في ضوء الأهمية التي توليها إسرائيل للقضاء على حزب الله وبالنظر إلى الجهود غير المألوفة التي بُذلت في إنشاء المحكمة الدولية الخاصة بلبنان وما سبقها من أحداث وإجراءات على المستوى الدولي، فهل يجوز استبعاد ان تكون إسرائيل وحلفاء لها وراء اغتيال الرئيس الحريري وخصوصاً مَنْ كان لسقوطهم بعده من ضحايا الاغتيال أثر هام في تعميق الشرخ في الداخل اللبناني واستعداء شريحة كبرى من اللبنانيين لحزب الله وكذلك دور أساسي في انشاء المحكمة الدولية الخاصة بلبنان؟» ويضيف: «أما القرائن على اهتمام إسرائيل بالمحكمة الدولية ودورها في تجريم حزب الله، فيمكن ملاحظتها من خلال اهتمامها ان تأخذ العدالة مجراها في لبنان منذ اللحظة الأولى لاغتيال الحريري، ومن خلال تصاريح مسؤوليها وإعلامها عما توصلت إليه المحكمة الدولية بشأن تورط حزب الله في الجناية التي هزت لبنان». وهنا يضيف الكاتب تحليلاً معبراً عن محاولة إسرائيل تحفيز الرئيس سعد الدين رفيق الحريري على الثأر لأبيه بالقول: «وحرصاً من إسرائيل على الثأر للرئيس الحريري فقد أبدت خشيتها من أن يتساهل ابنه، رئيس الوزراء اللبناني (سعد الحريري) في الثأر لدم أبيه». (ص 201).
فهل سيستجيب الرئيس الحريري لنداءات إسرائيل التحريضية هذه، لمواجهة خصومه الداخليين ولإرضاء المتعاطفين مع مشروع إثارة الفتنة الطائفية في لبنان؟ أو هل سيقرر استخدام الحكمة التي كانت إحدى أبرز ميزات والده الشهيد الراحل رفيق الحريري؟
ومن المهم أيضا معرفة إذا كان معارضو المحكمة الدولية الخاصة بلبنان سيضغطون أكثر مما يجب على الرئيس سعد الحريري بحجة التكاليف السياسية والمالية الباهظة لهذه المحكمة أو أنهم سيدركون صعوبة الوضع الإنساني والسياسي الحرج والدقيق الذي يمرُ به رئيس حكومة لبنان الجديد؟
لا شك ان المحكمة والطريقة التي أُنشئت بها تشمل الكثير من الشوائب. ومن دون أي تردد يدرك مراقبو الأوضاع اللبنانية والعربية ان شخصيات لبنانية وعربية عظيمة الشأن اغتيلت في السنوات الماضية، وحتى الساعة، لم يعرف مَنْ كان وراء هذه الجرائم، ومنها بالطبع اغتيال القائدين اللبنانيين البارزين كمال جنبلاط ورشيد كرامي ومن تلاهما من خيرة القادة السياسيين والروحيين اللبنانيين. وبالنظر إلى عدم نجاح التحقيقات الداخلية اللبنانية في الكشف عن هوية منفذي هذه الجرائم ومحرضيهم، فلا يُلام أنصار وأقرباء وأصدقاء الراحل رفيق الحريري ونجله سعد لتوسلهم القضاء الدولي للكشف عن قتلة مُلهمهم وقائدهم. ولكن عليهم أيضاً الحذر من استغلال ذوي النوايا السيئة لهذه الجـريمة الخطـيرة، والذين ربما هؤلاء هم الذين أرتكبوها.
داود خير الله: «من أجل غد واعد»
دار ابعاد، بيروت، 2016
431 صفحة.
سمير ناصيف