لاجئون عالقون في الجزر اليونانية يكابدون معاناة مضاعفة بسبب البرد

حجم الخط
0

ركوب البحر عبر قوارب مطاطية لم يمنع الكثيرين من المجازفة بحياتهم من أجل البحث عن حياة كريمة. أعداد كبيرة من اللاجئين صدت بوجوههم أبواب دول عربية شقيقة وجدوا في اليونان ملاذا آمنا ليكملوا الطريق منها إلى الشمال الأوروبي أو هكذا كانت أمانيهم. لكن سرعان ما تبخرت أحلامهم، فالقليل منهم فقط سجلوا على أساس انهم سوريون استطاعوا ان يعبروا اليونان إلى دول أوروبية أخرى تستقبل اللاجئين. لكن الغالبية الكبرى منهم بقوا عالقين لا يعرفون مصيرهم، فحجم المساعدات قليل جدا والمخيمات لا تصلح للعيش الآدمي في أجواء البرد الشديد ويتم استغلالهم ماديا بحجة المساعدة، وتقدم لهم مأكولات منتهية الصلاحية، ناهيك عن عصابات سرقة الأطفال ومقايضتهم بالمال.
في العامين الماضيين شهدت اليونان حركة لجوء كثيفة كونها أقرب نقطة حدودية لأوروبا، إذ تواصل القدوم إليها بالآلاف باتجاه جزر بحر ايجة عبر القوارب المطاطية وبترتيب من المهربين، حيث ازدهرت تجارة تهريب البشر التي استنزفت اللاجئين الذين قدموا كل ما يملكون واستدان بعضهم لكنهم وقعوا ضحية مافيات التهريب والغرق إضافة لعصابات خطف الأطفال وبيع أعضائهم واستغلالهم جنسيا.
قصص اللجوء المأساوية لا تعد ولا تحصى، فالأمر لم ينته بالنجاة من موت محقق وبعبور البحر إلى البر اليوناني، بل سادت حالة من القلق والخوف وعدم الاستقرار وبدأت تفاعلاتها السلبية تبرز من بعض مظاهر العنصرية من اليمين المتطرف حيال اللاجئين.

ردع اللاجئين

المهندس مهيار القطامي رئيس اتحاد العمال والشغيلة الفلسطينيين في اليونان وهو يترأس حملة لإغاثة اللاجئين الفلسطينيين في اليونان قال لـ«القدس العربي»: «تعاملت الحكومات اليونانية المتعاقبة حتى وصول حزب سيريزا للسلطة بكل الطرق لإعاقة وردع اللاجئين وإغلاق الحدود في وجههم، تلك الحدود التي لم تكن مفتوحة من الجهة اليونانية ولا من بلدان البلقان أيضا. وعند وصول حكومة سيريزا للسلطة، تركت الأمور بدون حل سياسي لمواجهة سيل اللاجئين، لا من ناحية إعداد مراكز ضيافة ولا بنية تحتية تمكنهم من إحصاء عدد اللاجئين ولا رعايتهم، ما أدى لزيادة أعدادهم حيث يصل يوميا الآلاف إلى اليونان، ما اضطر الحكومة لفتح حدودها بإتجاه أوروبا منذ صيف عام 2015 الأمر الذي أدى لمرور مئات الآلاف خلال ستة أشهر ليتجاوز عدد المارين 800 ألف لاجئ، أي ما يشبه الطوفان باتجاه بلدان أوروبا الشمالية، وبالتالي خلقت بما سمي بأزمة اللاجئين نظرا لعدم قدرة اليونان أو حتى دول الشمال على الاستيعاب العاجل. وبناء عليه تم التوصل لاتفاق بين تركيا والاتحاد الأوروبي لإعادة اللاجئين إليها ومن هناك تجري إعادة توطينهم ولم شمل العائلات. وعليه جرى اغلاق الحدود اليونانية مع جمهورية مقدونيا منذ شهر اذار/مارس الماضي واغلقت مراكز استقبال اللاجئين في الجزر اليونانية التي تحولت إلى مراكز اعتقال إداري تحت اشراف قوات حفظ الحدود الأوروبية (فرونتكس)».
وأشار القطامي إلى أن الوضع القانوني يصعب فهمه، واللاجئون يأملون بفتح الحدود من الجانب المقدوني أو اعتماد إجراءات لم الشمل التي يطول أمدها لتصل إلى عام وأكثر، أو عبر الالتحاق ببرنامج إعادة التوطين حسب الحصص المتفق عليها بين البلدان الأوروبية، وعبر تعقيد إداري يجعل العملية مكلفة زمنيا وماديا وغير مضمونة النتائج.

