واشنطن ـ «القدس العربي»:اختارت روسيا، في خطوة تدعو للسخرية، تسليم الإدارة الأمريكية رسالة دعوة لحضور محادثات السلام السورية في أستانا في كازاخستان في يوم العمل الأخير للرئيس السابق باراك أوباما، كما تشير الطريقة التي تمت فيها توجيه الدعوة إلى نوع من الازدراء السياسي حيث احيلت الدعوة من خلال السفارة الأمريكية في موسكو وليست عبر القنوات الدبلوماسية الروتينية مثل مقر وزارة الخارجية في واشنطن.
السلوك الروسي كان يأخذ في عين الاعتبار ان يكون قرار مشاركة الولايات المتحدة في محادثات أستانا ليس من ضمن اختصاص إدارة الرئيس السابق باراك أوباما اضافة إلى منح الرئيس الجديد دونالد ترامب فرصة منح قرار المشاركة في خطوة قد تشكل بداية نحو الانخراط مع روسيا، حيث هاتف سيرغي كيسلياك، السفير الروسي في واشنطن، مستشار الأمن القومي لإدارة ترامب في يوم 28 كانون الأول/ديسمبر الماضي ليبلغه الدعوة لحضور اجتماعات أستانا، وستعني مشاركة واشنطن البدء في أول اتصال رسمي بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وإدارة ترامب.
وحرصت موسكو على الحفاظ على مرونة في شكل محادثات أستانا لتتناسب مع مستوى مشاركة الولايات المتحدة، وألمح المتحدث باسم وزارة الخارجية في موسكو إلى أمكانية احداث تغييرات في مواعيد المحادثات، أما إيران التي أعلنت معارضتها لمشاركة واشنطن في دعاية تستهدف المجتمع المحلي فهي لا تمانع في واقع الأمر من مشاركة واشنطن وفقا لأقوال العديد من المحللين لكي تعرض نفسها كقوة إقليمية مسؤولة على مرأى ومسمع خبراء ترامب.
وتشير الأدلة إلى ان المحادثات ستكون جوهرية حيث استمر وقف اطلاق النار إلى حد كبير بعد اتفاق لم تشارك فيه واشنطن، ومن البنود الأساسية لجدول أعمال أستانا توطيد وقف اطلاق النار في جميع أنحاء سوريا اضافة إلى صياغة دستور جديد واجراء استفتاء وانتخابات، والدلائل تشير، أيضا، إلى درجة عالية من التعاون والتنسيق بين المخابرات التركية والروسية في التخطيط الاستراتيجي لمحادثات أستانا بدون مشاركة من وكالات الاستخبارات الأمريكية التي تلعب دورا هاما في تضاريس المعارضة السورية.
روسيا تشعر بارتياح بالغ لتغير الموقف التركي بشأن سوريا ما يفسر استعدادها لتقديم الدعم الجوي للعمليات العسكرية التركية في شمال سوريا كما يقول المحلل بي كي بهادراكمار مضيفا ان هناك سعادة في موسكو لتباعد المواقف التركية عن مواقف الإدارة الأمريكية بشأن سوريا، اما الاستنتاج الهام الذى خرج به بهادراكمار وعدد غير قليل من المحللين هو ان موسكو تعلق آمالا كبيرة على إدارة ترامب للتراجع عن سياسات أوباما، وبدلا من ذلك، الدخول في تعاون فعال في قضايا أخرى مثل حل الصراع الدموي في سوريا أو مكافحة الإرهاب في البلاد.
اجتماعات أستانا جاءت بعد محاولات فاشلة لمدة عام على الأقل من إدارة أوباما وروسيا لتنفيذ وقف لاطلاق النار وبدء محادثات السلام في سوريا، وقد اتهمت واشنطن وموسكو بعضهما البعض بتخريب هذا الجهد، وبدأت موسكو عملية جديدة تهدف إلى اظهار دور قيادي خاص في المسائل الإقليمية والدولية.
ودعا ترامب في مناسبات عدة لزيادة التعاون مع روسيا في عدد من المجالات منتقدا الإدارة السابقة زاعما بانها ضيعت الكثير من الفرص بسبب القيادة الضعيفة، ووفقا للمعلومات المتوفرة في الأيام المعدودة القليلة الماضية من عهد ترامب فقد انحصرت الاتصالات حتى الآن على مهاتفات لمناقشة محادثات كازاخستان وكما قيل فان المحادثات كانت ايجابية وبسيطة وواضحة.
قضية تعاون إدارة ترامب وحكومة بوتين مع الأطراف الأخرى مثل تركيا وإيران في الشأن السوري ليست بسيطة كما تبدو الامور للوهلة الأولى، إذ انتقد ترامب مرارا إيران التي تقدم دعما عسكريا إلى جانب روسيا لنظام الأسد ضد قوات المعارضة المدعومة من الولايات المتحدة ولكنه في الوقت نفسه دعا إلى التعاون مع روسيا في مكافحة الإرهاب في سوريا وقال ان الاطاحة بالأسد ليست مصلحة أساسية للولايات المتحدة. ومن جانب آخر، ورغم التنسيق الثنائي التركي الروسي حول المحادثات إلا ان انقرة أكدت على دعوة الولايات المتحدة وقالت انه لا يمكن تجاهل دور الولايات المتحدة واشارت إلى انها اتفقت مع موسكو على ذلك.
وقال ريكس تيلرسون، وزير الخارجية الأمريكية، أثناء جلسة استماع لتأكيد ترشيحه بان روسيا وسوريا وتركيا وإيران تعملان على فرض شروط اللعبة في سوريا في غياب المشاركة الأمريكية داعيا إلى زيادة مشاركة الولايات المتحدة في الصراع كما حذر من ان التعاون مع إيران في سوريا سيتعارض مع المصالح الأمريكية.
وأعرب ترامب وبوتين عن اعجابهما ببعض، وقالت موسكو مرارا ان نهج ترامب مختلف عن أوباما ويوحى بانه لا يستخدم «المعايير المزدوجة» في اشارة إلى ان إدارة أوباما كانت تحاول تحقيق أهداف سياسية من خلال الحرب ضد الإرهاب وانها استخدمت تنظيم «الدولة» سرا في محاولة للإطاحة بالأسد، وفي الواقع، هناك اعتقاد بين أوساط الخبراء بان نجاح أي محادثات بين إدارة ترامب وموسكو في الشأن السوري قد يكون بداية لاجراء مفاوضات عالية المستوى في قضايا حساسة وخطرة أخرى مثل قضية العقوبات والأسلحة النووية وبرامج الدفاع والعودة إلى الاستقرار الاستراتيجي.
ووفقا للعديد من المنصات الإعلامية فان إدارة ترامب درست الدعوة الرسمية لحضور محادثات تسوية الأزمة السورية ولكنها تشعر بانها بحاجة إلى مزيد من الوقت للتوصل إلى رؤية كاملة وواضحة بشأن كيفية حل الأزمة. وفي الواقع، فان إدارة ترامب مضطرة في أيامها الأولى للتعامل مع الأزمة السورية كاول مشكلة في السياسة الخارجية، وهي ليست فقط مشكلة عالمية بل، فرصة لإدارة ترامب لتوضيح موقفها من السياسة الدولية وقدرتها على حل الصراعات المعقدة، وإذا لم يتم تحقيق أي هدف في أستانا فان محادثات جنيف ستعقد في غضون أسبوعين ولا مفر من التدخل.
رائد صالحة