سراب اللغة التفاوضية وضرورة المراجعة النقدية للماضي

حجم الخط
1

اليوم وبعد مرور عشرين عاما على ‘اعلان المبادئ’ و’اتفاقيات اوسلو’، ومع بداية جولة جديدة من المفاوضات المباشرة بين القيادة الفلسطينية وسلطات الاحتلال، وكما جرت العادة بوساطة امريكية متمثلة اليوم بوزير الخارجية الامريكي جون كيري، يجب أن يطرح التساؤل المهم والحيوي، هل تمت فعلا مراجعة نقدية شاملة من الطرف الفلسطيني لكل الاخطاء التي حدثت منذ ذلك الحين، ولكل الفخاخ والمطبات التي نصبت خلال مفاوضات أوسلو السابقة؟
وللتذكير بالأهمية الحيوية للمراجعة نود الاشارة الى بعض الآراء الاسرائيلية التي نشرت بعد اتفاقيات اوسلو بثماني سنوات فقط، اي في عام 2001 (خلال فترة الانتفاضة الثانية) حول انهيار عملية السلام المبنية على ‘إعلان المبادئ’ في عام 1993، حيث بدأ المحللون الإسرائيليون منذ ذلك الحين صياغة مصطلح جديد ليعبر عن المرحلة الجديدة التي عرفوها بمرحلة ‘ ما بعد اوسلو’.
ففي هذا العام قام بعض المحللين الإسرائيليين بالاعتراف بأن مشروع ‘أوسلو’ كان مبنيا على أساس مصطلحات جديدة مخترعة من قبل المفاوضين الإسرائيليين، الذين وقعت على عاتقهم عملية ‘الإبداع’ في صياغة المصطلحات، بينما كان المفاوضون الفلسطينيون دائما في موقع رد الفعل.
وقد اعترف المحلل الإسرائيلي دورون روزنبلم في مقال نشر في جريدة ‘هآرتس’ في شهر نيسان (أبريل) عام 2001، إن كل المصطلحات التي استخدمت في سنوات التفاوض الطويلة كانت اختراعات إسرائيلية’ وأنها جاءت على شكل كلمات فارغة ‘فوارة’ أو مجرد ‘رغي’.
ويشير في هذا المقال إلى عدد من هذه المصطلحات مثل ‘جس النبض’ و’تفاهم’، و’الوضع الا نتقالي’ ، و’اختبار النيات’، و’إجراءات لبناء الثقة’ و’حل نهائي جزئي’. كما يشير الباحث إلى عدد من المفاهيم المخترعة الاخرى مثل ‘ اللاورقة’، و’الاتفاقيات الشفهية’ التي تدرج كلها تحت مفهوم ‘المسار’.
وأضاف روزنبلم: ‘ليس هناك مصطلح أو فكرة جديدة لم نخترعها، خلال المسرحية البهلوانية الموجعة للرأس’، التي سميت ‘أوسلو’، بينما الخيال والإبداع الفلسطيني خلال هذه المسرحية لم يتمثل في أحسن الأحوال إلا ‘بهزة كتف’ أو’تعبير بالاشمئزاز’ في أول الأمر تجاه كل فكرة مخترعة، ثم التراجع بشكل مذهل بعد عدة أشهر أو سنوات للموافقة على الأفكار التي رفضوها أول الأمر’.
أما المحلل العسكري زئيف شيف، فقد تعرض في نفس العام إلى مفهوم ‘التعاون الأمني’ في مقال بعنوان ‘من بحاجة للتعاون الأمني؟’، قال فيه إن هذا المفهوم مغلوط من أساسه، حيث أنه ‘بلور الانطباع المضحك والخطير أن أمن إسرائيل ومواطنيها مرهون بنية الأجهزة الأمنية الفلسطينية’. وعلى هذا الأساس طالب شيف بالعودة إلى الوضع السابق، حيث كان واضحا للجميع أن أمن إسرائيل مرهون بقوتها وقدرتها الذاتية على الاستمرار.
أما بالنسبة لمفهوم ‘تجميد المستوطنات’، الذي عاد مؤخرا ليحتل المكان المركزي في عملية التفاوض المقبلة، فقد كان أيضا مسألة محورية في ‘تقرير ميتشل’ الذي شغل الفلسطينيين لفترة طويلة، فقد نشر جيفري ارونسون الذي كان رئيسا لتحرير التقرير المختص بالمستوطنات الصادر عن ‘الأمريكيون من أجل السلام الآن’، مقالا قال فيه انه يجب تحذير الفلسطينيين من الوقوع في فخ المطالبة ‘بتجميد المستوطنات’، تخوفا من قيام الإسرائيليين بالتجميد الفعلي، مما لن يحل أي مشكلة حيث أن المستوطنات ستبقى على وضعها الحالي. واستند في تحليله إلى ما قاله موشي دايان، (الذي كان المهندس الأول للسياسة الإسرائيلية في المناطق المحتلة)، والذي اعتبر أن المستعمرات جزء من استراتيجية عسكرية تهدف إلى تأمين استمرار الوجود العسكري للجيش الإسرائيلي، وبالتالي مسألة آيديولوجية استراتيجية مركزية بالنسبة للفكر الصهيوني ‘لأن بدونها لا نستطيع أن نستمر في إبقاء الجيش في تلك الأراضي، من دون أن يعتبر جيشا غريبا يحكم ‘شعبا غريبا’، بدلا من كونه جيشا يدافع عن حق مواطنيه للبقاء على أرضهم في بسلام وأمن’.
ورأى ارونسون أن مسألة ‘ تجميد المستوطنات لم تعالج عبر سنوات التفاوض بشكل جدي، لأن الإسرائيليين اعتبروها الخطوة الأولى لانسحاب الجيش، وانه فقط عندما وافق ياسر عرفات على إسقاط المستوطنات من أجندته تم فتح الطريق أمام عملية أوسلو التاريخية’.
أما الباحث جوزيف ألفر وهو المدير السابق لمركز ‘جافي للدراسات الإستراتيجية’ التابع لجامعة تل أبيب، وأحد مستشاري باراك في المفاوضات السابقة، فقد قام بمراجعة شاملة لمسار ‘أوسلو’ في دراسة مهمة تطرح عدة تساؤلات حول هذا المسار وأخطائه والدروس المستنبطة منه، والبدائل الأخرى المطروحة للمسار السلمي أنذاك، معتبرا أنه من الضروري العودة إلى الخلف وتقييم ما حدث، لتحديد ثغرات المسار. مضيفا أن التوصل إلى تحديد الأخطاء ‘ليس ذا أهمية تاريخية فقط’ بل أنه يسمح بالاستفادة من تلك الأخطاء لتفاديها في المستقبل، معترفا بأن تحديد هذه المثالب عملية ذهنية ذاتية، وبالتالي فإن تحليله ونقده يعبر عن وجهة نظر إسرائيلية ترى أن انهيار عملية أوسلو نتاج للموقف الفلسطيني، الذي لم يستمر في التفاوض. كما اعتمد في تحليله على فرضية ‘حسن النوايا’ التي تعتبر أن الطرفين كانا صادقين في محاولاتهما لإنجاح ‘اوسلو’، على عكس فرضية ‘سوء النية’ التي تشكك بصدق الطرفين في الالتزام بإنجاح ‘اوسلو’، التي تعتبر أن عملية السلام عبارة عن ‘تمرين في الخداع على المستوى الاستراتيجي’.
واعتبر جوزيف الفر أن عملية ‘أوسلو’، رغم انهيارها، الا انها حققت بعض الإنجازات بالنسبة لإسرائيل، وهي تمكنها من التوصل إلى اتفاقيات سلام مع الأردن، وإلى تحسين علاقاتها مع عدد من الدول العربية، مما كان له أثر إيجابي على الاقتصاد والأمن الإسرائيلي الإستراتيجي. أما بالنسبة للطرف الفلسطيني، فقد سمحت، حسب رأيه، بإدخاله في ما يعتبره’علاقة متميزة’ مع الولايات المتحدة.
أما بالنسبة للمثالب، فكانت تبدو بالنسبة له أكثر بكثير، ومن أهمها الفشل في ‘عملية بناء الثقة بين الطرفين’، حيث كان من المعتقد في أول الأمر أن العملية السلمية المجزأة إلى عدة مراحل قد تساهم في بناء الثقة، ولكن ما حدث كان عكس ذلك، فالمماطلة والتمديد في فترة المفاوضات أدى إلى مزيد من التوتر، حتى أصبحت العملية السلمية ‘هشة’ ومستهدفة من قبل من يسميهم ‘بالمتطرفين من الجهتين’، وبالتالي استنتج ان تقسيم العملية السلمية إلى عدة مراحل انتقالية كانت عملية غير مجدية، وادعى الباحث أن باراك لم يكن من مؤيدي فكرة (المراحل الانتقالية)، مثله مثل أبا أيبان الذي كان يرى أنه من الأفضل القيام بالتسوية عبر ‘سحبة واحدة سريعة’. كما أشار الى أن حوالي ثلث ‘وثيقة إعلان المبادئ’ المبرمة في سبتمبر (أيلول) 1993 كان متعلقا بالمشاريع الاقتصادية المشتركة المبنية على أساس ‘نظرية الاندماج الاقتصادي’ الخاصة بشمعون بيرس في إطار مفهومه ‘للشرق الأوسط الجديد’ الذي أثبت أنه غير قابل لتطبيق.
أما على الصعيد الفلسطيني، فقد أدت عملية ‘أوسلو’ إلى انخفاض هائل في مستوى الإنتاج والمعيشة منذ عام 1993. وعلى هذا الأساس اعتبر ألفر أن ‘أوسلو’ كانت تحمل في طياتها منذ البداية مبدأين إستراتيجيين إسرائيليين متناقضين في الجوهر وهما: المبدأ الأول المبني على المنطق الأمني، الذي كان يؤمن به إسحاق رابين والقاضي ‘بالفصل’ بين الطرفين (وهو نفس المبدأ الذي سار عليه ايهود باراك). والثاني وهو مبدأ بيرس المبني على ‘الاندماج’ مع التركيز على الجانب الاقتصادي. وقد أثبتت التجربة أن هذين المبدأين متناقضين تماما ولا يمكن التفاعل بينهما (حيث ان قيام إسرائيل بمحاصرة وإغلاق المناطق الفلسطينية كان له أثر سلبي على منطق الاندماج الاقتصادي.
ويبين الباحث أن إحدى الثغرات البنيوية الأساسية في مسار ‘اوسلو’ منذ البداية هو اعتماده على قرار مجلس الأمن 242، وذلك بسبب غموضه والتفسيرات المختلفة لهذا القرار من قبل الطرفين. فمن الواضح أن الذين صاغوا ‘أوسلو’ كانوا يعلمون أن لكل طرف تفسيرا خاصا به للقرار، وأن ذلك سيؤدي بالتالي إلى فشل حتمي للوضع النهائي عندما يصطدم الطرفان بهذا القرار، حيث جاء الطرف الإسرائيلي إلى مفاوضات الوضع النهائي متمسكا بتفسيره لقرار 242 المبني على مصطلح ‘أراض’ بدلا من ‘ الأراضي’، مما يعني عدم التزام إسرائيل بالانسحاب من الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967.
كما أن مسألة عدم إدراج ‘ تجميد الاستيطان’ ضمن برنامج المرحلة الانتقالية كان سببا أساسيا في فشل ‘أوسلو’، حيث أن الطرف الفلسطيني ظن أن عملية بناء المستوطنات ستتوقف بشكل عفوي في المرحلة الانتقالية، رغم أن كل الحكومات الإسرائيلية المتتالية أكدت أن ‘ إعلان المبادئ’ لم يطالب بوضع حد لما يسمونه ‘بالنمو الطبيعي للمستوطنات’، مما أدى إلى زيادة فعلية في عدد المستوطنين من 120000 في عام 1992 إلى 200000 في عام 2001، حيث وجد معظم هؤلاء في أحياء مرتبطة بالمستعمرات الأخرى، التي يمكن اعتبارها مستوطنات جديدة رغم عدم تسميتها بذلك.
وأضاف ألفر إن محادثات ‘كامب دافيد’ قد كشفت أن كلا من الطرفين لم يقدر الأهمية الدينية والسياسية التي تحظى بها مدينة القدس لدى الطرف الاخر، مما أدى في ما بعد إلى زيارة شارون ‘المشؤومة’ إلى ساحة المسجد الأقصى في شهر ايلول (سبتمبر) . وقد حمل الباحث الطرف الأمريكي أيضا مسؤولية انهيار المسار السلمي لأن الولايات المتحدة كانت تعي الاثار المدمرة لعدم الالتزام بالاتفاقيات، ولكنها لم تضغط باتجاه الالتزام، كما اعتبر أن من أهم الدروس المستنبطة من مسار ‘أوسلو’ هو أنه لا يمكن البحث في المستقبل من دون حل مشاكل الماضي، مشيرا الى انه خلال محادثات ‘أوسلو’ بين يوري سافير وأحمد قريع في ربيع عام 1993، قرر الطرفان البحث فقط في المستقبل وتجاهل الماضي، في محاولة لإنجاح العملية السلمية عبر معادلة ‘براغماتية’ للتعايش بين الطرفين. ولكن تجاهل الاختلاف الأساسي بين الروايتين الإسرائيلية والفلسطينية للتاريخ، كانت من الأسباب الأساسية التي أدت إلى انهيار وشل العملية السلمية، حيث استمر الفلسطينيون، بالحديث عن ‘الخطيئة الأولى’ في قيام دولة إسرائيل ومسؤوليتها التاريخية تجاه مشكلة اللاجئين.
ورغم حدوث كثير من التغيرات السياسية والتقلبات المصيرية منذ ذلك الحين على الأصعدة الاقليمية والعربية والفلسطينية، ومن أهمها عزل الرئيس الفلسطيني ياسرعرفات، ثم الانسحاب الأحادي الجانب لقوات الاحتلال من غزة في عام 2005 واجراء الانتخابات الفلسطينية في عام 2006، وما تلاها من انقسام ومن هجومات اسرائيلية على غزة ومن انتهاكات واعتقالات في الضفة، ورغم ما جرى من تغييرات في حكومات الاحتلال المتتالية، الا ان التساؤل الذي يبقى الجواب عليه حيويا هو: هل تغيرت النيات الآن، وهل أصبح الطرف الفلسطيني اقوى أم أضعف مما كان عليه في السابق لتفادي ‘سراب اللغة التفاوضية’ المخترعة والمطبات المنصوبة والإغراءات الوهمية من قبل الطرف الاسرائيلي والامريكي؟ وهل ان موازين القوى المختلة اليوم في العالم العربي ستكون لصالح الحل العادل والشامل لقضية فلسطين؟

‘ كاتبة فلسطينية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية