هل باتت الديمقراطية في خطر؟

حجم الخط
0

«في هذه الليلة استطاعت فرنسا أن تؤكد ارتباطها الوثيق بقيم الجمهورية». هكذا عبر الرئيس الفرنسي الأسبق، جاك شيراك، عن فرحته بهزيمة منافسه، جون ماري لوبان، مرشح أقصى اليمين، عندما أعيد انتخابه رئيسا لولاية ثانية للبلاد في أبريل عام 2002؛ فقد شكل وصول جون ماري لوبان إلى الجولة الثانية للانتخابات الرئاسية، آنذاك زلزالا سياسيا كبيراً لكل الديمقراطيين، ليس في فرنسا فحسب، بل في أوروبا كلها أيضاً. 
اليوم، وبعد مرور نحو خمسة عشر عاما على هزيمة اليمين الفرنسي، تعود أوروبا، مرة أخرى، لتحبس أنفاسها من جديد؛ فالكل بات يعلم أن اليمينية الشعبوية لم تعد، كما كانت عليه من قبل، نزوة اجتماعية عابرة سرعان ما تخبو جِذوتها، وإنما أصبحت رقما صعبا لا يمكن تجاهله، وخطرا محدقا بالديمقراطيات الغربية كلها بلا استثناء؛ فقد أماطَ انتصارُ دونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية الأمريكية، ونتيجة استفتاء الـ «بريكسيت» في المملكة المتحدة اللثامَ عن مستوى استشراء الشعبوية في المجتمع الغربي، على نحو فاق كل التوقعات، وفاجأ الجميعَ حجمُها الحقيقي الذي ترزح تحت وطأته الولايات المتحدة الأمريكية، ودول الاتحاد الأوروبي، ما زاد من خوف الوَجِلين من صعود اليمين المتطرف في الانتخابات التي ستشهدها ألمانيا وهولندا وفرنسا هذا العام؛ وسيؤدي حتما إلى الضغط بقوة على الأحزاب الديمقراطية التي وجدت نفسها بين مطرقة هاجس الإخفاق في كسب رهان الانتخابات، وسندان الوفاء للقيم التي ارتكزت عليها ايديولوجياتها.
 إذا افترضنا جدلا أن الازمات لابد أن تُفضي بالضرورة إلى ارتفاع أصوات اليمين الشعبوي في الانتخابات، فإن ارتفاعها على هذا النحو غير المسبوق الذي يشهده الغرب عموما، والاتحاد الأوروبي على وجه الخصوص معناه أن ثمة مصيبة قِيمِيَّة كبيرة أصابت الديمقراطية، حتى بدت وكأنها لم تكن يوما ما قيمة راسخة في أوساط المجتمع الأوروبي، أو مُسَلّمة بديهية لا غبار عليها. لقد أعطت التحولات السياسية الأخيرة انطباعا بأن الديمقراطية لم تكن في الواقع سوى مساحيق تجميل غطت في سنوات الرخاء، والاستقرار السياسي والاقتصادي وجها آخر مستعدا للدوس على قيمها عند الضرورة. وعليهِ فإنّ مناخا بات يتشكل اليوم، رويدا رويدا، في ظل أزمات أوشكت أن تقصم ظهر الاقتصاد الأوروبي، وفي ظل عوامل دولية وإقليمية ومحلية تتغير بوتيرة سريعة لم يشهد العالم مثلها من قبل، من شأنه، في أسوأ الأحوال، أن يؤدي الى خروج مارد القومية المتطرفة من قمقمه، ويساهم على المدى البعيد في إحياء الأنظمة الشمولية في أوروبا من جديد. ولعل نقض عُرى الديمقراطية، عروةً، عروةً على النحو الذي دأب عليه حزب القانون والعدالة اليميني الحاكم في بولندا في تحد صارخ للاتحاد الأوروبي خير دليل على ذلك.
لقد حذر مارتن شولتز، رئيس البرلمان الأوروبي المنتهية ولايته، في حوار أجرته معه صحيفة «زود دويتشه تسايتونغ» الألمانية في السادس من يناير 2017 من مغبة الأوضاع الآنية التي يمر بها الاتحاد، وأثرها الكارثي على الديمقراطية، وأكد أن «اليأس الذي أصبح يتملك كثيرا من الناس، يهدد الديمقراطية في أوروبا على نحو لم يسبق له مثيل». وأن الناس عندما يشعرون «بأن المجتمع لا يكترث لهم، فإنهم سيتجهون لا محالة نحو التطرف، وعندما يشعرون بأن الديمقراطية لا تحميهم، فإنهم حتما سيبحثون لأنفسهم عن بدائل أخرى». مؤكدا أن الشريحة التي ستدعم بأصواتها «المُدمّرين»، في إشارة منه إلى اليمين الشعبوي، «لا تقتصر على أولئك الذين يكابدون شظف العيش فحسب، بل تضم ميسوري الحال من الذين يخشون من مستقبل مجهول أيضاً».
إن أزمة اللاجئين التي ستكون حاضرة بقوة في السجالات الانتخابية المقبلة لم تكن سببا رئيسيا قطّ في بزوغ نجم اليمين الشعبوي، كما يُوهم البعض؛ فهي لم تكن في الواقع سوى القطرة التي أفاضت الكأس، وإلا فكيف نُفسر تَمَكّن حزب البديل من أجل ألمانيا، اليميني المتطرف، في سبتمبر 2016 من تحقيق نجاح مذهل في الانتخابات البرلمانية في ولاية مكلنبورغ – فوربومرن، حيث أصبح ثاني أكبر قوة سياسية، متفوقا على حزب المستشارة الألمانية، أنغيلا ميركل، رغم ان الأجانب الذين يشكلون أقل من 4 في المئة من سكان هذه الولاية يكاد يكون حضورهم في المجتمع منعدما، وكيف نفسر حصول مرشح الديمقراطيين، ألكسندر فان دير بيلين، في الانتخابات الرئاسية النمساوية الأخيرة على أغلب الأصوات في فيينا، حيث يوجد معظم اللاجئين في النمسا على الإطلاق، بينما يفوز منافسه، مرشح اليمين الشعبوي، نوربرت هوفر الذي ارتكزت حملته على مناهضة المهاجرين بغالبية الأصوات في معظم الأقاليم، والمقاطعات التي لا يوجد فيها اللاجئون أصلا.
من أهم العوامل التي دخلت معترك الانتخابات، ولم تكن تخطر على بال أحد، فأربكت الساسة، وأعادت خلط أوراق الدراسات، واستطلاعات الرأي في هذا الشأن، هو تنامي تأثير التدخل الافتراضي على هذه الانتخابات عبر تسخير «التطبيقات الاجتماعية» (سوشيال بوتس) للنشر المنهجي، لِما بات يصطلح عليه بـ «الأخبار الكاذبة» أو قرصنة الحسابات الشخصية لمن يُرامُ الإطاحة به، وتشويه سمعته من الساسة بنشر فضائحه على موقع ويكيليكس، مثلما حصل مؤخرا لهيلاري كلينتون في الانتخابات الرئاسية الأمريكية. لا شك أن هذا السلاح الجديد سيشكل عقبة جديدة أمام الأحزاب الديمقراطية، وسيجبرها لا محالة على نقل جزء من معركتها الانتخابية إلى العالم الافتراضي، خاصة أن الشعبويين يتقنون آليات المواقع الاجتماعية أكثر من أي فصيل سياسي آخر؛ فحزب البديل من أجل ألمانيا مثلا يتوفر على قاعدة عريضة من المتابعين، أكثر مما لدى حزبي الائتلاف الحكومي معا، ولن يتوانى ابدا عن توظيف هذه الوسيلة في حملته الانتخابية التي بدأ يدق طبولها بحدة.
لقد أكدت كل من منظمة «هيومن رايتس ووتش» و «المنتدى الاقتصادي العالمي» في تقريرهما السنوي 2017 هذه الصورة القاتمة لمستقبل الديمقراطيات في الاتحاد الأوروبي، الذي أصبحت تحدده الجغرافيا أكثر مما تحدده القيم التي أقرتها «معايير كوبنهاغن» عام 1993. فهل ستنجح الديمقراطيات الأوروبية في مفاجأة الجميع بكسب رهان الانتخابات المقبلة؟ لقد أثبتت النمسا في الانتخابات الرئاسية الأخيرة أنّ هذا ممكن، لكنها لم تتمكن من حسم هذه المعركة لمصلحة الديمقراطية إلا بشق الأنفس. وإذا كان اليمين الشعبوي قد خسر معركة واحدة، فإن رحى الحرب السياسية ما تزالُ دائرة لم تتوقف بعد.
كاتب مغربي

هل باتت الديمقراطية في خطر؟

عبد الكريم أهروبا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية