القاهرة ـ «القدس العربي» : البعض اعتبرها نصف ثورة وآخرون أطلقوا عليها «فورة» وفصيل ثالث أكرمها فقال «اذكروا محاسن موتاكم»، ومما لا خلاف عليه أن الثوار ما بين شهيد وباحث عن لقمة العيش في زمن «عام» فيه الجنيه، ومنهم من غلب عليه الإحباط.
غير أن مصر وإن بدت وكأنها استقالت من الحياة في زمن السلطة الجديدة فمن المؤكد انها ما زالت تجهز لجنازة تليق بمستبديها الذين دفعوا بالمناضلين إما إلى غياهب السجون، أو الاختفاء القسري أو نزلاء مستشفيات.
اليوم تحل الذكرى السادسة للحدث الأكبر في حياة المحروسة وشعبها.. تجيء الذكرى والسجون كاملة العدد والميادين خالية الوفاض، ومصر ما بين مواطن يبحث عن الدواء وآخر يطارد الخبز وثالث أعياه طول الانتظار ببزوغ فجر يوم جديد.
قبل أسابيع وفي مؤتمر للشباب داعب الرئيس بابتسامة جذابة الحاضرين قائلاً محدش عاوز «سيلفي».. لم يعلم أن الصورة الأجدر بالحفظ في أرشيف الذاكرة مكانها مئات القرى المنسية، التي نسي أهلها رائحة الطعام من ضيق ذات الحال.
بالأمس بدا الرئيس ضجراً لأسباب لها علاقة بتأزم الأزمة الاقتصادية وارتفاع معدلات الطلاق، حيث قال إن نسبة الطلاق تزداد يوما بعد يوم، وعدد حالات الزواج في مصر 900 ألف حالة سنويا، ينفصل منهم 40٪ بعد زواج 5 سنوات، متابعا: نسبة الطلاق في مصر كبيرة وتشكل سلبيات في المجتمع. وحسب «الوطن» طالب السيسي، خلال كلمته في احتفال الشرطة بعيدها الـ65 بإصدار قانون يمنع الطلاق، إلا عند الوقوف أمام المأذون لإعطاء الفرصة للزوجين لمراجعة الأمر مرة أخرى. ودعا السيسي، الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر، للبحث عن حل فقهي لتقليل حالات الطلاق المرتفعة في مصر، التي تعدت 40٪، وقال مازحا: «ولا إيه يا فضيلة الإمام. إنت تعبتني.». ومن المؤكد أن التقارير التي استمد منها الرئيس معلومات ذكرت كغيرها أن الفقر والبطالة مكونان رئيسيان في أسباب ارتفاع معدلات الطلاق، وهو الأمر الذي تسلط عليه الضوء العديد من الصحف المصرية الصادرة أمس الثلاثاء 24 يناير/كانون الثاني، والتي اهتمت أمس بالذكرى السادسة لثورة يناير حيث حرص كتاب النظام على رمي تلك الثورة بالموبقات كما اتهموها بالتسبب في تردي أحوال البلاد والعباد وإلى التفاصيل:
مغزى التهنئة
«من جديد تؤكد القوات المسلحة المصرية على ولائها لثورة يناير/كانون الثاني، ويؤكد الجيش المصري من جديد على أن ثورة يناير هي التي أخرجت مصر من ظلمات الفساد والاستبداد إلى نور الحرية، وهي التي حققت، كما يشير جمال سلطان رئيس تحرير «المصريون» آمال الشعب المصري، وعبرت بصدق عن مطالبه المشروعة. وبمناسبة الذكرى السادسة لثورة 25 يناير المجيدة بعث الفريق أول صدقي صبحي، القائد العام للقوات المسلحة، وزيـر الدفـاع والإنتـاج الحربي، برقيـة تهنئـة للرئيس عبد الفتاح السيسي، رئيس الجمهورية، القائد الأعلى للقوات المسلحة. كما أصدر الفريق محمود حجازي رئيس أركان حرب القوات المسلحة توجيهاً مماثلاً لرجال القوات المسلحة بالمناسبة نفسها. نحن هنا أمام تأكيد متجدد من القوات المسلحة المصرية على شرعية ثورة يناير، وعلى الافتخار بأن الجيش المصري شارك فيها لماذا نعيد التأكيد على تلك المعاني البديهية، ولماذا نهتم من جديد باحتفالات القوات المسلحة بثورة يناير ووصفها بالثورة المجيدة، التي حررت شعب مصر وعبّرت عن مطالبه المشروعة، لأن هذا هو الركن الركين لأي شرعية أتت بعدها، ولأن هذا رد اعتبار متجدد لرموز ثورة يناير وشبابها وبناتها وشيوخها، وإقرارا بأن هؤلاء الناشطين ـ الذين يوصفون في إعلام الدولة الرسمي حتى الآن بناشطي السبوبة ـ هم الذين عبروا عن المطالب المشروعة للشعب المصري بشهادة الجيش، وأن هذه الثورة هي ثورة الجيش والشعب معا، وأي تطاول على هذه الثورة هو إهانة لجيش مصر قبل أن يكون إهانة لأي مشارك في تلك الثورة، وأي اتهام لثورة يناير بأنها مؤامرة أو أنها لعبة أمريكية ـ كما يزعمون حتى الآن ـ هو سب وتشهير بالقوات المسلحة المصرية».
الحب الحقيقي
نبقى مع غزل موجه للمؤسسة العسكرية على يد طارق الخولي في «اليوم السابع» أبرز الصحف المؤيدة للنظام: «مع الذكرى السادسة لثورة 25 يناير، تبرز هذه العلاقة التي احتار فيها الكثيرون، كيف يحب جيش شعبه حتى الفناء في سبيل حمايته؟ وكيف يثق شعب في جيشه إلى هذا الحد، فيهرول إليه عند كل محنة أو منعطف مصيري، ليشعر بالسكينة والاطمئنان على حماية قراره؟ كيف لا، وقد بنيت عقيدة الجيش عبر مئات بل آلاف السنين على أن انحيازاته ومكانه بجانب الشعب؟ الشعب فقط.. فمصدر القوة الحقيقية للدولة المصرية، التي تقف حائلًا أمام الأعداء في اختراقها والنيل منها تكمن في علاقة الانصهار بين الشعب والجيش، التي مردها، في اعتقادي، إلى أن هذا الجيش بُني بلبنات وطنية دون قشور الطبقية والعنصرية والمذهبية، فلا نجد على غرار جيوش كثيرة، أن قادة الجيش ممن ينتمون إلى عائلة حاكمة، أو طبقة اجتماعية معينة، أو من ذوات أجناس أو أعراق بعينها، أو من معتنقي ديانة محددة، فأبناء الجيش مصريون حسب، بلا أي إضافة أو تميز. فمنذ الثورة العرابية، مرورا بثورة 23 يوليو/تموز، حتى ثورتي 25 يناير و30 يونيو/حزيران، ورغم التغيرات الكبيرة عبر الأزمان والحقب التاريخية المتباعدة لهذه الثورات، فإن لسان الحال في كل مرة ظل واحدا.. «الشعب والجيش إيد واحدة»، فلا يمكن الارتكان في تفسير هذا الأمر إلى مجرد اكتساب الأفكار، أو تواتر المعتقدات الوطنية، بل التوارث الجيني لهذه العلاقة عبر أجيال المصريين».
عدنا من حيث بدأنا
«كان يوم 25 يناير في الذاكرة تعبيراً عن إرادة أمة وطموحات شعب عاش مرحلة عصيبة في قبضة حكم استبدادي متمسك بالسلطة، بل وكما يشدد عبود الزمر في «المصريون» يريدها ملكية تورث للأبناء والأحفاد، فضلاً عن حالة فساد مستشرية أهدرت فيها ثروات البلاد، وسلبت فيها حرية المواطن وإرادته بتزوير الانتخابات النيابية، وكل ذلك مهد الطريق إلى غضبة جماهيرية وقف فيها الجميع يطالبون برحيل النظام ومحاكمته، فاستسلم مبارك أخيراً وتنازل عن السلطة تحت ضغط القوات المسلحة، ثم جرت انتخابات حرة ونزيهة تحت إشراف القضاء ورعاية القوات المسلحة، فظهرت النتيجة الحقيقية وجاء التمثيل النيابي مطابقاً للواقع، وصعد الدكتور محمد مرسي «عفا الله عنه» رئيساً للبلاد، ولم يكد يتولى لفترة بسيطة حتى بدأت الاضطرابات ضده، ولم يتمكن من إدارة الدولة في هذا الظرف الاستثنائي، فتمت الإطاحة به وفتح باب الصراع من جديد، فعدنا إلى الوراء كثيرا، حيث سالت الدماء، وتقطعت الأواصر والوشائج بين أطياف المجتمع، وازدادت حالة الكراهية والحقد والتربص بالآخر يوماً بعد يوم، كما شاهدنا أن الأحلام والأماني تتلاشى وتتحطم في ظلمة الصراعات الدامية، ووجدنا الاقتصاد يترنح والديون تتراكم، وقائمة المسجونين في اطراد، وأعداد الثكالى والأرامل واليتامى في تصاعد مستمر. يضيف الزمر: اليوم أجد نفسي في هذه الذكرى حزيناً على يوم كنا فيه صفاً واحداً متآلفاً ومتماسكاً، تمنيت أن يعود بنا الزمان لهذه الذكريات الجميلة التي عشناها سعداء ونحن نتنفس نسيم الحرية والكرامة والعدالة».
عن أي يناير يتحدثون؟
وإلى أعداء الثورة ومن بينهم مرسي عطا الله في «الأهرام»: «في مثل هذا الوقت من كل عام على مدى السنوات الست الماضية تتكرر المشاهد ذاتها بالمفردات نفسها والشخوص أنفسهم، في محاولة لاستنساخ الماضي القريب، من خلال تجديد إثارة الزوابع والأتربة وإشعال الحرائق والفتن باسم 25 يناير/كانون الثاني، والحقيقة أن أولئك الذين يتلهفون لإحياء ما تبقى من أطلال الفوضى باتوا رموزا معروفة بنرجسيتها ورغبتها في أن تظل حاضرة في المشهد السياسي حتى لو كان على شكل صراخ وتهليل لحريق مدبر، وإذا نجحت جهود إطفائه فإنهم يعاودون النبش من جديد في الرماد المحترق بهدف تجديد إثارة الأتربة ومواصلة النفخ في الرماد للمساعدة في إعادة الحياة للنيران حتى يتواصل الانشغال بالحريق بعد إطفائه. إن هذا الذي يتكرر منذ 6 أعوام في هذا التوقيت يعكس حالة مرضية بلغت بدرجة الغيبوبة السياسية عند البعض حد فقدان القدرة على التمييز بين الواقع والخيال».
25 «خساير»
هكذا يطلق على ثورة 25 يناير خصومها الذين يرون أنها كانت وبالاً على الأمة وساهمت في تبديد الثروات وتوقف صناعة السياحة ما أسفر عن ضياع مزيد من الثروة الزراعية وها هو صلاح منتصر في «الأهرام» يكتشف عند زيارة له إلى الإسكندرية مدى ما حل بمصر من بوار: «ياعيني عليكي يا مصر؟ أين أرضك الخضراء التي كنا نطل عليها وقد هجمت عليها المبانى القبيحة، الواضح أنها نتاج ثورة يناير التي لا يختلف الذين اعتدوا فيها على الأراضي، عن الحرامية الذين سرقوا المواطنين وفتحوا السجون وحرقوا أقسام الشرطة وثبتوا أصحاب السيارات في الطرق. كلهم لصوص وفاسدون .لم تتغير العادة التي عرفتها منذ سنوات بعيدة وهى توقف القطار قبل دخوله محطة سيدي جابر في الذهاب ومحطة القاهرة في العودة. دائما يركن بضع دقائق دون سبب معروف ولكنها عادة لم تنقطع رغم السنين والأحداث».
لماذا يكرهونها؟
«الملمح الأبرز في الأحاديث الدائرة على ألسنة الكثيرين – مع احتفالنا بمرور ست سنوات على ثورة يناير- يتحدد في فكرة «نحن نحتفل بثورة فاشلة» هذا ما يراه محمود خليل في «الوطن» يقول مواصلا كلامه، أمر عجيب بالفعل، والأعجب منه أن تجد هذا الكلام يتردد على ألسنة أفراد شاركوا في «يناير» وآمنوا بها. يعزو الجميع حديثهم عن فشل الثورة إلى عجزها عن تحقيق أهدافها في «العيش والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية». وهو حديث يستند إلى مغالطة أساسية تتمثل في أن هذا الشعار مثّل الحلم الكبير للثورة، أو النتيجة الكبرى التي حلم بها الملايين التي تدفقت إلى شوارع مصر أيام الثورة، هذه النتيجة لا بد أن تكون لها مقدمات، مقدمات تتراكم على الأرض حتى تُفضي إلى تحقيق النتيجة في النهاية، وهو أمر يستغرق سنين طويلة، لأن ثمة مبدأ يحكم الثورات يتمثل في «التغيير البطيء لكن المستمر» وهذا المبدأ ينطبق بامتياز على ثورة يناير. منذ ست سنوات ويناير تغير على الأرض، ودعني أسرد بعض المشاهدات الدالة على ذلك، المشاهدة الأولى تتمثل في «الحرب على الفساد»، وهي مقدمة طبيعية لتحقيق العدالة الاجتماعية، ولعلك تلاحظ أن وتيرة الإعلان عن الكشف عن قضايا الفساد تتصاعد بصورة محسوسة كلما اقتربت ذكرى الثورة، حتى كدنا نقول «ليت العام كله يناير»، لأننا نريد أن تكون الحرب على الفساد دائمة ومتواصلة. المشاهدة الثانية تتمثل في تعديل قانون التظاهر، وهو القانون الذي صاحبته زفة من رافضي «يناير» عند صدوره، لكن صمد ضده شباب يدفع ثمن دفاعه عن مبادئ الثورة من حريته، وتيارات ينايرية أصرت على كشف عدم تناغم هذا القانون مع نصوص الدستور، وواصلت سعيها حتى حكمت المحكمة الدستورية العليا بتعديل المادة العاشرة من قانون التظاهر، لتجد الحكومة نفسها مضطرة للامتثال، وبعيداً عن هذه الجهود، لم يستطع القانون أن يوقف التظاهر في الشارع، الكل يذكر مظاهرة موظفي الضرائب ضد قانون الخدمة المدنية، التي أدت إلى دفع مجلس النواب إلى رفضه في نسخته الأولى، ويذكر مظاهرات «الأرض» التي اندلعت دفاعاً عن مصرية جزيرتَي «تيران وصنافير». ماذا يعني ذلك؟ إنه يعنى ببساطة أن إرادة الشعب تجبُّ أي قانون قمعي، وهي مقدمة طبيعية للهدف الأسمى المتمثل في الحرية».
ليس في فمنا ملعقة ذهب
ومن قبيل العتب على تراجع الدعم الخليجي والهجوم على ثوار 25 يناير/كانون الثاني ما كتبه كرم جبر في «اليوم السابع»: «مصر ليست لديها آبار من البترول، ولا مناجم ذهب ومعادن نفيسة، ولم تجُد عليها الطبيعة بثروات خارقة، فهناك دول تستيقظ كل صباح، فتمطر عليها السماء بترولاً ودولارات، دون تعب أو عرق أو مجهود، وهناك دول تشقى وتكد وتعمل ليل نهار من أجل لقمة العيش، ويجب أن ندرك أن مصر دولة من النوع الثاني «اللهم لا قر ولا حسد». مصر كانت راضية بعيشتها رغم افتقاد معايير العدالة الاجتماعية، حتى هبت عليها أعاصير 25 يناير، التي تجيء ذكراها بعد أيام، فجذبت البلاد والعباد إلى الوراء، وتولى أمرها جماعة إرهابية أرادت ابتلاعها، وعصابات من ناشطي الخيانة والتآمر والتسريبات، ولايزال هؤلاء يعيشون حتى الآن على أمل أن تتعثر البلاد، فتسوء أحوال الشعب، ويعم الخراب والفوضى، فيعودوا من جديد فوق الحطام والأشلاء، ويتضاعف يأسهم كلما انفرجت أزمة أو ارتفع بناء. مصر تحفر في الصخر، فالسعودية، مثلا، تنتج كل يوم 10 ملايين برميل بترول، تضخ في خزائنها 400 مليون دولار مع كل طلعة شمس. وروسيا تنتج 11 مليون برميل ثمنها 500 مليون دولار.. حتى دولة قطر تنتج يوميا ما قيمته 105 ملايين دولار. أما مصر فلم تولد وفي فمها برميل بترول، ولا يتجاوز إنتاجها اليومي 50 مليون دولار. مصر تبحث عن أوراق قوتها وتحاول أن تستثمرها بأقصى درجة ممكنة، لم تعد الدولة المنكسرة التي تمد يدها انتظارا لمساعدات أو معونات من الأصدقاء أو الأشقاء، مصر شطبت كلمة مساعدات من قاموسها الاقتصادي واستبدلت بها مشروعات كبرى. سماء بلادنا لا تمطر ذهبا وبترولا، مصر لا تحتمل ربيعا جديدا، لأن ربيع المتآمرين حفرة في قاع جهنم، اكتوت البلاد بنارها ويقف الشعب لهم بالمرصاد».
البرادعي وسنينه
الهجوم على البرادعي لا ينتهي وفي صحف أمس الثلاثاء لاحقه ضمن من لاحقوه محمد علي ابراهيم في «المصري اليوم»: «خلافي مع الرجل كان حول ثلاثة أشياء ما يكتبه وما يفعله وتاريخه ضد بلده. قال مرة على تويتر ما اعتبرته يدل على «تغريبة» الذين ينادون به رئيسا حيث كتب «سنكسر حاجز الخوف كما كسره الألمان في برلين». خوف إيه يا عم.. لا توجد أسوار في القاهرة تفصل بين شعبين.. ولا علاقة لمصر بأجواء الحرب الباردة التي انتهت بسقوط الاتحاد السوفييتي وخروج الدول الشرقية من حلف وارسو. ما شأن هذا بمصر.. وما هذه التشبيهات العجيبة؟ كتب مرة أخرى ستحدث في مصر أمور مشابهة لما حدث في إيران. وكتب الراحل عبد الله كمال أن هذا الرجل يطوف بنا البلاد التي تغيرت من برلين لإيران للعراق.. والتقطنا تشبيها له يقارننا بالعراق ومصيره الذي يراه هو ديمقراطيا آنذاك، هذا الرجل لا علاقة له بالسياسة في هذا البلد. لا بالقانون ولا بالخبرة ولا بالقراءة. كأنه يكتشف مصر بعد أن بلغ الخامسة والسبعين من عمره (مواليد 1935) في 2010. غريب عنا أو مغترب يسعى لحكمنا.. كان كعابر سبيل أراد أن يرتاح على «دكة وثيرة» في مصر تعيده للأضواء.. في كل مرة يتحدث يكشف عن ابتعاده عن المجتمع.. يصورونه وهو يقرأ القرآن في مسجد الحسين يوم الجمعة، بينما القرآن يتلى قبل الصلاة.. لا يعلم أنه «وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون».. يكتب عنا بالإنكليزية لم يعد يطيق البقاء بضعة أشهر متصلة في الوطن. لا يتحمل أن يظل بعيدا عن منزله في فيينا أو منتجعه في جنوب فرنسا، ثم يأتي إلينا سائحا مندهشا، فيحج إليه دعاة التغيير باعتباره قادما ومعه الوصفة السحرية».
طقوس الرئيس
«لا أحد يعرف كيف يتم اختيار الوزراء في مصر، الموضوع لا يخص عهد السيسي وحده ولكن ينسحب على الماضي. بدأ الرئيس السيسي عهده بالرئاسة بطقوس جديدة، تذكرنا بها في «البديل» مها عزام، منها الاجتماع بالوزراء في السابعة صباحا ومطالبتهم بأن يكونوا على مكاتبهم في الثامنة (لم تعد هذه التوجيهات سارية)، كما ظهر أنه يفضل الوزراء الرياضيين الذين يجيدون ركوب الدراجات، وكان أول اختبار للمهندس إبراهيم محلب، جولة بالدراجة أمام الرئيس أثبت فيها اتزانه وجدارته في الاستمرار كرئيس وزراء. حتى هذه اللحظة لا أعرف على وجه الدقة، لماذا تم استبعاد المهندس إبراهيم محلب كرئيس وزراء؟ وتكليف المهندس شريف إسماعيل وزير البترول في وزارة محلب برئاسة الوزراء، كلاهما من مدرسة «حاضر يا ريس، تمام يا فندم» ما يقال عن أن استبعاد محلب بسبب قضية الرشوة التي كان بطلها الدكتور صلاح هلال وزير الزراعة في وزارته،غير صحيح، ففي عهد شريف إسماعيل تمت إقالة خالد حنفي وزير التموين على أثر فضيحة صوامع القمح، أي أن الحال من بعضه، وعلى رأي رئيسنا، في كل ركن في مصر ستجد عشا للفساد فيه. هل كان سبب استبعاد محلب أنه ابن بلد محبوب في الشارع لبساطته وجولاته الميدانية التي كان ينزل فيها بدون حراسة أو موكب؟ بالإضافة لعلاقاته الطيبة بالصحافيين والإعلاميين، هل خشي السيسي أن تتم المقارنة بينه وبين رئيس وزرائه، خاصة أنه لم يظهر ولا مرة واحدة في احتفال رسمي في سيارة مكشوفة كمن سبقوه من رؤساء، فهو دائما في حراسة مشددة لافتة للأنظار، شريف إسماعيل على عكس محلب، فهو صموت قليل الحديث مع الإعلام، يعني بالبلدي «رجل يسير جنب الحيط»، وهو الشخصية المثالية للسيد الرئيس».
هل خسرت
الدولة بسببه؟
الكلمات التالية لكاتب في «المصري اليوم» آثر عدم التوقيع على مقالته ربما لكونه يسبح ضد التيار، كي ينجو بنفسه من الهجوم: «الرداءة.. مخيفة تلك الرداءة التي قوبل بها كل مَن سار عكس التيار السائد لتشجيع أبوتريكة، للدرجة التي أُهيل فيها التراب على الأعراض والسيرة الشخصية لكل مَن قرر أن ينال من اللاعب، أو حتى دافع عن قرار قضائي اعتبره عنوانا للحقيقة، ولم تغادر الرداءة نفسها الفريق الآخر الذي انغلق على رفضه للاعب جملة وتفصيلا، فجاءت ردود أفعاله تغرد بالتشويه والتعريض بكل شيء، والتعميم الفاسد لكل مَن أطلق حكما مؤيدا للاعب وتاريخه وشكَّك في الإجراءات المتخذة بشأنه. (الاصطياد).. لم تترك وسائل الإعلام الموالية للإخوان الفرصة لكي تُظهر تناقضا حادا في أداء ما سمته «الأذرع الإعلامية للنظام»، التي أيد كثير منها على هواء برامجهم اللاعب حبا وتعاطفا، بل عدَّدوا مآثره وكيف كان صانعا للبهجة للمصريين طوال سنوات، وتساءلوا: كيف يكون مَن صنع لنا البهجة سنوات إرهابيا في لحظة؟ فلم يفت الإخوان أن يلعبوا على وتر الإساءة إلى القضاء برمته في ظل تلك الحالة، لتعكس قصة اللاعب شذوذا وظفوه لصالح أغراضهم واغتنمتها وسائلهم، التي لا تقترب من المهنية قط وقفزت على الحقائق بقصد سياسي. (الشعبوية).. كانت ممارسة التلقي عامة شعبوية، وفق نفسية الشعوب المقهورة، حتى أن وسائل الإعلام التي تسير في ركب السلطة خشيت من هجمة المحبين، واختارت أن تتجاوز قناعاتها المعلنة، فالتزم بعضها الجانب الإخباري للقصة دون إعلان موقف. أما البعض الآخر فخرج عن خطه التحريري تماما، وأسقط على صفحاته أو شاشته بعضا من مواقف التأييد الحريص للاعب لمغازلة السائد والنجاة من رد الفعل العنيف للمؤيدين. (الخسارة).. خسر الجميع ولكن أول الخاسرين دولة لا تستطيع أن تدافع عن قضاياها».
إنه زمن الرويبضة بحق
«لماذا يحاكم وحده المستشار هشام جنينة رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات المقال عما قالت المحكمة في حيثياتها أنها «أخبار كاذبة»، رغم أن العديد من قضايا الفساد التي كشف النقاب عنها في الفترة الأخيرة عززت ما ذهب إليه جنينة بشأن توحش الفساد واستشرائه في العديد من المرافق، وبدوره يتساءل سليمان الحكيم في «مصر العربية»: «لماذا لا يحاكم الفريق مميش مثلا عن الأخبار الكاذبة التي روج لها بالحديث عن عشرات المليارات التي ستدرها «القناة الجديدة» سنويا والتي ثبت بعد ذلك كذبها الواضح؟ ولماذا لا يحاكم اللواء عبدالعاطي عن جهازه العبقري لعلاج فيروس سي والإيدز وغيرها من الأمراض، وثبت أن ذلك كان أكذوبة شارك السيسي في الترويج لها بنفسه؟ ولماذا لا يحاسب السيسي نفسه حتى الآن عن الأخبار الكاذبة التي روج ولا يزال يروج لها عن إنجازات وهمية لم ير الشعب لها أثرا في الواقع؟ ولم يحاسب رئيس البنك المركزي عن تصريحاته التي وعد فيها بوصول سعر الدولار إلى 4 جنيهات، بينما وصل سعره إلى الـ 20 جنيها، رغم ما وعد به السيسي بأن الجميع سيتسابق للتخلص مما في حوزته من دولارات بعد هبوطه إلى أدنى سعر؟ أليست تلك كلها أخبارا كاذبة يجب أن يحاكم عليها أصحابها؟ أم أن من يكذب على الشعب لدعم السيسي ونظامه يصرح له بالكذب دون حساب، والذين يصارحون الشعب بواقعه المرير هم الكاذبون حتى إن صدقوا؟ إنه زمن الرويبضة بحق.. زمن يصدق فيه الكاذب ويكذب فيه الصادق كما أنبأنا الرسول «صلى الله عليه وسلم» في حديثه الشريف».
إسرائيل تربح دائماً
«من دون أن تطلق رصاصة واحدة في معركة تيران وصنافير المشتعلة بين مصر والسعودية، حققت إسرائيل انتصارات سياسية لم تكن تتوقع الحصول عليها، مطالب السعودية المحمومة بالحصول على الجزيرتين، تثير العديد من التساؤلات الخطيرة، فاستيلاء السعودية على الجزيرتين سيقدم لإسرائيل كنزا إستراتيجيا لا يقدر بثمن، سيضمن لها ــ بالقانون الدولي – وفق رؤية محمد عصمت في «الشروق» حق الملاحة في خليج العقبة، بعد أن يصبح ممرا بحريا دوليا، وليس خاضعا للسيادة المصرية.
كما أن عودة الجزيرتين للسعودية يفرض عليها تحقيق «تفاهمات ما» إن لم يكن اتفاقيات أمنية واضحة مع إسرائيل، ستتبعها بالتأكيد خطوات سياسية أخرى، قد تفتح كل أبواب الاحتمالات أمام تطبيع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، التي ستفتح بدورها الباب أمام بقية دول الخليج لتحذو حذو المملكة، وهي عملية تبدو وكأنها توصيل الخدمات الإستراتيجية لإسرائيل حتى المنازل. مثل هذا السيناريو سوف يكون بالطبع على حساب الحقوق الفلسطينية الإستراتيجية، فالاعتراف الرسمي العربي الواسع بدولة إسرائيل، سيجعلها كالعادة تتشدد في الملف الفلسطيني الذي سيحتل ركنا هامشيا في الاهتمام الدولي والعربي. كما جاء تعامل الحكومة المصرية مع ملف الجزيرتين نموذجا صارخا للفشل السياسي، فوزارة شريف إسماعيل كانت مضرب الأمثال في الاعتداء على الدستور، والتعدي على مبادئ الفصل بين السلطات، وتحدي أحكام القضاء حكومتنا أصبحت مرفوضة شعبيا لأسباب اقتصادية وسياسية، وعلاقتها بالسعودية معرضة لمزيد من التدهور، وموافقتها على التحكيم الدولي في نزاعها مع السعودية حول الجزيرتين سيعرضها لهبات جماهيرية لن تستطيع مواجهتها بسهولة، ورفضها للتحكيم سيفقدها حليفها الخليجي الكبير، وهو وضع يضعها في مأزق مصيري خطير، يصب أيضا في مصلحة إسرائيل لأنه يضعف موقف خصومها المفترضين في العالم العربي».
السيسي أم ترامب هدية لإسرائيل؟
«احتفال واشنطن بانتخاب الرئيس الأمريكي الجديد خطف الأضواء وصرف انتباهنا عن العرس المقام في تل أبيب بمناسبة بداية عهد «أمريكا الجديدة» التي تحتل إسرائيل في خرائطها موقعا أكثر تميزا من ذي قبل. وهو ما يلفت الأنظار إليه فهمي هويدي في «الشروق»، ذلك أن الرئيس الجديد لم يتوقف منذ حملته الانتخابية عن توجيه رسائل الغزل والعشق لكل ما هو إسرائيلي، حتى دعا إلى حفل تنصيبه وفدا من قيادات غلاة المستوطنين، وأهدى إليهم سفيرا من أهلهم وفريقا من أنصارهم. ليس ذلك فحسب، وإنما إلى جانب محبته لهم فإنه لم يخف كراهيته للإسلام، واعتزامه إقصاء المسلمين. وهو ما ظهر جليا في حفل تنصيبه الذي دعا إليه ممثلا للمسيحيين وآخر عن اليهود، لكنه تجاهل المسلمين ولم يدع أحدا منهم، ولا ينسى له أنه تحدث عن منعهم من دخول الولايات المتحدة، رغم أنه يحكم بلدا يعيش فيه أكثر من ثلاثة ملايين مسلم، ويحتل الإسلام فيه المرتبة الثانية بعد المسيحية، تتقدمان في ذلك على اليهود. لقد دأب بعض الحاخامات على وصف التطورات العربية المواتية لها التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة بأنها «معجزات» أهداها الرب لإسرائيل، إلا أن وصول الرئيس دونالد ترامب اعتبر في نظرهم «أم المعجزات»، لأنه سيحقق لإسرائيل ما لم يحققه لها السابقون، إذ يتوقعون في ظل رئاسته أن يختفي الحديث عن مشروع الدولتين، الذي تحمس له سلفه الرئيس أوباما، كما توقعوا أن يطلق العنان للاستيطان، وأن يعترف بإسرائيل دولة لليهود فقط، أما مسألة نقل السفارة إلى القدس فإن القرار فيها بات مفروغا منه ضمن مواقف أخرى تلغي القرارات الدولية التي تنتقد الممارسات الإسرائيلية. إلى جانب ذلك فمعركته ضد الإرهاب ستتجاوز قمع المقاومة في فلسطين ومحاولة تركيع الفلسطينيين، وستصل إلى حد الدعوة إلى إلغاء الاتفاق النووي مع إيران، وإضاءة الضوء الأخضر الذي يتيح لإسرائيل قصف المنشآت النووية الإيرانية. هذا الكلام ليس استنتاجا من جانبي، ولكنه تلخيص لما أوردته أغلب الصحف الإسرائيلية خلال الأسابيع الأخيرة، وأحدث ما قرأته في هذا الصدد، مقال نشرته صحيفة «معاريف» في 20/1 لجدعون ساعر الوزير السابق ومنافس نتنياهو على زعامة الليكود، إذ تحدث عن دلالات «الانعطافة الدراماتيكية لصالح إسرائيل في السياسة الأمريكية». كما نشرت صحيفة «يديعوت أحرونوت» مقالا في اليوم نفسه للجنرال عاموس يادين رئيس معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي، تحدث فيه عن فرصة الضوء الأخضر لضرب المنشآت النووية الإيرانية».
حسام عبد البصير