ثلاثة آلاف فلسطيني

وعن أوضاع اللاجئين الفلسطينيين كنموذج لمحنة اللاجئين عموما في اليونان يقول القطامي: التقدير اليوم ان لدينا ما يقارب الثلاثة آلاف لاجئ فلسطيني عالقين في اليونان، لم نتمكن من الاتصال بغير عدد ضئيل منهم حيث ان أغلبيتهم قاموا بالتصريح انهم سوريون ليتمكنوا من مواصلة الطريق للشمال الأوروبي.
ويتوزع اللاجئون الفلسطينيون في اليونان حسب الفئات التالية:
الأولى: وهم مئات من اللاجئين الفلسطينيين العالقين في شمال اليونان يعيشون في أشباه مخيمات فردية وفي ظروف صحية صعبة، على أمل فتح الحدود التي لن تفتح، وان فتحت فحدود الدول في البلقان والنمسا وغيرها تغلق بقرارات بالإضافة إلى شريط حدودي لا يمكن تجاوزه بسبب الأسلاك الشائكة. هذه الفئة من اللاجئين حصلوا سابقا على توثيق وإحصاء من اليونان بأنهم لاجئون لكن إجراءات اللجوء لم تستكمل بل اعطيت فرصة لمدة ستة شهور للمغادرة أو تقديم لجوء سواء لليونان أو لبرنامج إعادة التوطين. هذه الفئة توزعت على عموم مراكز الإقامة في اليونان نتيجة فقدان الأمل بفتح الحدود.
الفئة الثانية: هم العالقون الجدد في الجزر وهم بالمئات في معسكرات الحجز التابعة لقوات حرس الحدود الأوروبي، ولم يجر احصائهم وبالتالي لا يمكنهم الانتقال إلى الداخل اليوناني. وهذه الفئة تشمل اللاجئين الأكثر معاناة. فعلى الرغم من احتجاجاتهم التي ترافقت بالعنف وحرق المخيمات إلا ان أزمتهم ما زالت مستمرة ولا توجد أي حلول رغم مطالبة اليونان بنقلهم إلى الداخل اليوناني، وهو ما يواجه برفض أوروبي.
الفئة الثالثة: هي التي استطاعت ان تقيم في مراكز الاستيعاب المنتشرة في عموم اليونان، من الشمال حتى الجنوب وهي مراكز تتواجد في معسكرات الجيش المهجورة أو حتى خارج المدن في الخيام، وضمن ظروف قاسية، فلا غذاء ولا رعاية طبية مناسبة. وجزء بسيط من اللاجئين استطاع ترتيب أوضاع لجوئه والأغلبية بانتظار الترتيبات الإدارية.
الفئة الرابعة: وهي الفئة التي جرى استقبالها من قبل جمعيات التضامن ومنها اتحادنا «اتحاد العمال والشغيلة الفلسطينيين» ضمن مراكز في الأساس مهيأة للإغاثة العاجلة، من مثل مدارس وفنادق وأماكن عامة مهجورة وتم تأهيلها لاستقبال اللاجئين عبر التبرعات العينية والتطوع الجماهيري.
وأوضح القطامي أن الاتحاد مؤسسة رسمية حسب القوانين اليونانية وعملها الرئيسي هو الدعم القانوني للعمال الفلسطينيين المقيمين في اليونان عبر النقابات الرسمية. ومنذ عام 2003 يقوم بدور اجتماعي بحت في دعم اللاجئين في اليونان.
ويضيف: لدينا الآن مجموعة برامج للإغاثة العاجلة لمواجهة معضلات لاجئينا في اليونان تجري مناقشتها وتنفيذها عبر لجنة خاصة من اتحادنا ويشارك فيها لاجئون في أكثر من موقع، ويجري تشكيل مركز اللاجئين الفلسطينيين في اليونان برعاية وتنسيق واشراف من اتحاد العمال والشغيلة الفلسطينيين ومنظمات التضامن اليونانية والجميع يعمل بامكانيات تطوعية محدودة ضمن إطار ما يتم التبرع به حيث ستطول اقامتهم حتى ترتيب أوضاعهم مع احتمال تزايد اعدادهم.
وطالب بضرورة توفير الحياة الكريمة للاجئين العالقين في اليونان من خلال تزويدهم بالمواد الغذائية الضرورية والأدوية والملابس والأغطية وغيرها للجميع.
بالإضافة إلى تأمين الدعم اللوجستي لاستكمال الإجراءات القانونية عبر مركز الاتحاد للتواصل مع الجهات الرسمية ومتابعة تحديد المواعيد ومراجعاتها (الحكومة تطلب من اللاجئ تحديد الموعد عبر السكايب وبأيام محددة للسوريين والعرب) ما يتطلب تزويد مركز الاتحاد بأربعة أجهزة كومبيوتر لمتابعة المهمة.

