خلافات المصريين وذكرى يناير

حجم الخط
3

للعام الثالث على التوالي تنشغل قوى الثورة المصرية بخلافات داخلية فسيفسائية مشبوهة، تبدأ قبل أسابيع قليلة من حلول الذكرى السنوية لثورة يناير، وهو الموسم السنوي لإطلاق دعوات تجديد الثورة في مصر، والموسم السنوي الذي لا يزال نظام ما بعد الثورة يخاف منه، ويخشى من نزول المصريين فيه إلى الشارع.
تُشكل الخلافات التي تعصف بقوى المعارضة المصرية أهم أسباب البقاء والاستقرار والقوة لنظام الرئيس عبد الفتاح السيسي، حيث نجح خلال السنوات الأربع الماضية في تجريد المصريين من أي قيادة شعبية فاعلة، وجعل قوى المعارضة متشرذمة ومتفرقة ومنقسمة إلى بضعٍ وسبعين شعبة، بعد أن كانت تقف في ميدان التحرير صفاً واحداً عام 2011، حتى أسقطت الرئيس المخلوع حسني مبارك، ومضت نحو إسقاط نظامه قبل أن تنكفئ الثورة على نفسها وتتحول إلى شكلها الحالي.
الإخوان المسلمون في مقدمة القوى التي لم تعد صفوفها متراصة، كما أن قوى اليسار والنقابات والقوى الشعبية لم تعد هي الأخرى على لسان رجل واحد، وفي كل عام يُبادر العديد من الشخصيات الى محاولات لرص الصفوف وتوحيد الكلمة، وتبدأ هذه المحاولات في نهاية كل عام، لكنها ولأسباب غير معروفة سرعان ما تفشل، وسرعان ما تطغى الخلافات، فيما لا يجد المصريون من يقود الشارع حتى الآن، ولا يجدون أي معارضة حقيقية يمكن التعويل عليها في أي حراك، حتى لو كان هذا الحراك يهدف لمجرد الحراك، وليس تجديد الثورة أو إعادة الحياة إلى الشارع.
ويعلم القاصي والداني اليوم أن جماعة الإخوان المسلمين نفسها أصبحت أكثر من فريق، وأكثر من تنظيم، وأكثر من جماعة، وكل منهم يُغني على ليلاه، لكن الغريب أن خلافات الإخوان تطفو على السطح وتخرج إلى العلن وتلوك الحديث فيها وسائل الإعلام قبل أسابيع من ذكرى ثورة يناير السنوية، وهو ما يدفع إلى التساؤل عن أسباب الخلافات وسر التوقيت.. فما معنى الجدل التي يتكرر لثلاث سنوات في التوقيت نفسه حول الناطق باسم الجماعة، وهو الناطق الذي لا ينطق بشيء طوال السنة إلا في ديسمبر من كل عام؟ وما معنى الخلاف على مكتب الإرشاد واجتماعاته وقراراته ما دامت الجماعة كلها بصفها الأول والثاني قابعة خلف قضبان السجون؟ وما معنى مكتب إدارة الأزمة إذا كان يفتعل أزمة، كلما احتاج المصريون أن لا يكونوا في أزمة؟ وما أهمية «مكتب المصريين في الخارج» إذا لم يكن قادراً على إدارة المصريين في الداخل؟
وخلافات جماعة الاخوان المسلمين ليست وحدها التي تقصم ظهر المصريين، وتُحبط ثورتهم؛ فما مصير «مبادرة واشنطن» لتوحيد المعارضة المصرية، وهي المبادرة التي ظهرت فجأة واختفت فجأة؟ وما مصير بنودها العشرة؟ وأين ذهب المجتمعون الذين قرروا تلك البنود؟ وأين اختفى «إعلان فبراير» الشبابي الذي ظهر قبل شهور قليلة من «مبادرة واشنطن»، وهو الإعلان الذي أراد به شباب مصريون توحيد الصفوف ورصها وإنهاء حالة الخلاف والانقسام والتشرذم، لكنَّ «شباب مصر» الذين كانوا قادرين على التمترس في ميدان التحرير عام 2011 بكل فئاتهم وأطيافهم لم يعودوا قادرين على إخراج مبادرة لتوحيد الصفوف والحفاظ عليها، ولم يعودوا قادرين على تجديد روح الوحدة التي طالما أعطوا دروساً فيها لكل العالم العربي.
بعيداً عن محاولات إسقاط النظام وتجديد الثورة في مصر، فإن الخلافات التي تعصف بالقوى السياسية في مصر تشكل اليوم أكبر تهديد للبلاد والعباد، لأن المعارضة مؤسسة بالغة الأهمية في كل دول الكون، وهي أحد مؤسسات الرقابة على الدولة، وهذا ما كانت تقوم به المعارضة المصرية أيضاً خلال فترة حكم مبارك، عندما كانت تحمي المصريين من تغول النظام والتمادي في الاستبداد، أما اليوم فلم يعد في مصر أي قوى سياسية قادرة على الوقوف في الشارع أو الاعتراض على الأوضاع المأساوية بأي شكل من الأشكال.
كاتب فلسطيني

خلافات المصريين وذكرى يناير

محمد عايش

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية