مؤتمر أستانة: وهم الحل وتضخم طموحات بوتين وفرصة ترامب

حجم الخط
0

في 23 كانون الثاني (يناير) ستستضيف أستانة عاصمة قازخستان مؤتمرا ترعاه كل من روسيا وتركيا وتشارك فيه المعارضة السورية إلى جانب وفد النظام السوري. وتهدف موسكو تحديدا من هذا المؤتمر تثبيت وقف إطلاق الذي توصلت بمساعدة من تركيا وتعبيد الطريق أمام حل للأزمة السورية التي مضى عليها ستة أعوام وتركت أثارها التدميرية على البلاد وزعزعت استقرار الدول الجارة وصدرت اللاجئين إلى الاتحاد الأوروبي بحيث فككت كيانه وقادت إلى خروج بريطانيا منه في استفتاء حزيران (يونيو) 2016. ولا يختلف المؤتمر في توليفته من ناحية المدعوين والمشاركين إلا بكون الولايات المتحدة باتت طرفا مدعوا (ضيفا) وليست لاعبا رئيسيا كما في محادثات جنيف الأولى والثانية. والداعي لهذا هو انشغال واشنطن بعملية الانتقال السياسي من إدارة باراك أوباما لإدارة دونالد ترامب والآخر هو تراجع النفوذ الأمريكي في الحرب السورية لتركيزها على ملف مكافحة تنظيم «الدولة» وترددها بدعم حلفائها المعارضين لنظام بشار الأسد وتحولها طرفا في النزاع بدعم قوات حماية الشعب الكردية. وكانت معركة حلب الأخيرة والتي خرج فيها مقاتلو المعارضة من معقلهم القوي مؤشرا على تسيد روسيا الملف السوري فيما وقفت أمريكا متفرجة.
وهو ما يشي به اعتراف وزير الخارجية في الإدارة السابقة جون كيري.
ففي مقال نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» (19/1/2017) واستعرض فيه إنجازات وإخفاقات إدارة رئيسه أوباما قال فيه إن تعامل المجتمع الدولي مع سوريا سيظل محلا للجدل. واعترف أنه لم يستطع إقناع البيت الأبيض بتبني سياسة متشددة تجاه النظام السوري. وقال إن الإدارة درست كل الخيارات من إرسال قوات كبيرة إلى نشر عناصر من قوات العمليات الخاصة ووازنت بين ما يمكن تحقيقه عبر التدخل العسكري وتورط طويل الأمد في سوريا. وقال إنه لا يعتبر نفسه من دعاة السلمية وأنه قاتل شابا في حرب فيتنام التي علمته أن على صناع القرار قبل لجوئهم للحرب استخدام كل ما لديهم من قوة لتحقيق أهدافها بطرق أخرى، أي الطرق الدبلوماسية.

روسيا الطامحة

وما لم يقله كيري أن صناع القرار مطالبون بحرف ميزان الحرب وخلق الظروف لنجاح الدبلوماسية وإلا ظلت محاولاتهم تمارين في مجال العلاقات العامة. وهذا ما فهمته روسيا، فقد استغلت التردد الأمريكي وتدخلت عسكريا في نهاية إيلول (سبتمبر) 2015 واستطاعت بعد عام ونصف تقريبا تغيير مسار الحرب وأنقذت نظام الأسد واستطاعت عبر المسرح السوري الذي باتت تسيطر عليه استعراض قوتها وتوسيع مدى طموحاتها في المنطقة. وترى صحيفة «فايننشال تايمز» (19/1/2017) أن اجتماعات أستانة لا تعني أن الأطراف المشاركة فيها ستتفق على حل سلمي بل على العكس تظل فرص التوصل إلى تسوية ضئيلة. وما يدفع روسيا لرعاية مؤتمر في بلد موال لها هو رغبتها بإرسال رسالة عن عودتها كلاعب رئيسي في شؤون الشرق الأوسط. وقالت إن المسؤولين الروس يشعرون بالنشوة لمجرد توجيههم دعوة للإدارة الأمريكية الجديدة للمشاركة في مؤتمر هم رعاته والتفاوض على ساحة أصبحوا هم أسيادها. وناقشت الصحيفة أن الطموحات الروسية هي أبعد من أن تظل منحصرة في سوريا. ونقلت عن سفير روسي سابق قوله «فشلت سياسة أوباما في الشرق الأوسط فدخلنا». ويقول نيكولاي كوزانوف، المحاضر في الجامعة الأوروبية بسانت بطرسبرغ إن الدور الذي لعبته موسكو في حلب والإنجازات العسكرية فيها أثارت شهية المسؤولين الروس للعب أدوار أخرى. وقال إن الكرملين «يعتبر سوريا وسيلة (للتأثير الإقليمي) لا هدفا بحد ذاتها». ويتفق محللون على أن السياسة الروسية الخارجية لم تعد ترد على الأحداث بقدر ما تقوم بتشيكلها عبر التدخل في النزاعات المحلية كما هو باد من مساعدة الرئيس فلاديمير بوتين للجنرال الليبي خليفة حفتر. ولا ينفصم النشاط الروسي في المنطقة عن المصالح الاقتصادية والعسكرية، فموسكو ترغب في بيع أسلحتها لدول أخرى غير زبائنها التقليديين مثل إيران وسوريا ومصر. وتريد أيضا الاستفادة من مشاريع النفط والغاز في المنطقة. وفي الوقت الحالي حققت روسيا ما تريده من أهداف في سوريا وهي تأمين النظام وحماية قاعدتها البحرية في طرطوس وإنشاء قاعدة جوية في اللاذقية. وهي تسيطر على نصف الساحل السوري لدرجة جعلت الكثير من السوريين يعتقدون أن روسيا تتحكم ببلادهم.

مشاركة أمريكا

وعلى العموم يعرف بوتين أن دوره في المنطقة مشروط بالتعاون مع الولايات المتحدة. ولهذا عقد آمالا كبيرة على وصول ترامب إلى البيت الأبيض والرسائل الإيجابية التي تلقاها من الرئيس الجديد. إلا أن المسؤولين الروس لا يتوقعون الكثير في ضوء التصريحات المتناقضة من الرئيس الجديد كما نقل موقع بلومبيرغ (19/1/2017) عن عدد من المحللين الروس. وربما كانت أستانة فرصة للتعاون بين البلدين. وكما ناقش ديفيد بولوك بمقال على موقع معهد واشنطن (19/1/2017) فمؤتمر أستانة قد يكون «النصر الأول لسياسة ترامب الخارجية» وقال إن إدارة الرئيس الجديد لم ترد على الدعوة التي وجهت لها للمشاركة فيه «لكن عليه (ترامب) أن ينتهز الفرصة للعمل مع روسيا وآخرين لحل المشكلة السورية التي استعصت على إدارة أوباما». ويقول إن الإدارة الجديدة قد لا تتمكن من المساهمة بشكل جدي في اجتماعات أستانة إلا أن أمامها فرصة للمشاركة في مؤتمر جنيف المقبل في الثامن من شباط (فبراير) المقبل. ولا يرى الكاتب أي ضرر من تعاون الإدارة الجديدة مع روسيا خاصة أن نهج الإدارة السابقة كان يقوم على التعاون معها. وكانت النتيجة دائما الفشل باستثناء الإتفاق على تفكيك سلاح سوريا الكيميائي عام 2013 بعد استخدامه ضد المدنيين في الغوطة الشرقية. ويربط الكاتب التعاون هذا بشرط أن يكون مساعدا على تحقيق الأهداف الأمريكية وهي القضاء على تنظيم الدولة الإسلامية بدلا من منح الروس الوقت للحفاظ على نظام الأسد. وفهم الكاتب أن ترامب ربما اتخذ هذا المسار في ضوء مقابلته مع صحيفة «التايمز» (16/1/2017) والتي اقترح فيها اتفاقا بشأن العقوبات المفروضةعلى روسيا مقابل اتفاق للحد من الأسلحة النووية. وتحدث فيها أيضا عن الوضع الإنساني المريع في سوريا. وما دام الأمر يتعلق بسوريا يقترح الكاتب أن تذهب الإدارة الجديدة للتأكيد على ثلاثة ملفات: دعم وقف إطلاق النار وضمان وصول الإغاثة الإنسانية العاجلة والإصرار على حماية المناطق المتبقية في يد المعارضة المعتدلة نسبيا خاصة في محافظة إدلب في الشمال ومحافظة درعا في الجنوب. بعد هذا يجب أن يكون هدف ترامب التعاون لضرب تنظيم الدولة والقاعدة والسيطرة على معقل «الخلافة» في الرقة. وقد يؤدي التعاون مع الروس والمقاتلين من الجيش الحر والأكراد إلى تقليل فرص الاشتباك بين أصدقاء أمريكا في الحرب وهم الأتراك والأكراد. ويرى بولوك أن الولايات المتحدة قد تقوم بالمطالبة بالتمييز بين الجهات الشرعية الفاعلة في سوريا وتمييزها عن الإيرانيين وحزب الله والميليشيات الشيعية الأخرى بشكل يدعو لخروجها في النهاية من سوريا. ويعتقد الكاتب أن هناك ما يدفع روسيا للقبول بالمطالب الأمريكية خاصة أنها ستحصل على ثمن يتمثل بالغاء العقوبات التي فرضت عليها بعد التدخل في أوكرانيا عام 2014. وقد يمثل مسرح أستانة فرصة لتوافق الولايات المتحدة وروسيا للتعاون بل ودفع الأطراف الخارجية ذات المصلحة في سوريا لتنازلات لكنه لن يحل التحديات الأخرى التي تواجه البلاد، فالنظام الذي يؤكد على أنه يرغب باستعادة كل البلاد ليس بقدرته فعل هذا. وهل ستوافق إيران التي تقوم بعمليات تهجير وإنشاء منطقة خالية من السنة تربط ما بين دمشق والقلمون لتأمين مصالح حزب الله؟ وفي السياق ستجد تركيا نفسها مدفوعة لمواصلة الحرب لمنع الأكراد من إقامة كيان لهم على مناطقها. وهناك مشاكل إعمار البلاد والجيل الضائع بسبب الحرب واللاجئين. ولهذا السبب يعتقد الكثير منهم أن العودة إلى البلاد ليست قريبة.

لن نعود

ففي تقرير لنيكولاس بلانفورد في صحيفة «كريستيان ساينس مونيتور» (17/1/2017) قال فيه إن محادثات أستانة قد تعبد الطريق أمام توافق على الحل إلا أنها لن تقرر مصير 11 مليون لاجئ سوري. وبالنسبة للكثيرين فالعودة إلى بلد دمرته الحرب ويحكمه بشار الأسد تظل خيارا غير جذاب. أما للذين فقدوا بيوتهم وابتعدوا عن بلادهم منذ أكثر من ثلاث سنوات فالعودة مستحيلة ويبحثون والحالة هذه عن أوطان جديدة للهجرة إليها. ويقول مرتضى خلف (32 عاما) «سوريا لوح زجاج مهمشم ولا يمكن إصلاحه والإنقسامات الطائفية عميقة وأرغب بالهجرة إلى بريطانيا». ويعمل خلف الذي يحمل شهادة القانون من جامعة حلب «شاويشا» على تجمع للاجئين أقيم وسط المزارع في سهل البقاع. وحتى لو حقق مؤتمر أستانة تقدما فلا يتوقع اللاجئون في مخيم 006 الذي أقيم قرب بلدة تعنايل في البقاع أي شيء منه «لا نتوقع سلاما» كما يقول خلف. وجاء اللاجئون في المخيم من حلب والقصير والرقة ويحصل كل واحد منهم شهريا على كوبونات من الأمم المتحدة بقيمة 27 دولارا بالإضافة لدخل إضافي يحصلون عليه من العمل في مزارع البلدة. ورغم الأوضاع القاسية التي يواجهونها وقرب المخيم من حدود بلادهم إلا أن الكثير من السوريين في لبنان تخلو عن حلم العودة ووجهوا نظرهم باتجاه الغرب على أمل الحصول على ملجأ آمن فيه. وانضم عدد من اللاجئين السوريين لموجات المهاجرين الذين تدفقوا في العامين الماضيين على أوروبا بحثا عن حياة جديدة. وحتى من يحمل حلما بالعودة يرى أن تحقيقه صعب المراد. فقد أجبر خلف على ترك بلدته القصير في حزيران (يونيو) 2013 عندما دخلها حزب الله وتحولت منذ ذلك الوقت لقاعدة عسكرية للحزب. وفي شهر تشرين الثاني (نوفمبر) 2016 نظم فيها استعراضا عسكريا. وقال «لا أعتقد أنني سأعود. فالنظام يقوم بتطهير عرقي ولا يريد عودتنا».

مؤتمر أستانة: وهم الحل وتضخم طموحات بوتين وفرصة ترامب

إبراهيم درويش

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية