تقول الأسطورة إنّ قابيلاً قتل هابيلاً بفكّ حمارِ!؟. إنّ اختيار أداة القتل له دلالة مهمة؛ فالأسطورة إنْ مكروا بنسيجها السردي مكرتْ بمن حرّفها بدلالاتها البعيدة الغور، بالإضافة للقاعدة الذهبية، لا جريمة كاملة.
الحمار من أوّل الحيوانات المدجّنة وارتبط بالفلاحة مثله مثل الثور وهو لا ينفع للصحاري ولا للرعي الذي يبزّه بهذا المجال، الجمل والحصان ونجده والثور في مكنة تدوير ناعورة الماء وطاحونة القمح وهما اختراعان زراعيان بشكل محض؛ كون الزراعة تعتمد على استجرار الماء وليس انتظار هطوله من السماء كما لدى الراعي الذي يظلّ تحت رحمة السماء، فالفلاح يشارك السماء في استجلاب الماء لري المزروعات ومن خلال الايتمولوجيا والفيموطيقيا كعلمين يهتم الأول بالاشتقاق والثاني بالصوت و الجناس الصوتي بين كلمتين وعليه نستطيع أن نمدّ جسراً بين كلمة، جدل التي تملك تاريخاً من الصراعات وكلمة، جدول، ساقية الماء الصنعية التي احتفرها الفلاح من مصدر الماء إلى أرضه ليرويها.
الراعي يسرح بقطعانه والسرحان عبارة عن فعل قليل الجهد اقرب للشرود منه لليقظة والفعل. الراعي ابن السماء وظلّها ومطرها، فحيثما يسقط المطر يقود قطعانه. إنّه لا يشارك السّماء كما الفلاح، هو متلق سلبيٌ ينتظر ما تجود به السماء وعندما يقدم لها أضحية، يقدمها كاملة لأنّ عطاء السماء كان كاملاً، فهل نفهم من أنّ الفلاح/ قابيل في تقديم أضحيته قد أعطى السماء نصف الأضحية من باب هذه مشاركتكِ في نتاج الحقل أمّا الباقي فأنا من أنتجه والأسطورة تقول ذلك، فقابيل قد تحفظ عن تقديم أضحية كاملة!؟.
الكافر هو الفلاح لغة لأنّه هو من يغطي البذور بحراثة الأرض والكافر هو الضدّ الاصطلاحي للمؤمن ومتابعة في ايتمولوجيا الكلمة نجد مصطلح الناصبة والأنصاب كمضادات اصطلاحية لمصطلحات الإيمان بالإضافة أن كلمة ‘ النّصْبَة ‘ تعني الغرسة من شجر مثمر يزرعه الفلاح وبتوسيع الرؤية نعود للخطيئة الأساسية التي كانت في القطف من شجرة نُصبت في الجنّة. الأنصاب، هي الأصنام التي تعتبر تجسيداً لغير المرئي، فهل هي حقاً لا تضرّ ولا تنفع أم أنّ شأنها أكثر مكراً من ذلك؟ الصّنم هو تدجين غير المرئي، فعن طريقه يصبح المجهول معيناً وبالتالي يستطيع تابع الصنم أن يجادله بالأضحية، فبدلاً من أضحية حيّة لتكون الإشارة بدلاً منها من حيث أن الإشارة تملك خصائص الأضحية كاملة من ناحية المعنى ومن ناحية المادة تملك جزئية منها تشير إلى الأضحية كحفنة قمح أو نحت صغير من الطين لكائن حيّ، فكما تمّ استبدال الأضحية البشرية بممثل عنها، تابع صاحب الصنم بإبدال التمثيل إلى حدود هو من يحددها وبالتالي صار عن طريق الصّنم يتحكم بغير المرئي بل يدجنه بدلاً من تبعية عمياء يقوم بها الراعي الذي نجده في الأسطورة التوراتية وهي المعمل الاشتجاري للديانات السماوية خاضعاً لأوامر تحرم عليه أن يقيم صنماً أو بيتاً أو كلّ ما يمكن أن يعتبر تمثيلاً للإله وفي المنحى الآخر للأساطير التي ليست سماوية نجد أنّ في بدء الخلق أول ما ظهر هو جبل الخلق الذي فصل السماء عن الأرض ومنه ظهرتْ الحياة وإذا أجرينا مقاربة صوتية بين صنم وسنم أي سنم الجمل الذي يشبه الجبل ويشبهه بأنّه يزوّد الجمل بضرورات الحياة، كذلك هو جبل الخلق الأوّل، نستطيع أنْ نفهم عملية التمثيل التي انبثق عنها الصّنم.
نتابع في تدوير موشور الأسطورة، فنجد الغراب الذي علّم قابيلاً أنْ يواري سوءة أخيه والغراب هو ابن الإله أنكي إله الماء العذب وبالتالي نفهم عدم رجوعه للنبي نوح عندما أطلقه ليتأكد من أنّ ماء الطوفان بدأ يغور لم يعد الغراب كدلالة على أنّ الماء بدأ يغور وبالتالي اختفى معه وما إطلاق الحمامة فيما بعد إلا تحصيل حاصل لأنّ انتهاء الطوفان دلّ عليه الغراب، فالغراب هو رمز للماء ودلالة له والمعروف أنّ الأرض الخصبة لا تنعق غربانها وتنعق عندما يبدأ الماء بالجفاف.
بعد ما تقدم إلا يُعتبر عمل قابيل محاولة أولى لفكّ تلك التبعية العمياء للميتافيزيق، فالإنسان العاقل الذي روّض مجاهيل الطبيعة لم يجد بُداً إلا من ترويض هذا الغيب الذي صدمه بالموت، فكما يقول فوستيل فوكلانج بأنّ رؤية الموت هي أول خطوة في معرفة الميتافيزيقي، فقابيل أول من دفن جثة والدفن يغيّب فظاعة الموت بأنْ يُغطى بالتراب الذي له شبه بالتراب الذي يغطي البذور، فتنبت فيما بعد فيها الحياة والقبر المغطى بالتراب وفيما بعد الحجارة التي تتخذ شكلاً ما غير مهذب، تمّ تهذيبها فيما بعد سواء بالحجر المنحوت كأوّل عمل فنيّ أو بطريقة أخرى عبر آنية حفظ رماد الجثة المحروقة ومن المعروف بأنّ القبور كانت مكاناً مزدهراً لتقدم الفنون، فالرسوم في القبور الفرعونية أو النحت الخارجي على القبور في بلاد سومر مروراً بالساحل السوري وصولاً إلى اليونان، كلّها تدل على أنّ الموت وعن طريق مواراة السوءة كانت في منشأ الفن، طبعاً هنا يجب الفصل بين الفن بمعناه الحالي ومعناه قديماً لأنّه في القدم كان وسيلة لغاية أخرى على غير ما هو عليه اليوم ولكن النشأة واحدة.
بعد ما تقدم نستطيع أنْ نسأل السؤال التالي: هل حقاً أنّ قابيلاً قتل أخاه هابيلاً؟.
كاتب من سورية
[email protected]