العمل التطوعي والمساندة الإنسانية

الجدير بالذكر وحسب مصادر حقوقية يونانية ان المنظمات التطوعية المتضامنة تم استثناؤها من برامج رعاية اللاجئين ولا يجري تمويلها وتم اعتماد بعض المنظمات غير الحكومية الغنية وذات الامتداد الأوروبي والأمريكي للعمل فقط، وجرى اقصاء المنظمات التطوعية بعيدا عن مراكز استقبال اللاجئين الرسمية ومعسكراتها، تحت طائلة الملاحقة القانونية ما أدى إلى تقليص حجم الاسناد اللازم للاجئين وابقائهم تحت رحمة منظمات غير حكومية معتمدة ما ترتب على ذلك من أعمال نهب على حساب إيواء اللاجئين وتوفير الطعام والعلاج لهم.

مطالبات

وجدد المئات من اللاجئين العالقين في اليونان، مناشدتهم للجهات الحقوقية والأمم المتحدة، العمل على إنهاء مأساتهم وإيجاد حل لمشكلتهم الممتدة منذ أكثر من سنة، كما أشتكى اللاجئون من المعاملة غير الإنسانية التي تنتهجها الحكومة اليونانية نحوهم، حيث أكدوا أن السلطات اليونانية ورغم المناشدات والنداءات التي أطلقوها لا تزال تمتنع عن معالجتهم في مشافيها العامة، وتجبرهم على الذهاب إلى المشافي الخاصة، والتي تشكل عبئا مادياً عليهم نتيجة وضعهم الاقتصادي والمادي المزري.
 فيما أكد اللاجئون الفلسطينيون في جزيرة كيوس اليونانية على أن السلطات ترتكب أخطاء جسيمة بحقهم، حيث تعاملهم معاملة غير إنسانية وصلت إلى حد الضرب والشتم والإهانة والإذلال، حسب قولهم.

مسؤول أوروبي ينتقد أوضاع اللاجئين في مخيمات جزيرة «ليسبوس» اليونانية

انتقد مسؤول الهجرة والشؤون الداخلية والمواطنة في المفوضية الأوروبية، ديميتريس افراموبولوس، أوضاع اللاجئين في مخيمات جزيرة «ليسبوس» اليونانية في ظل البارد القارس والثلوج الكثيفة.
وعقب زيارته لتلك المخيمات، برفقة وزير سياسات الهجرة اليوناني، يانس موزالاس، ورئيس بلدية «ميديللي» سبيروس غالينوس (شرقي اليونان) قال المسؤول الأوروبي في تصريحات لصحافيين «لا يمكن ترك المهاجرين يواجهون البرد دون أن يكون لهم حتى سقف يحميهم، خلال تحديهم ظروف الشتاء القاسية من أجل البقاء على قيد الحياة».
وأضاف: «ينبغي إيجاد حل اليوم، وليس غدا أو الأسبوع المقبل، وواثق من أن مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق اللاجئين، الممولة من قبل الاتحاد الأوروبي، ستجد أماكن مناسبة لنصب خيم مناسبة لظروف فصل الشتاء، كحل إنساني مؤقتي». 
ومضى داعيا دول الاتحاد الأوروبي إلى «تسريع خطوات إعادة توطين هؤلاء اللاجئين» مشددا على أن «إدارة أكبر أزمة لجوء شهدها الاتحاد الأوروبي هي مسؤولية مشتركة لأوروبا كلها». 
وقال افراموبولوس إن «اتفاق إعادة قبول المهاجرين أدت إلى منع وقوع حالات موت مأساوية في البحر».
وتوصلت تركيا والاتحاد الأوروبي، في 18 آذار/مارس الماضي، إلى اتفاق يهدف إلى مكافحة الهجرة غير الشرعية وتهريب البشر، حيث تقوم أنقرة، بموجب الاتفاق الذي بدأ تطـبــيقه في نيسان/أبريل الماضي، باستقبال المهاجرين الواصــلــين إلى جــزر يونانية ممن تأكد انطلاقهم من تركيا. 
وتتخذ أنقرة، وفق الاتفاق، الإجراءات اللازمة لإعادة المهاجرين غير السوريين إلى بلدانهم، بينما يجري إيواء السوريين المعادين في مخيمات داخل تركيا، فضلا عن إرسال لاجئ سوري مسجل لدى أنقرة إلى دول الاتحاد الأوروبي مقابل كل سوري معاد إلى تركيا. 
وتواجه أوروبا أكبر موجة هجرة منذ الحرب العالمية الثانية (1939-1945) بعد تضاعف التدفق التقليدي للمهاجرين من افريقيا، بسبب اللاجئين الفارين من الحروب والفقر في الشرق الأوسط وجنوب آسيا.

أطباء بلا حدود تصف وضع اللاجئين بالكارثي

في تقرير لمنظمة أطباء بلا حدود تحدث ٍأطباء عن تجاربهم وما شاهدوه من ظروف غير إنسانية يعيشها اللاجئون حيث هناك آلاف الأشخاص من بينهم أطفال صغار وحوامل ومصابون بصدمات نفسيّة يعيشون في خيام مصنوعة من نايلون رقيق بلا ماء ولا تدفئة ولا كهرباء، وليست لديهم مراتب للنوم عليها، ينامون على الأرض، وهذا على مدى ثمانية أو تسعة أشهر في بعض الحالات. كما وأشارت المنظمة إلى عدم تمكن المتطوعين من الاستجابة لحاجات جميع اللاجئين في الرعاية خلال فصل الشتاء، فهم دائماً مبللون توزّع ملابس جافة عليهم ولكن عندما تُمطر السماء يبدأ كل شيء من الصفر مرة أخرى، يحدث ذلك مراراً في اليوم الواحد، المعسكر كله عبارة عن ثقب موحل، عند هطول الأمطار تنجرف خيام بأكملها مما أدى إلى زيادة الإصابات بالالتهابات الرئوية والتنفسية، يأتي هذا في ظل انخفاض درجات الحرارة إلى ما دون الصفر على مدى أيام، وعلى الرغم من تدخل الحكومة اليونانية بإرسال سفينة تابعة لسلاح البحرية اليونانية إلى بعض الجزر للمساعدة إلا ان الكثير من اللاجئين فضلوا الموت تجمدا على الصعود على متن سفينة حربية خوفاً من أن تعيدهم السلطات اليونانية إلى تركيا.
وحمل فلوريان فيستفال المدير التنفيذي لمنظمة «أطباء بلا حدود» في ألمانيا، اتفاقية اللاجئين بين الاتحاد الأوروبي وتركيا المسؤولية عن البؤس الذي يعيشه اللاجئون في اليونان، فبسبب الصفقة هناك أكثر من 15 ألف شخص يعانون من البرد في الجزر اليونانية.

لاجئون عالقون في الجزر اليونانية يكابدون معاناة مضاعفة بسبب البرد

وجدان الربيعي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية