القاهرة ـ «القدس العربي» : الذكرى السادسة لثورة الخامس والعشرين من يناير/كانون الثاني على الأبواب تفصل بينها وبين من صنعوها أيام قلائل، ومن الطبيعي أن يداعب الحنين أولئك الذين حلموا بالحرية والعيش الكريم قبل عام 2011 لكنهم جنوا المزيد من الخوف، مع ذلك ما زال الحلم يعتريهم من جديد، رغم العتاد العسكري والاستنفار الأمني الكبير، الذي يضع كافة الميادين والشوارع الكبرى تحت الرصد.
واللافت أن الحكومة عمدت لضخ مزيد من الكميات من المواد الغذائية، وفي مقدمتها السكر قبل أسبوع من ذكرى الثورة، على أمل أن تدفع الناس للصبر، الذي طلب السيسي من المواطنين التحلي به قبل أسبوع من الآن. وبالأمس هبت على القاهرة بالفعل ريح «ينايرية» عبر العديد من المقالات التي يندب أصحابها من أعوان النظام تلك الثورة التي أحرقت الأخضر واليابس، على حد زعمهم. أما خصوم السلطة الجديدة فيراهنون على «نوبة» صحيان قد تعتري المحبطين في بيوتهم، لربما يتخلون عن يأسهم وخوفهم ويكررون ذلك الحراك الثوري الذي أذهل العالم وأرهق مبارك الذي ما زالت دولته تسعى للعودة بكامل عددها وتعدادها وإلى التفاصيل:
يناير كمان وكمان
«ثورة يناير/كانون الثاني نجحت لأنها قامت على أكتاف الشباب بالدرجة الأولى، ولم يكن من بينهم رموز كبيرة، وإن كان كثير منهم عرف حينها، وكان الشباب وفق رؤية جمال سلطان رئيس تحرير «المصريون» أكثر نبلا وتجردا للوطن والثورة، وأكثر إخلاصا للمستقبل من النخبة، غير أن الشباب كانت مشكلتهم هي الوعي بحسابات اللحظة وموازينها، فقد أخطأوا عندما تجاهلوا أن هناك شركاء آخرين في الثورة، وأنهم أكثر خبرة وتنظيما وأسبق في تحديد رؤيتهم من الأحداث، وتحديدا، أخطأوا في تقدير وزن المجلس العسكري ودوره في إنهاء حقبة مبارك، وفي ترتيبات المرحلة التي تليه، وكانوا يفهمون عبارات قيادات المجلس من نوع : الجيش يحمي الثورة، بصورة عاطفية وطوباوية، باعتبارهم الزعماء، والمجلس العسكري مجرد أداة لتنفيذ إرادة الزعماء الجدد، ولم تصلهم الإشارة على وجهها الصحيح، وهو أن المجلس العسكري شريك حقيقي في الثورة ونتائجها، حتى لو كانت الحسابات مختلفة في النهاية، وبينما كان الشريك المدني يزداد تشرذما وانقساما وطوباوية وتمردا على كل فكرة، ورفضا لكل مقترح واقعي، كان الشريك العسكري يزداد ثقة وواقعية ووضوح رؤية لما يريد ترتيبه في دولة بحجم مصر تعيش في تلك اللحظة فراغا سياسيا خطيرا، حتى عندما وصلنا إلى محطة الانتخابات الرئاسية، التي أوضح البرادعي أن المشير طنطاوي شهد له بنزاهتها، وأنهم لم يعرفوا من الفائز حتى اللحظة الأخيرة، وأن مرسي فاز بالنتيجة فعلا، حتى تلك اللحظة التي كانت فارقة في تاريخ مصر، وكان من الممكن أن تغير وجه المنطقة بكاملها وليس مصر فقط، تمت إضاعتها، ليس لأسباب طارئة، وإنما للأسباب القديمة نفسها التي حكى عنها البرادعي بعد إزاحة مبارك مباشرة، تمزق النخب السياسية واشتغال كل طرف لحسابه».
ليست مؤامرة
«لا تنشأ ثورة بمؤامرة، ولا تستقيم حقيقة بالادعاء، حقيقة يقرها عبد الله السناوي في «الشروق». نسبة «يناير» إلى مؤامرة هو نفي بالتدليس لأسبابها. في سنواته الأخيرة لم يكن أحد في مصر، أو خارجها، يعتقد أن بوسع نظام حسني مبارك البقاء، تآكلت شرعيته بانسداد القنوات الاجتماعية وتفشي الفساد وزواج السلطة بالثروة. كما تآكلت شرعيته بانسداد القنوات السياسية ووصاية الأمن على الحياة العامة. الفوضى ضربت البنية الداخلية للنظام وأفضى مشروع التوريث إلى استقطاب كل الغضب. عندما أغلق أي أمل في الإصلاح من الداخل، بعد التزوير الفاحش للانتخابات النيابية خريف 2010 بدأ العد التنازلي الذي لم يطل، لم يكن هناك شك في أن النظام انتهى، والباقى تفاصيل. نسبة «يناير» إلى مؤامرة هو بذاته مؤامرة على الذاكرة العامة والمستقبل كله، فلا مستقبل لبلد ينكر تاريخه وتضحياته. والأحلام التي حلقت في الميادين، ونفي الإرادة الشعبية، التي ثارت، إنكار لطلب التغيير والالتحاق بالعصر.
بقدر عمق الحدث التاريخي في بنية مجتمعه يستحيل الموت الإكلينيكي لـ«يناير» مهما بالغت الحملات ووصل التشهير مداه. الحقائق الكبرى لا تنسحب من التاريخ
قد ينطفئ بريقها لكن أثرها يظل كامنا. إثر تجربة «يناير» تغير المصريون والعودة إلى الوراء مستحيلة. لم تكن «يناير» أول ثورة في التاريخ تُختطف جوائزها ويجهض فعلها. ولا كانت أول ثورة يعود الماضي بعدها إلى صدارة المسرح الذي طرد من فوقه. الثورة الفرنسية تعرضت لتجربة مماثلة قبل أن تعلن انتصارها النهائي لكامل أهدافها، رغم عنفها المفرط والمشانق التي نصبت، فقد أجهضت وعاد ملوك البوربون إلى حكم فرنسا، حسب التعبير التاريخى الشائع فإنهم «لم يتعلموا ولم ينسوا ولم يغفروا. في طلب الثأر من «يناير» اختلطت الأوراق، فالثورة أي ثورة لا تلخصها جماعة بعينها ولا وجوه بذاتها، قوة الثورات في مدى تعبيرها عن إرادة مجتمعها. لم تكن الثورة مؤامرة، وإلا فإنه نفي للإرادة العامة واستخفاف بها وتجهيل بأسباب سقوط نظام مبارك. لا يعقل أن يستجيب عشرات الملايين لمؤامرة في الظلام».
الحكومة بريئة
ليس مفهوما اهتمام وسائل الإعلام المختلفة في مصر بموضوع التعديل الوزاري، ويرى فهمي هويدي في «الشروق» أن إبرازه ضمن عناوين الصفحة الأولى للصحف يعد من قبيل المبالغات غير المبررة: «استغربت استئساد بعض أعضاء مجلس النواب على الحكومة، وتعدد الآراء في هذا الصدد، بين مطالبين بتغيير أربعة وزراء، وآخرين فضلوا تغيير عشرة، في حين علا صوت فريق ثالث مطالبا بتغيير الحكومة كلها، بما في ذلك رئيسها ذاته. وهي آراء أقرب إلى المناقشات التي تأخذ الموضوع على محمل الجد، في حين أن الأمر ليس كذلك بالضرورة. فأي قارئ للصحف لابد أن يلاحظ أن الحكومة منذ شكلت تتحرك في حدود التوجيهات التي تصدر عن رئيس الجمهورية، بحيث لا يكاد يمر يوم دون أن تنشر الصحف أن الرئيس وجه بكذا أو أصدر تعليمات بكذا. وفي السابق كان الرئيس يعقد اجتماعاته مع الوزراء مباشرة في العديد من المجالات، في غيبة رئيس الحكومة، وهو ما أثار تعليقات عدة تم احتواؤها في ما بعد، بحيث أصبحت تلك اللقاءات تتم في حضور رئيس مجلس الوزراء. وكان ذلك تصرفا سديدا حافظ على الشكل، ووضع رئيس الحكومة في الصورة، في حين أنه لم يغير شيئا في الموضوع. أما جوهر الموضوع فهو أن الرئيس هو الذي يصدر القرارات، وهو صاحب الكلمة الأخيرة في السياسات. أما رئيس الحكومة فهو في حقيقة الأمر قائد فريق المنفذين، والوزراء هم من يباشرون التنفيذ كل في اختصاصه، وإذا كان صحيحا أن الرئيس السيسي كثير التدقيق في التفاصيل، حتى أنه طلب ذات مرة ألا يتم التعاقد مع شركات أو مستثمرين إلا بعد العرض عليه، فالأصح أن الرئيس يمارس سلطته في الحدود التي كفلها له الدستور الأخير الصادر عام 2014».
الشرفاء في السجون
«صفوان ثابت ومحمد أبو تريكة أراهما من شرفاء مصر.. الكلام لمحمدعبد القدوس في «المصريون»، هما محل تقدير واحترام من الرأي العام.. الأول رجل أعمال نظيف بنى نفسه بجهده، وأنشأ شركة تعمل في مجال حيوي في بلادنا أقصد منتجات الألبان، والثاني اشتهر بمهاراته الكروية، وفاز بلقب أحسن لاعب في أفريقيا، ولكنه قبل ذلك معروف بأنه لاعب خلوق وقدوة لغيره من اللاعبين. وقبل أيام نزلت مصيبة جديدة على رؤوس المصريين تمثلت في وضع الشرفاء في قوائم الإرهابيين ومنعهم من السفر والاستيلاء على أموالهم، ولم تتم مواجهتهم بالاتهامات أو يجري أي تحقيق معهم. والسؤال كيف تدين شخصا دون أن تسمع أقواله؟ بالطبع هذا السلوك لا يمتد بصلة إلى الإسلام والأخلاق. وهذان اللذان ذكرتهما أفضل حالا من غيرهما لأنهما وجدا من يدافع عنهما، فالقائمة التي تراهم الدولة من الإرهابيين تضم أكثر من 1500 مواطن شريف، وتم وضعهم في تلك القائمة بناء على تعليمات أمن الدولة. وتشكلت لجنة حكومية قامت بتنفيذ التعليمات والاستيلاء على أموالهم وتأميم مشروعاتهم.. وكل هذا تحت مسمى حصر أموال الإخوان. إنه الظلم بعينه وتراه في مجالات عدة في بلادنا، خاصة السجون المصرية التي تضم آلافًا من شرفاء الوطن، والسياسات الاقتصادية المنحازة إلى الأغنياء، وتردي أحوال الصحة والتعليم التي تقدم للفقراء، وفرض رقابة صارمة على النشاط الأهلي والنقابات والمجتمع المدني. والضرب في المليان في مواجهة أي تظاهرة ولو كانت سلمية. ومن يحكم في بلادنا يظن أنه يمكن إقامة دولة قوية عن طريق المشروعات الكبرى التي يأمر بتنفيذها دون استشارة أحد. ولن أناقش جدوى تلك المشاريع، لكنني فقط أذكر أن المشروعات الكبرى لا تقيم دولا والظلم يهدمها، والاستبداد السياسي يمنع تقدم بلادنا إلى الأمام ودروس التاريخ تؤكد ذلك، لكننا لا نتعظ».
أبوتريكة لا ينسى
«مواقع إعلامية عديدة تداولت خبراً يقول إن المسؤولين في «ماسبيرو» اتخذوا قراراً بحذف كل المشاهد الخاصة بلاعب المنتخب الوطني السابق محمد أبوتريكة من أي مادة تُعلن على الشاشة خلال الفترة الحالية. مؤكد وفقاً لمحمود خليل في «الوطن» أنك تعلم أن القرار يأتي في سياق حدوتة «إدراج اسم أبوتريكة على قوائم الإرهاب». حتى الآن لم يقطع القضاء بحكم باتّ في مسألة «إرهاب أبوتريكة»، وقد أعلن محامي اللاعب الطعن على الحكم الصادر ضده، وبالتالي أخشى أن يكون القرار متسرعاً، ويعيد التذكير بما يتسم به هذا الجهاز من انكفاء أمام السلطة. التلفزيون المصري في الأول والآخر يعبّر عن الدولة المصرية، وليس السلطة التي تحكم الدولة، وهو يعمل بنص القانون كأداة معبرة عن المجتمع ومتطلباته الإعلامية. والمجتمع – أي مجتمع- تتفاعل فيه اتجاهات متنوعة، وتتشكل على ساحته العديد من الأطياف السياسية والاجتماعية، لا بد أن يعبر عنها تلفزيون الدولة، حتى يكتمل دوره في تقديم خدمة إعلامية حقيقية. ومن المعلوم أن ثمة انقساماً نحو الموقف من اللاعب محمد أبوتريكة، فهناك عشاق له يدافعون عنه، ولا يجدون غضاضة في أن يؤمن بما يراه من فكر، حتى لو كان إخوانياً، ما دام لم يدعم الإرهاب، ولم يقدم أحد دليلاً على إدانته بأي صورة من الصور في عمل إرهابي. وهناك من يتبنى موقفاً عكسياً، يسقط فيه موقفه من جماعة الإخوان على لاعب كرة يعتقد أنه من المؤيدين لها، ويرى أن مجرد التأييد يعني الإدانة. من حق كل طرف أن يتبنى وجهة النظر التي يراها، وتلفزيون الدولة مطالب بألا يعمل في خدمة نظر واحدة، وإلا أدين بالأحادية والسلطوية، ولا يخفى على أحد أن سيطرة آفتَي الأحادية والسلطوية على قرارات اتحاد الإذاعة والتلفزيون، تشكل عاملاً من العوامل المفسرة لانصراف المشاهدين عنه إلى القنوات الخاصة».
المرتشون لا يشعرون بالملل
لماذا لا يشعر المرتشون بالملل أو الخوف؟ يتساءل أكرم القصاص في «اليوم السابع»: «آخر عنقود الفساد، مستشار وزير المالية للضرائب العقارية، الذي سقط في أيدي الرقابة الإدارية، متلبسا بالحصول على مليون جنيه مقدم رشوة من أصل 4 ملايين جنيه، مقابل منح صاحب شركة مقاولات، أرض قرية سياحية، يضيع على الدولة 500 مليون جنيه، كم أرضا تم اللعب في أوراقها، وضاع من مال الشعب مئات الملايين؟ في القليوبية خلال أقل من شهر تم ضبط قضيتي رشوة وتلاعب وتزوير بأوراق أراضٍ بأكثر من 250 مليون جنيه. وفي بني سويف تم التلاعب بأوراق بملايين الجنيهات، رشوة مستشار وزير الصحة مليون جنيه لتسهيل تركيب جهاز زرع نخاع في معهد ناصر بـ4 ملايين. كل قضية للرقابة الإدارية يحصل المرتشي على مليون ليحصل الراشي على ملايين وتخسر الدولة ملايين، رشوة موظف المشتريات، والتلاعب الجمركي في سفاجا بـ3.5 مليون جنيه. واضح أن تكرار القبض على فاسدين لا يمثل رادعا للفاسد والمرتشي، إما أن الفاسد لا يقرأ الصحف والأخبار، ويعرف بسقوط زملائه، أو أنه يعرف ويتصور نفسه حالة خاصة، أو أنه لا يشعر بخوف من ردع أو قانون. ومع النشاط الكبير للرقابة الإدارية، والأموال العامة، يظل الفساد بحاجة إلى فهم، هناك ثغرات وأبواب مواربة ومفتوحة، يدخل منها الفساد، والتكرار في الرشوة والتلاعب، يعني أن هذه الأبواب بحاجة إلى أقفال، مع ملاحظة أن قضايا الرشوة التي يتم ضبطها تتم ليحصل الراشي على ما ليس حقه، فما بالنا بنوع من الرشوة يدفعه المواطن ليحصل على حقه، في أماكن كثيرة ومعروفة، يصعب الإمساك بها أو ضبطها، نوع من الفساد ينتشر ويتوغل ويتشارك فيه كثيرون، والفاسدون يعيشون بين الناس ويشاركونهم حياتهم، ويبدو أحيانا باتفاق عام».
يشبه السيسي
للحظات تخيل كرم جبر في «اليوم السابع» أن ترامب في خطاب التنصيب يتحدث عن مشاكل مصر، ويشكو من جشع التجار واحتكارهم الثروة على حساب الشعب الأمريكي، ويتعهد بعدم ترك الأمريكيين فريسة لهم، ويعد شعبه بمشروعات كبرى لشق الطرق السريعة والكباري والأنفاق ومحطات السكك الحديدية، ويتحدث عن أمهات وأطفال يحاصرهم الفقر، ومصانع ضربها الصدأ فأصبحت مثل شواهد القبور، ونظام تعليمي مليء بالعيوب والثغرات، والجريمة والعصابات والمخدرات التي سرقت حياة كثيرين، ويحمّل مسؤولية هذا التردي للرؤساء الذين سبقوه، خصوصا صاحب الابتسامة الصفراء أوباما، الذي نزلت الانتقادات على وجهه كالصفعات، ويقول بحسم: «آن الآوان أن تنتهي هذه الفوضى». حتى عبارة ترامب أنه سيمحو الإرهاب من على وجه الأرض، استخدمها الرئيس عبدالفتاح السيسي بالمعنى نفسه «اللي يقرب من مصر حشيله من فوق وش الأرض»، وإذا نجح الرئيس الأمريكي الجديد في تنفيذ تعهده، ستكون مصر هي المستفيد الأول، ويزيح عن كاهلها الضغوط والمؤامرات، التي دبرها حكام بلاده السابقين، ومحاولات إدخالها حزام الجحيم العربي».
حد يعمل كده؟
أزمة تيران وصنافير ليست في ملكيتهما، ولا في أيٍ من الدولتين مارست السيادة الفعلية عليهما، فالأمور في هذا الشأن واضحة وضوح شمس سيناء في رابعة النهار الآسيوي، سواء في الملكية أم في ممارسة السيادة، وهو ما يؤمن به محمد حماد في «مصر العربية»: «الأزمة الحقيقية تتمثل في هذا «التنازل الحار» عن أرضٍ تحت سيادتك وضمن إقليم بلدك، لدولةٍ أخرى، هكذا ودون مقدمات، ودون منازعات، وربما دون طلب، حسبما أشيع عن موقف المملكة مؤخراً. لم نسمع في التاريخ أن أحدا تنازل أو أعطى الأرض لأصحابها، فما بالك لو كان التنازل عن أرضك وأن يكون هذا التنازل بمحض إرادتك؟ وأن يكون بكل هذا الحماس؟ والسؤال المزعج هو: لماذا كل هذا الحماس البادي في حديث المتحدثين باسم السلطة، المترافعين عن سياساتها وقراراتها وإجراءاتها؟ لماذا يصل الأمر ببعض هؤلاء إلى أن يعلن عن جائزة المليون جنيه لمن يقدم وثيقة واحدة تثبت مصرية الجزيرتين، رغم عشرات الوثائق المتاحة، ومئات الدلائل المتوفرة، وآلاف الحجج المقدمة؟ ولماذا تصل حمى «التنازل الحار» عن أرضٍ في حيازتك للغير إلى حد أن يعلن البعض عن اعتزامه الاستقالة من البرلمان إذا ثبت أن الجزيرتين ليستا سعوديتين؟ والأسوأ أن كثيراً ممن خرجوا علينا خلال اشتعال حمى التنازل ممن يحملون وصف «خبير استراتيجي» ويسبقون أسماءهم برتبة كبيرة سابقة في جيشنا الوطني ليؤكدوا سعودية الجزيرتين، والأنكى أن يطالب البعض منهم كل الحريصين على إثبات مصرية الجزيرتين بأن «يتكتموا ويسكتوا خالص»، وهي دعوة قيلت على لسان الرئيس السيسي في أول تفجر الأزمة، حين طالب في إبريل/نيسان من العام الماضي بعدم الحديث في موضوع الجزيرتين مرة ثانية».
تيران بعيون قانونية
رغم صدور حكم الإدارية العليا بشأن اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين مصر والسعودية، وما تضمّنته من التنازل عن جزيرتَي تيران وصنافير، فإن الجدل لم ينته حول هذه الاتفاقية، وما إذا كانت تخضع لرقابة القضاء من عدمه. ويبدو كما يشير أحمد عبد الظاهر في «الوطن»: «أن الحكومة المصرية ما زالت على إصرارها بعدم خضوع الاتفاقية لولاية القضاء، بحجة أن الموافقة على الاتفاقيات الدولية هي اختصاص أصيل محجوز دستورياً لمجلس النواب. ومن الواضح أن أنصار هذا الرأي ينظرون إلى الاتفاقيات الدولية جميعها باعتبارها من «أعمال السيادة» التي تخرج بحكم طبيعتها عن ولاية القضاء عموماً. ولعل ما يؤيد هذا الرأي أن محكمة القضاء الإداري سبق أن قضت بعدم الاختصاص في ترسيم الحدود البحرية بين مصر وقبرص. والواقع أن «أعمال السيادة» هي طائفة من أعمال السلطة التنفيذية، يغلب عليها الطابع السياسي، وتخضع بالتالي لرقابة البرلمان دون سواه. ويرى الفقيه الفرنسي دوجي أن الطبيعة السياسية لهذه الأعمال هي التي تبرر عدم خضوعها لرقابة القضاء، ويفضل إطلاق اصطلاح «الأعمال السياسية» عليها نظراً لما يثيره تعبير «أعمال السيادة» من لبس قد يؤدي إلى التوسع فيها. وإذا كانت نظرية «أعمال السيادة» أو «الأعمال السياسية» – كقيد على ولاية القضاء- تجد معظم تطبيقاتها في ميدان العلاقات والاتفاقيات الدولية، نظراً لارتباط هذا الميدان بالاعتبارات السياسية وسيادة الدولة ومصالحها العليا، إلا أنه ليس صحيحاً إطلاق القول بأن جميع الاتفاقيات الدولية – أياً كان موضوعها- تُعتبر من الأعمال السياسية. كما أنه ليس صحيحاً أيضاً القول بأن الاتفاقيات الدولية التي حددتها الفقرة الثانية من المادة 151 من الدستور المصري الملغى لسنة 1971 واستلزمت عرضها على مجلس الشعب وموافقته عليها، تضحى جميعها – وتلقائياً- من الأعمال السياسية التي تخرج عن ولاية القضاء».
حق يراد به باطل
لا يعرف مرسي عطا الله في «الأهرام» سببا لهذه الضجة المفتعلة حول مشروع الخطبة الموحدة، إلا إذا كان البعض يريد أن يحول منابر المساجد من كونها منصات للتوعية والتوجيه إلى قنابل وألغام للتحريض وزراعة الفتنة: «إن لغة الخطاب الديني عندما تنطلق من فوق أي منبر لابد أن تكون لغة متزنة وعاقلة، لكي تدعو للعمل ولكي تبشر بالأمل، ولكن من العبث أن يقال بحرية الاجتهاد في أمور حسمها كبار الأئمة ــ منذ سنوات بعيدة ــ وبالتالي يتم فتح الأبواب من جديد لأصوات الخوارج الذين يخترقون عقول البسطاء بالمغالاة في التشدد والتطرف باسم الإسلام، بينما الإسلام موقفه واضح في قوله تعالى في سورة النساء: «يا أهل الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ في دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ». ومن هنا تأتى أهمية توحيد لغة الخطاب الديني لوقف التضارب بين الاجتهادات بشأن الحلال والحرام، فمن غير المعقول أن يقول أحدهم مثلا إن التعامل مع البنوك حرام، ويؤكد آخر أن التعامل مع البنوك حلال، ودون أدنى اعتبار للآثار السلبية على الاقتصاد الوطني نتيجة عدم وجود فتوى حاسمة يلتزم بها جميع الخطباء. ولا يظن الكاتب أنه يخفى على أحد أن مدخل دعاة التطرف إلى بعض العقول إلى حد التشجيع على الاغتراب عن المجتمع، بدأ من فوق منابر بعض الزوايا الصغيرة، الأمر الذي فتح لهؤلاء الخوارج مجالا خصبا لترويج الأفكار والشعارات التي تعتمد على تفسيرات خاطئة لبعض آيات الذكر الحكيم لخدمة أهدافهم الخبيثة».
معايير مغلوطة
«ما هي معايير اختيار الوزراء؟ بل أيضا رئيس الوزراء؟ وهل يكفي وفقاً لعباس الطرابيلي في «المصري اليوم» أن يكون الوزير ناجحاً في وزارته، لكي يحصل على ترقيته ويصبح رئيساً للوزراء؟ وهل يصلح الأستاذ الأكاديمي لكي يتولى منصباً بعض مهامه جماهيرية وأكثرها سياسية؟ وهل افتقاد الوزير السياسي وراء اختفاء القدرة الخلاقة عند البعض؟ بل هل الوزير ذو الخلفية العسكرية الناجح في عمله العسكري، ينجح فيما يفشل فيه الوزير المدني؟ وهل تكفيه هنا «قدرته» الإدارية وانضباطه والتزامه بالأسلوب العسكري «المنضبط» لكي ينجح في عمل جماهيري؟ وأمامنا هنا تجربة وزير التموين اللواء محمد علي مصيلحي. أم أن الجو العام داخل الوزارة يكفى لتفشيله، حتى أنه أقال رئيس الرقابة لتورطه في فساد القمح، وعين آخر- مكانه- تورط في الكروت الذكية؟ أم أن الفساد في وزارة التموين متغلغل ويكاد يكبل الوزير العسكري؟ وأن الفساد الأكبر يكمن في الوزارات الخدمية، وأهمها التموين والصحة والتعليم والإدارة المحلية، وأن أي وزير لا يستطيع وحده أن يصنع المعجزة، وأن «تحالف الفساد» في كل المواقع نجح بالفعل في ضرب كل محاولات الإصلاح، وأن أحداً لم يعد قادراً على مواجهة هذا الفساد في أي موقع؟ أكاد أجزم بذلك وأسأل، لماذا نطارد الناجحين في مواقعهم ونغريهم بالمنصب الوزاري، لأن ذلك يفرغ المواقع الحيوية من الكفاءات التي يمكن أن تنهض بها؟ ولماذا لا نتركهم يستكملون جهادهم في إصلاح مواقعهم؟ وأمامي مثل واضح هو الدكتور جابر نصار، الرئيس الحالي لجامعة القاهرة، الذي يقود ويقوم بعمل رائد لإنقاذ أقدم جامعة عصرية في المنطقة كلها، وأعادها إلى كثير مما كانت عليه منذ عشرات السنين. وأتذكر هنا أول ــ وأشهر رئيس لهذه الجامعة ــ هو أحمد لطفي السيد، الذي رفض، بل تعفف عن المنصب الوزاري لسنوات عديدة، حتى يكمل مهمته في إنشاء أول وأكبر جامعة مصرية، ولم يقبل الوزارة إلا بعد أن حقق الكثير مما كان يحلم به.. ويحلم كل المصريين».
سيد واشنطن الجديد
بالنسبة للبعض فإن وصول دونالد ترامب إلى السلطة في أمريكا يتساوى مع عودة المهدي المنتظر لمن يؤمنون به، فالرئيس الأمريكي الجديد إن نفذ وعوده الانتخابية عدا ما يتعلق منها بنقل السفارة الأمريكية في إسرائيل إلى القدس، سيكون قد غير العالم للأفضل وخدم الأمن والسلم الدوليين. فسيد واشنطن الجديد، كما يطلق عليه في «الأهرام» أشرف أبو الهول أعلن وبوضوح أنه مع إقامة علاقات طيبة مع روسيا، وأنه سيتعاون معها على المستويات كافة، وبالتالي يجنب البشرية احتمالات المواجهة الكونية، وهو أيضا ضد تفتيت الدول القومية وانتقد بقوة تدمير سوريا وليبيا والعراق، ويرفض أن يتم استئجار القوة العسكرية الأمريكية الجبارة في حروب لصالح الغير، كما حدث مع الدول العربية الثلاث، فتدميرها تم لصالح قوى اقليمية، لأن تلك الدول لم تكن أبدا تمثل خطرا حقيقيا على المستوى الدولي وبالتالي أمريكا، ولكنها فقط كانت تزعج جيرانها، فاستغل بعض الجيران الأثرياء أو المتنفذين المشهد السياسي الأمريكي الفاسد ودفعوا الرشاوى ومارسوا الضغوط لتدمير منارات الحضارة في المنطقة. وفيما يتعلق بالإرهاب الإسلامي الذي تعهد ترامب بالقضاء عليه فإنه أمر يجب أن يسعدنا، فهذا الإرهاب لا علاقة له بصحيح الدين الإسلامي، بل إننا أكبر المتضررين منه، فإجمالي عدد شهدائنا ومصابينا في الصراع العربي الإسرائيلي على مدى قرن من الزمان يقل عن 10٪ من شهدائنا ومصابينا في حروب الإرهاب في العالمين العربي والإسلامي، خلال السنوات الست الأخيرة. واقتصاديا فإن رفض ترامب اتفاقيات التجارة الدولية والإقليمية وإصراره على تفعيل آّليات السوق، في مصلحة الجميع والفوز للمجتهد».
نواجه الفناء
هل يمكن أن يكون هذا العام الجديد والأعوام المقبلة سنوات خير على العرب وأوطانهم؟ وهل يمكن تحقيق مستقبلٍ عربيّ يكون العرب فيه أفضل حالاً ممّا هم عليه الآن؟ يتساءل صبحي غندور في «الشعب»: «لعلّ السبب في طرح هذا السؤال عن كيفية تصوّر مصير المستقبل العربي، هو هذا التردّي الحاصل في بلاد العرب. فنظرةٌ شاملة للواقع العربي الراهن تنذر بأسوأ الاحتمالات والمخاطر. فقلب المنطقة العربية عليل، وأطرافها تتآكل، بينما العقول والكفاءات العربية تهاجر إلى المستقبل المجهول. للأسف، هناك الآن حالة «تكيّف» عربي مع ظواهر مرضية خطيرة تنخر الجسم العربي وتعطب بعض أعضائه، كما هو الحال أيضاً مع أوضاع فساد سياسي واقتصادي وصلت إلى حدّ العفن، إلا أن من يعيشون في هذه الحالة المرضية وحولها اعتادوا على رائحتها الكريهة. فكيف تستطيع أمّةٌ أن تنهض من كبوتها وممّا هي عليه من سوء حال إذا كان عددٌ من صانعي الرأي أو المرجعيات الدينية فيها يتنافسون على الفضائيات وعلى صفحات الجرائد، بما يؤدّي إلى مزيدٍ من عوامل الانقسام والانحطاط في أحوال الأوطان والمواطنين؟ وكيف ستقدر هذه الأمّة على مواجهــــة التحدّيات الخارجية والداخلية إذا كانت الحكومات منشغلة الآن في كيفية إدارة شؤون السلطة لا الوطن، وفي توفير ضمانات الاستمرار في الحكم وليس تأمين صمّامات الأمان لوحدة الأوطان وتقدّمها؟ كيف سيكون هناك مستقبل أفضل للشعوب والأوطان وللأمّة ككل إذا كان العرب مستهلكين إعلامياً بأمور تفرّق ولا تجمع؟
أيضاً، هناك في هذه الأمّة حالمون يعيشون أوهاماً عن السلام مع عدوٍّ لم يعرف إلاّ لغة الحرب والقتل والدمار، بينما يحاولون عزل حركات المقاومة ووأدها.
وهناك في هذه الأمّة من يتحدّث عن «يقظة دينية» بينما هي في معظمها عودة إلى «أصولية جاهلية» أو اهتمام بالعبادات فقط وتجاهل لمبادئ الدين وقيمه. ومسكينٌ هو هذا الجيل العربي الجديد الذي يتمزّق الآن بين تطرّفٍ سلبي لا مُبالٍ وتطرّفٍ جاهلي يدفع بعضه، باسم الدين، للعنف ولما هو من المحرّمات الدينية أصلاً. لكنّ الخطر الأكبر الذي يواجه العرب حالياً هو تساقط الأوطان العربية واحدها بعد الآخر، وانشغال شعوب المنطقة بصراعاتها الداخلية، فمِن رحْم هذه الصراعات تتوالد أزمات سياسية وأمنية عديدة، أبرزها الآن مخاطر الصراعات الطائفية والمذهبية والإثنية، إضافة إلى التنافس المسلّح على السلطة والحكم، بل وعلى المعارضة أحياناً».
حسام عبد البصير