تستعد ثلاث من دول جوار ليبيا، هي تونس ومصر والجزائر، للإعلان عن المبادرة الجديدة لحل النزاع في هذا البلد المغاربي المترامي والغني بالثروات الطبيعية التي جعلته مثارا للأطماع. وحسب مصادر دبلوماسية فإن هذه المبادرة ستحظى بدعم باقي دول الجوار وكذا المنظمات الإقليمية والمجتمع الدولي ويبقى على الطرف الليبي قبولها أو رفضها.
ومن بين ما تضمنته هذه المبادرة، تغيير رئيس حكومة «الوفاق» فائز السراج المثير للجدل بشخصية أخرى يلتزم البرلمان الليبي المرابط في طبرق بمنحها الثقة، وهناك حديث أيضا عن حكومة جديدة تضم وزراء مستقلين وعن نائبين لرئيس الحكومة. كما ستتضمن المبادرة وضع «الجيش الليبي» تحت إشراف رئيس البرلمان الذي يبدو أن شرعيته لم تعد محل تشكيك حتى من قبل الأطراف الإقليمية الداعمة لفجر ليبيا.
الدور الروسي
ويرى كثير من الخبراء والمحللين أن هذه المبادرة هي انعكاس لتغير موازين القوى في الميدان بعد دخول الدب الروسي على خط الأزمة الليبية من خلال الدعم العسكري للواء خليفة حفتر، والدعم السياسي للبرلمان في طبرق. حيث زار كل من خليفة حفتر، قائد ما يعرف بـ»عملية الكرامة»، وعقيلة صالح رئيس البرلمان في طبرق، موسكو في وقت سابق، وتلقيا وعودا بالدعم العسكري والسياسي.
كما تتحدث بعض الأطراف عن وصول سفن حربية روسية إلى الشرق وعن عزم روسي على إقامة قاعدة عسكرية في الشرق الليبي شبيهة بقاعدة طرطوس في سوريا. ودفعت هذه التطورات بإيطاليا إلى الدعوة إلى ربط الجسور مع حفتر لقطع الطريق على الروس، لتلتحق إيطاليا بذلك بالركب الفرنسي باعتبار أن باريس على علاقة باللواء الليبي المتقاعد شأنها شأن «حليفها» الرئيس التشادي إدريس ديبي الذي يدور في ركابها وينفذ سياساتها.
وبالتالي فإن المبادرة الثلاثية حاولت احتواء حفتر وإرضاءه من خلال إزاحة السراج الذي رفض البرلمان منحه الثقة، كما حاولت إيجاد صيغة ترضي طرفي الصراع الرئيسيين في آن معا فيما يتعلق بالجيش. فهي سحبت مهمة الإشراف على هذا «الجيش» من حفتر إرضاء لجماعة طرابلس ولكنها منحته لرئيس البرلمان الذي هو موال في النهاية لخليفة حفتر.
نهاية الصخيرات
وفي هذا الإطار يرى محمد درغام الباحث في المركز المغاربي للبحوث والدراسات والتوثيق في تونس، في حديثه لـ «القدس العربي» أن هذه المبادرة الثلاثية لو كتب لها النجاح ستكون النهاية الفعلية لاتفاق الصخيرات الذي ولد ميتا منذ البداية. فهذا الاتفاق لم تشارك في صياغته كل الأطراف وفرض على فرقاء الأزمة الليبية دون مراعاة للواقع الميداني وللتوازنات على الســـاحة الليبية لذلك اصطدم بتعنت برلمان طبرق.
فحتى ينجح اتفاق ما، حسب محدثنا، لا بد أن تشارك فيه كل الأطراف بقطع النظر عن حجمها، وأن ترضى على ما جاء فيه، ويجب أن يتضمن هذا الاتفاق عادة الحد الأدنى الذي يتفق عليه الجميع. وإذا تم فرض اتفاق ما من قبل قوة كبرى دون مشاركة وموافقة كل الأطراف، مثلما حصل في الصخيرات، لا بد للطرف الراعي أن تكون لديه الآليات التي تجعل الأطراف المتصارعة تقبل بالاتفاق وتنفذه على الميدان ولو قسرا، وهو ما لم يحصل مع اتفاق الصخيرات، حيث عجزت القوى الكبرى طيلة أشهر عن إجبار برلمان طبرق على تزكية السراج وفريقه.
ويضيف الباحث التونسي قائلا: «إن المبادرة الجزائرية التونسية المصرية قامت في الأساس على سد ثغرات اتفاق الصخيرات ولم تخرج عن إطاره العام، وحتى تضمن حظوظها في النجاح كان عليها أن تدعو مجددا كل الأطراف الليبية ودون استثناء إلى طاولة التفاوض. فالليبيون ليسوا فقط ثوار مصراتة وفجر ليبيا أو الموالين لحفتر، فهناك مكونات أخرى مسالمة وغير مسلحة وتؤمن بالعمل السلمي ولا بد من الاستماع لها خاصة ما يعرف بالأغلبية الصامتة من عموم الشعب الليبي التي هي غير راضية على هذا الطرف ولا على ذاك».
مباركة دولية
ويرى درغام أن الجزائر، وبخلاف تونس التي يحكمها ائتلاف، إحدى مكوناته البارزة، حركة النهضة، التي تحتفظ بعلاقات وطيدة مع أطراف إسلامية في طرابلس، ومصر المساندة صراحة لخليفة حفتر، هي الأقدر من غيرها على لعب دور الوسيط في الأزمة الليــبية، وهو ما تفـــسره الــزيارات المتكررة لمسؤولي طــبـــرق إلى الجــزائر في الآونة الأخيرة، لكن شــريطــة أن تزيد الجــزائر من انفتاحها على جمــيع الأطراف الليبية سواء الحاملة للسلاح أو غيرها.
لكن في المقابل يرى محدثنا أن وجود تونس ومصر في هذه المبادرة مهم لما لتونس، ممثلة بحركة النهضة، من تأثير معنوي على فجر ليبيا بحكم العلاقات المتميزة بين الطرفين، ولما لمصر من سلطة على حفتر والبرلمان المرابط في طبرق والممنوع من عقد جلساته في العاصمة طرابلس. ويشير درغام إلى الاجتماع الأخير الذي جمع الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي برئيس حركة النهضة راشد النهضة والذي كان محوره الملف الليبي، ويعتبر أنه اجتماع مهم يؤكد على الدور الحاسم الذي ستلعبه الدول العربية الثلاثة في التهدئة على الساحة الليبية خاصة بعد تصريحات الغنوشي إثر هذا اللقاء والتي أشاد فيها بالدورين الجزائري والمصري وطبعا التونسي في تقريب وجهات النظر بين الفرقاء الليبيين.
ويرى أن هذه التحركات التونسية المصرية الجزائرية تأتي بمباركة دولية، أطلسية وروسية وأممية، ويبدو أنه إقرار ضمني من المجتمع الدولي بفشل اتفاق الصخيرات واعتراف بأهمية دور دول الجوار في الحل في الأزمة الليبية. لكن، وعلى ما يبدو أنه لن يسمح لهذه الدول بالتحرك خارج إطار محدد ضبطته الدول الكبرى وبدت ملامحه في اتفاق الصخيرات، فلا يمكن للدول المبادرة (تونس مصر الجزائر) أن توسع من دائرة الأطراف المتحاورة لتشمل مثلا القبائل الليبية أو عناصر النظام السابق وغيرهم، ولا يمكن الخوض في الملفات الاقتصادية مثل النفط أو ما يتعلق بإعادة الاعمار، وسيتم الاكتفاء باصلاح ذات البين بين فريقي طرابلس وطبرق وإيجاد صيغة توافقية مؤقتة للحكم لا غير.
روعة قاسم