هل يتبدد دخان عبد الحكيم بلحاج في تونس؟

حجم الخط
12

لا دخان من غير نار. وإذا ما ثبت أن تصريحات عبد الحكيم بلحاج رئيس حزب الوطن الليبي، التي قال فيها، في سياق مقابلة اجرتها معه فضائية «العربي» قبل ايام، إنه في صورة «اشعال فتيل الحرب في طرابلس» فانه «سوف يحرق تونس ويمتد إلى الجزائر»، هي من قبيل الدخان الذي يسبق النار التي ستأتي على الاخضر واليابس في الإقليم بأسره وليست مجرد بالون اختبار تكتيكي لجس نبض قوى محلية ودولية متورطة في النزاع، فانها ستكون آخر جرس انذار يقرع بعد حالة الاستعصاء والتعقد التي انتهت إليها الازمة الليبية. وتزايد الغموض والضبابية حول طرق ومآلات حلها، خصوصا بعد انقضاء آجال ولاية حكومة الوفاق التي نص عليها اتفاق الصخيرات.
أما هل أنها تكفي الان على الاقل لاستنفار الجيران وزيادة وعيهم وإدراكهم بتلك المخاطر خارج الاطار الرسمي لجهودهم واجتماعات وزراء خارجيتهم، بين الحين والاخر للتداول والنقاش؟ فالجواب هو قطعا لا. والدليل هو أن تصريحات بمثل تلك الحدة والقوة لم تشغل ولو جانبا محدودا وضئيلا من الساحة الاعلامية المفتوحة في بلد مثل تونس، ينحصر جل تركيزه الان على مسألة غلق المنافذ وتأمين الحدود توقيا من هجمات محتملة من ابنائه العائدين، مما بات يعرف ببؤر التوتر.
وقد تكون شخصية بلحاج التي ماتزال تثير لغطا وقدرا من اللبس وحتى الهجوم والانتقاد من جانب قسم من النخب التونسية، التي لا ترى على الاطلاق أن هناك فرقا أو اختلافا بين إسلامي معتدل واسلامي متشدد، هي واحدة من الاسباب، مثلما قد يكون سوء تقدير الدور الروسي، الذين حذر من انه سيشعل فتيل الحرب في حال ما اذا منح غطاء جويا لقوات حفتر متى قررت شن هجوم على طرابلس هو واحد من بين التفسيرات. لكن النظرة العامة للتونسيين إلى التصريحات والمواقف التي تصدر في العادة عن جيرانهم الجنوبيين، خصوصا في السنوات الست الاخيرة، التي يعتبرونها سنوات الغياب التام لسلطة الدولة في ليبيا، لا تدل على انهم يأخذونها على محمل الجد أو يعطونها الاهتمام اللازم.
فقد كتب قبل اقل من عامين وزير في حكومة طبرق على صفحته على موقع للتواصل الاجتماعي، أن الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي «سوف يشتعل ويحترق ويكون رمادا». وقال قبل ذلك لصحيفة محلية، إن حكومة طبرق «قد تضطر لفتح سفارة في امارة الشعانبي واخرى في قصر قرطاج»، تعبيرا عن رفضه الاعتراف التونسي المزدوج بحكومتي الشرق والغرب الليبيين. ولكن كل ذلك لم يغير شيئا من موقف تونس ولا دفعها لمراجعة حساباتها، أو إعطاء تلك التهديدات اي اهمية تذكر. لكن هل مازال الامر على حاله الان؟ وهل مازال ممكنا أن تدار الامور بالاسلوب نفسه؟ المؤكد أن الصراع على طرابلس هو وحده الذي سيقلب الحسابات التكتيكية والاستراتيجية للتونسيين، ويدفعهم للتحرك بعيدا عن مربع الحياد الذي يبدونه ازاء جميع الفرقاء الليبيين. فالثقل الديمغرافي والقرب الجغرافي والتداخل بين جنوب تونس ومحيط طرابلس كلها عوامل قد تجعل تونس البلد الاكثر تأثرا بمجريات معركة، متى حصلت فان آثارها الكارثية المباشرة لن تظهر على العاصمة الليبية وحدها، بل ستشمل على الفور جزءا واسعا من الجنوب التونسي، المرتبط بها بمصالح عضوية وحيوية، عدا الروابط العرقية والاسرية المعروفة. إن مجرد تعطل فتح معبر رأس جدير بين البلدين، مثلما حصل قبل اسابيع صار يعني باختصار توقع حصول انتفاضة اجتماعية في المناطق الحدودية، التي تعتمد بشكل شبه تام على المبادلات التجارية مع ليبيا.
كما أن انتقال الصراع إلى طرابلس قد يجعل السلطات التونسية تواجه عبئا اضافيا بعودة الالاف من العمال التونسيين في حال فقدوا وظائفهم هناك. وهذا ما قد يجعل الاستقرار السياسي والاجتماعي لتونس على كف عفريت. وما تدركه السلطات انه في حال «وقوع الفأس في الرأس» واندلاع تلك المعركة، فإن القوى الاقليمية والدولية الكبرى لن تتأخر في التدخل المباشر فيها لدعم طرف على حساب اخر تحت مختلف المسميات، وهو ما قد يضعها في موقف بالغ الصعوبة والإحراج، خصوصا انها ستكون في تلك الحالة البوابة الاولى لاي تدخل اجنبي محتمل داخل التراب الليبي. ولكن ما الذي تملك تونس فعله حتى لا يصلها الحريق الليبي الذي يتوقعه بلحاج؟ لقد اطلقت منذ مدة ما وصفتها صحافتها المحلية بمبادرة الباجي قائد السبسي لحل الازمة الليبية، التي لم يكشف حتى الان عن مضامينها أو تفاصيلها. غير أن مجريات الامور تدل على أن زعيم حركة النهضة الشيخ راشد الغنوشي الذي يملك علاقات جيدة مع معظم اطراف الازمة الليبية، ويحظى كذلك بثقة بعض الدول المهتمة بمآلات الامور في ليبيا هو من يقوم بالفعل ومنذ شهور بجهود لاقناع الليبيين باتباع وصفة التوافق التونسية، حتى يجنبوا بلدهم ثم دول الجوار عواقب تدخل اجنبي لن يحمل معه في كل الاحوال سوى الخراب والوبال. وقد قال في الجزائر في اعقاب لقائه الرئيس بوتفليقة إن «مبدأ التوافق والوئام الوطني الذي اطفأ الحريق في الجزائر وتونس، يعد نموذجا لحل المشكلات عن طريق الحوار، وهو السبيل لحل الازمة الليبية ومشاكل العالم العربي، كما هو الحال في سوريا واليمن». وما يدركه الشيخ الغنوشي هو أن التجربة التونسية ذاتها سوف تكون مهددة بالسقوط في حال ما اذا استمرت الامور على حالها في الجارة الجنوبية، أو ازدادت سوءا بالهجوم على طرابلس وهو لاجل ذلك يحاول اقناع قوى اقليمية ودولية بان الديمقراطية في تونس لن تستطيع الصمود طويلا مادامت تعاني من امرين، وهما الازمة الاقتصادية العميقة والحرب الاهلية في ليبيا، لكن قبل الحديث عن قدرة الشيخ على اقناع الاخوة الاعداء بترك خلافاتهم جانبا والاتفاق على الحد الادنى الذي يحفظ وحدة واستقرار بلدهم، فإن السؤال الاهم الذي يدور بخلد الكثير من التونسيين هو جدية تلك التهديدات والخوف من أن يكون الهدف منها بالنهاية هو جر بلدهم إلى المستنقع الليبي وتورطهم في حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل؟
صحيح أن قادتهم وزعماءهم ظلوا يرددون على اختلاف الحقب والظروف ذلك الشعار المعروف والشهير «أمن تونس من أمن ليبيا وأمن ليبيا من أمن تونس» ولكن الصورة التي رسخت داخل تونس هي أن الانفلات الامني الواسع الذي حصل في الجارة الجنوبية منذ الشهور الاولى التي سبقت الاطاحة بالعقيد القذافي هو اصل الداء الذي تعاني منه المنطقة بأسرها. وتواصل بالمقابل الاغفال المتعمد لما يبدو دورا تونسيا في تسهيل ادخال السلاح إلى فصائل مسلحة كانت تناهض قبل ست سنوات من الان حكم العقيد، والانكار التام لأي قدر من المسؤولية بعد ذلك في تأجيج الصراع من خلال تدفق اعداد من الشباب لاسباب مختلفة إلى معسكرات بعض الفصائل المقاتلة المتشددة داخل ليبيا.
المنطق الذي ظل سائدا هو أن لدينا ما يكفينا من المشاكل والازمات المحلية، ولا وقت لنا على الاطلاق للالتفات ولو قليلا إلى مشاكل جارتنا الجنوبية، التي لن تحل وتحسم نهائيا الا متى نفدت ذخيرة الاطراف المتصارعة فيها، مثلما نقل ذات مرة عن الرئيس السبسي في تصريح شهير ادلى به قبل توليه المنصب. وربما كانت الفجوة التاريخية والنفسية بين المركز والاطراف واحدة من بين الاسباب التي كرست تلك القطيعة وجعلت الرأي العام التونسي لا يستشعر بالقدر الكافي أن معركة مرتقبة للسيطرة على عاصمة دولة اخرى قد تقرر في حال وقوعها مستقبله ومصيره. فما رسخ في سنوات الاستبداد هو أن ليبيا وإن كانت تمثل خطرا على تونس فانها لا تستطيع بأي حال أن تؤثر فيها بفضل تحالفاتها القوية مع الغرب وما توهمه الكثيرون بعد هروب بن علي هو انه باستطاعة التونسيين أن يقرروا مصيرهم بانفسهم وبمعزل عن الاخرين. ولكنهم افاقوا بعد ست سنوات على أن الامور ليست على ذلك القدر من البساطة والسهولة وان النفوذ الخارجي لا يزال فاعلا وقويا داخل بلدهم. الإشكال هو انهم ظلوا دائما ينظرون لفوق اي إلى الضفة الشمالية، ونسوا أو تناسوا أن شرارة لهب الجار الجنوبي يمكن أن تصيبهم في مقتل ما لم يتحركوا في الوقت المناسب لاطفائها. لكن هل تنجح مساعي بعض قادتهم في تدارك الامر؟ الجواب قد يحدده الليبيون أولا ثم باقي دول الجوار والاقليم. وبعده سنعرف بالتأكيد إن كانت التصريحات الاخيرة لبلحاج قد كانت من قبيل الدخان الحقيقي الذي يخفي النار؟ أم انها لم تكن سوى دخان واهم اشبه بسحابة الصيف العابرة.
كاتب وصحافي من تونس

 هل يتبدد دخان عبد الحكيم بلحاج في تونس؟

نزار بولحية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية