نجلاء علي مطري حول «الواقعية السحرية في الرواية العربية»: العجائبي في التراث السردي العربي وتأصيل التثاقف

حجم الخط
0

 

تشير الدكتورة نجلاء علي مطري في كتابها «الواقعية السحرية في الرواية العربية من 2000 إلى 2009» إلى أنه على الرغم من أن عالمنا العربي له سياقه الثقافي الخاص، مع ذلك لا يمكن إغفال تأثير الآداب الأجنبية وتياراتها المتجددة، خاصة بعد ترجمة كثير من الأعمال الروائية الأجنبية والكتابات التجريبية، وما أحدثته من تأثير وتحوّل في الأساليب السردية العربية، وبشكل عام يمكن للدارس ملاحظة هيمنة الغرائبي والعجائبي على بنية القصة والرواية منذ نهاية الثمانينيات من القرن الماضي، وذلك مع اتّساع التجربة الأدبية المقوّضة للواقعية التقليدية، من خلال محدّدات في الفضاء والشخصية والراوي، وتوظيف تلك الظاهرة ضمن محاولات تبنّي التقنيات السردية المميّزة لـ(الواقعية السحرية) في السرد.
مضيفةً في تقديمها للكتاب أن الواقعية السحرية من أهم التيارات الأدبية التي نشأت نتيجة لعوامل كثيرة من أهمها: التطور الإبداعي الذي تبلّور على أيدي كتّاب أمريكا اللاتينية خلال النصف الأول من القرن العشرين، والتي نجد لها جذوراً في ثقافتنا وتراثنا العربي القديم، لذلك كان لزاماً على الدارس الأدبي أن يلتفت إليها ويهتم بها، ويبحث عن وجوه تأصيلها في التجربة الروائية العربية.
تبيّن مطري أن فرضية دراستها متأتية من فكرة أن الواقعية السحرية تيار أدبي عالمي عرف لدى كتّاب أمريكا اللاتينية في العشرينيات من القرن الماضي، ومما لا شك فيه أن هذا التيار يعدّ واحداً من الأشكال الجديدة للتعبير، تلك الأشكال التي مكّنت المبدع من تجاوز حدود الشكل التقليدي للحبكة السردية، أي: الشكل المنطقي الذي يقوم على كتابة مغامرة معروفة لشخصيات محدّدة الملامح، وبحبكة متماسكة وفق خطٍّ زمني خاضع لمنطق التتابع والتقاطع والتوازي، وغيرها من أساليب الخطاب في الجنس الروائي التقليدي.
وفي سعي هذه الدراسة للوصول إلى أهم مفاصل هذه التقنيات، فإنها تحاول الإجابة على أسئلة محددة لتتمكن من المسك بزمام المفهوم والنماذج، منها: كيف استفاد الروائيون العرب من هذه التجربة العالمية؟ هل كان للمثاقفة دور حاسم في توجيه الإبداع الروائي العربي، وما الدور الذي اضطلعت به؟ هل كان للعجائبي في التراث السردي العربي دور في الكتابة التجريبية الحديثة؟ هل نقبل بوجود الخصائص نفسها التي تنهض عليها السحرية اللاتينية، أم أن هناك مقومات أخرى توسّع مفهوم هذا الجنس وتفتح له إمكانات فنية جديدة وتعيد صياغته في لونٍ عربي له خصوصيته؟
من خلال هذه الأسئلة، وللوقوف على المنجز الروائي العربي بطريقة منهجية أكاديمية، حددت مطري مدة دراستها من 2000 إلى 2009. هذا من جانب، ومن جانب آخر فإنها لم تحدد منطقة محددة لدراستها، بل وقع الاختيار على روايات عدة من بلدان وتجارب عربية مختلفة، تتضافر خصوصيتها لتبرز ملامح اكتمال الجنس الأدبي، وقد اشتملت الدراسة على خمس عشرة رواية ذات خطابات متعددة، ومنفتحة على تشكّلات متنوعة من السرد؟
قسّمت مطري دراستها إلى أربعة فصول وتسعة مباحث، كان الفصل الأول مخصصاً للبحث عن المصادر التي كانت وراء تشكّل الواقعية السحرية في الرواية العربية المعاصرة، تعمّق مبحثه الأول في الأجناس السردية التراثية، وهي أجناس مترامية الأطراف يعسر الإلمام بنصوصها وأشكالها البسيطة والمركبة، أما المبحث الثاني فنظر في الأجناس السردية العالمية، ذلك أن المتتبع لهذه الأجناس يمكنه أن يلاحظ بشكل لافت دورها في تشكيل ملمح الواقعية السحرية العربية، من خلال عرض بعض النصوص الروائية التي تشكّلت من هذا التيار.
الفصل الثاني دار حول تجليات الواقعية السحرية في مستوى المتن الحكائي، وقد تضمن ثلاثة مباحث، الأول تناول التنظيم الشكلي للمدونات الروائية المختارة، في حين يصل المبحث الثاني من المادة السردية بالمدونات، وفيه قدّمت مطري عرضاً تحليلياً لإظهار ما اشتملت عليه من مواد سردية ونسبة الواقعي السحري فيها. فيما ناقشت في المبحث الثالث دور الشخصية الحكائية والأعمال التي تقوم بها في سياق مكان تتحرك فيه، وزمان كرنولوجي أو سيكولوجي أو اجتماعي تخضع له.
وتجلى الفصل الثالث عن فحص منهجي وإجرائي في آليات تشكُّل الخطاب السرد السحري (المبنى الحكائي) فبنية أي خطاب سردي تتكون من تضافر ثلاث مكونات أساسية هي: الراوي والمروي والمروي له، وأن اختفاء أحد هذه المكونات أو انعدامه يجعل بنية الخطاب السردي ناقصة ومختلة، ما يجعل عملية التواصل السردي غير ممكنة. وهذه المكونات هي التي شكّلت مباحث هذا الفصل وفصّلت فيها.
في حين جاء الفصل الرابع تحت مسمى تأصيل الجنس الروائي في الثقافة العربية، وضمنته مبحثين اثنين، خصصت الأول لتأصيل الأجناس العجائبية، وناقشت فيه حضور حكايات «ألف ليلة وليلة» وأثر هذا الحضور في روايات الواقعية السحرية لدى كتّاب أمريكا اللاتينية، وفي الروايات العربية المعاصرة، وتلقي السرد العجائبي والسرد الواقعي السحري، كما أنها خصصت المبحث الثاني للحديث عن تأصيل التجربة الفنية وآليات الكتابة، متحدّثةً عن خصوصية تأصيل التجربة الفنية بالرجوع إلى التراث العربي وإلى الأجناس العالمية، واستمداد أدواته التعبيرية وآليات الصياغة والكتابة والحوار، مع أجوائه الفكرية والثقافية والمرجعية والأيديولوجية. وخلصت الباحثة في دراستها إلى أن الواقعية السحرية بصفتها تياراً روائياً لم تتبناه جماعة أدبية بعينها لتقوم بتأسيسه والمرافعة لصالحه، موضحة غاياته ومراميه وخصائصه وملامحه، وإنما أسهم في الكتابة فيه عدد لا بأس به من الكتاب الروائيين العرب، فضلاً عن اختلاف الكتّاب في تعريف مفهوم الواقعية السحرية وفي تمثّلهم لها على الرغم من اتفاقهم جميعاً على أنها شكل سردي مركّب من عنصرين، أحدهما لا خلاف فيه، وهو الواقعية، والآخر يمثّل الحلم لدى غابرييل غارسيا ماركيز والتي استمدها الروائيون العرب من تجربته وأثروه بأحلام الكتابة في قصص «ألف ليلة وليلة» وهي أحلام رمزية جماعية فردية. وهذا الاختلاف هو الذي حرّر الكتّاب من عقم المقومات الإجناسية الصارمة ومكّنهم من إثراء المجال الجمالي لهذه التجربة. ومفهوم الواقعية السحرية كثيراً ما تعلّق بالسوريالية وانطلق منها، ونجد كتّاباً آخرين تأثروا بماريا فارغاس يوسا في تصوره لثنائية الواقع والخيال، والخيال هنا ينهض على مجموعة أنماط السرد المختلفة (العجائبي، والغرائبي، والأسطوري، والأحلام، والرمزي، والخرافات، والقصص الشعبية، والفانتازيا…)، أو هي نوع من السوريالية المستخدمة عند ماركيز على الأقل، وعليه فقد تأثّر الروائيون العرب بتجاربهم، مثل عبده خال ويحيى قاسم وخيري عبد الجوّاد وفؤاد التكرلي وأمير تاج السر وفوزية رشيد. وهكذا تتنوع المفاهيم من بيئة لأخرى ومن مجتمع لسواه ومن ثقافة لغيرها، رغم تشابه الأسس الجمالية العامة في الثقافة العربية وتقارب الأبنية الذهنية وخصائص تلقي السرد العجائبي.
كما أكدت مطري على تنوع المواد السردية لروايات الواقعية السحرية العربية ما بين العجائبي والسحري والأسطوري والسوريالي، وهذا ما يميّزها من غيرها من الآداب العالمية المشابهة، فهي لا تستمد سحريتها من كونها أسطورية أو سوريالية أو عجائبية، أي بالاقتصار على عنصر وإلغاء البقية أو لانفرادها بأحد هذه الملامح، ولكنها جنس تأليفي من كل ذلك مجتمعة. ومن ثمَّ فإن الواقعية السحرية والواقعية السوريالية في أغلب المدونات الروائية الأسطورية جاءت ممزوجة بالحكايات الشعبية.
كذلك لاحظت الباحثة أن الواقعية السحرية في الفترة التي مسحتها هذه الدراسة تختلف عن الواقعية السحرية في الفترة التي قبلها، أي خلال ثمانينيات القرن الماضي والتسعينيات، إذ جاءت متأثرة بشكل واضح بالأجناس السردية العربية، أما نماذج الدراسة فقد اختلفت كثيراً، مما يلاحظ أن الروائي العربي أصبح لديه الوعي الفني بطرق المزج بين أجناسه السردية التراثية والإنسانية العالمية وخلق تحاور إنشائي بينها، لذا فإن روايات الواقعية السحرية العربية تتميز بكونها نصوصاً متلوّنة ضمّت في موادها السردية مواد أخرى لم يعد فيها الأدب محورياً، بل تجاوزته إلى الجماليات المعرفية، وخطاب الأسطورة، وعلوم الفيزياء والرياضيات، وعلم الانثربولوجيا، والرسومات والأشكال الهندسية والفيزيائية، والتشكيل، والمواد الإعلامية من صحافية وإذاعية، والموسيقى، وغيرها، كما يتميز بناء الشخصيات في هذه الروايات بكونه لا يتم عن طريق تقديم أوصافها الخارجية فحسب، أو عن طريق استبطان دواخلها النفسية، والوقوف على عوالمها الداخلية، كما في الرواية النفسية والواقعية التقليدية، إضافة إلى أن شخصيات هذه النماذج تصوّر واقع المجتمع الذي كتبت فيه، والبيئات الشعبية وعاداتها وتقاليدها، وتقوم بتعرية المجتمع ومواجهته، ولم تهرب منه كما تفعل الشخصيات عادة في السرد العجائبي، وهي شخصيات تدّل في هامشيتها على أن الثقافة الروائية العربية الحديثة أصبحت تعتني بالتابع والهامشي وبالحواشي وبالأحواز وتنزلها من اهتمامها منزلة كبرى، ولذا يجوز القول بنوع من الثبات وبعد استقرار هذا المنجز الروائي عن الرواية الواقعية السحرية العربية أنها رواية تحتفل بالهامش على حساب المركز.

د. نجلاء علي مطري: «الواقعية السحرية في الرواية العربي من (1420هـ- 2000م حتى 1430هـ- 2003م)»
دار الانتشار العربي، النادي الأدبي الثقافي بجدة، 2016
670 صفحة.

نجلاء علي مطري حول «الواقعية السحرية في الرواية العربية»: العجائبي في التراث السردي العربي وتأصيل التثاقف

صفاء ذياب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية