انتهت الحفلات واعيدت الفساتين القشيبة بعناية واحترام إلى دور الأزياء. وعاد المتظاهرون إلى بيوتهم، وافراد الشرطة ايضا. اليوم هو يوم العمل الاول لترامب في البيت الابيض. هذا هو الوقت لأن يرفع إلى البحث أحد الوعود الاحتفالية له ـ الوعد بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس. بعض من اسلافه وعدوا ولم يفوا بوعدهم. أما ترامب فوعد بأن يفي.
إن رفض الادارة الأمريكية الاعتراف بالقدس كعاصمة إسرائيل هو فعل سخيف يعود إلى قرابة 70 سنة. مصدره في قرار التقسيم من العام 1947، الذي رأى القدس مدينة دولية. جاءت حرب الاستقلال فشطبت حدود التقسيم وسمحت لدافيد بن غوريون بنقل مؤسسات الدولة إلى غربي القدس، كما يجدر بالعاصمة. هذر العالم ولكنه تكيف؛ الزعماء الذين زاروا البلاد، بمن فيهم رؤساء الولايات المتحدة ورؤساء الدول العربية، صعدوا إلى القدس. أما بالنسبة للاعتراف بسيادة إسرائيل في القدس فلم يعترفوا.
حكومات إسرائيل تشارك في الذنب. فقد تحدثت عاليا عاليا عن أهمية القدس، ولكنها امتنعت عن أن تحقق حتى النهاية مكانتها كعاصمة. تعقد الموضوع في 1967 بعد أن ضمت إسرائيل شرقي المدينة.
وبلورت أغلبية ساحقة من دول العالم موقفا مركبا: سيادة إسرائيل في غربي المدينة اعترف بها بحكم الأمر الواقع، عمليا (دي فاكتو) ولكن لم يعترف بها شرعيا (دي يوره)، فعلا؛ سيادة إسرائيل في شرقي القدس لم يعترف بها لا عمليا ولا فعليا. سفير الولايات المتحدة أجرى لقاءاته في غربي المدينة، ولكنه حظر عليه زيارة شرقي المدينة.
عندما كان مناحيم بيغن رئيسا للوزراء قرر أنه حان الوقت لتجسيد السيادة. فقد أمر ببناء مكتبه في الشيخ جراح، في شرقي المدينة. وبعد ذلك ذعر، ونقل المكتب إلى وزير الشرطة وهذا يستخدمه وزير الامن الداخلي حتى اليوم.
رؤساء وزراء، من اليسار ومن اليمين، امتنعوا عن الضغط على الأمريكيين للاعتراف بالقدس. وعشية نهاية ولايته سألت دان شبيرو، السفير الأمريكي، إذا كان نتنياهو طرح نقل السفارة إلى القدس في محادثاته مع إدارة اوباما. «ولا حتى مرة واحدة»، أجاب. نتنياهو، مثل أسلافه لم يرغب في أن يأخذ المسؤولية عن احراق السفارات في العالم الإسلامي.
إلى أن انتخب ترامب. كل رئيس يسعى في بداية طريقه إلى القيام بالاعمال بشكل مختلف عن سلفه، ولكن ترامب يسعى إلى أكثر. فهو يتطلع إلى احداث ثورة. فحقيقة أن أسلافه امتنعوا عن الاعتراف بالقدس تدفعه لأن يفعل العكس.
السؤال الذي لم يفكر فيه هو بأي قدس سيعترف. إذا اعترف بسيادة إسرائيل في القدس كلها، بما في ذلك الحرم، فإنه سيثير على أمريكا كل العالم الإسلامي؛ واذا اعترف بغربي القدس فقط ـ فإنه سيثير عليه اليمين الافنجيلي وحكومة إسرائيل.
وعلى الرغم من ذلك فقد برزت هنا فرصة. لا يوجد وقت افضل من الاسبوع الاول لولاية رئيس جديد لإحداث تغيير. فالعالم، بما في ذلك العالم الإسلامي، مستعد لأن يمتص في هذا الاسبوع أكثر مما يمكنه أن يمتص بعد شهر أو سنة. وهو الحكم بالنسبة لمؤيدي إسرائيل. يمكن لترامب أن يعلن عن نقل السفارة إلى غربي القدس ويترك مسألة شرقي القدس إلى المستقبل. هذا اشكالي من ناحية القانون الدولي، ولكن المشكلة تتقزم مقارنة بالمشاكل القانونية الأكثر خطورة والتي برزت منذ انتخاب ترامب.
السفارة الأمريكية لا تبنى في يوم واحد. سيحتاج الامر عشر سنوات على الاقل. وفي هذه الاثناء يمكن للسفير الجديد ان يستخدم الشقة التي تحت تصرفه في الجناح الجنوبي من فندق «قلعة داود»، وأن يرفع فوقها علما كبيرا وان يسميها «منزل السفير». هذا ايضا جيد كبداية.
مشكوك أن تتركنا إدارة ترامب في سياق الطريق بارتياح. فالتصريحات الاولية لترامب كرئيس تفيد بأنه لا يعتزم التغير: ذات التهجمات، ذات الاكاذيب، ذات التصريحات الانعزالية التي تهدد الاستقرار في العالم. لبريطانيا كان البريكزيت ولأمريكا ثمة ترامبكزيت. في هذه المرحلة ليس الخطر من ترامب في ما يفعله، بل بالروح التي يجلبها معه، في ما يجسده. خطابه يسوغ ميولا مناهضة للديمقراطية، عنصرية، فاشية، في اوروبا وهنا أيضا. هذا خطير.
ولكن السفارة يمكنه أن ينقلها.
يديعوت 23/1/2017