«تيران وصنافير مصريتان وسيادة مصر عليهما مقطوع بها ولم يكن جيشنا أبدا جيش احتلال والحكومة لم تقدم وثيقة تغير تلك الحقيقة « هذا النص هو منطوق الحكم الذى أعلنه المستشار أحمد الشاذلي رئيس المحكمة الادارية العليا ليغلق الباب امام جميع الاجتهادات ويؤكد أن تيران وصنافير جزيرتان مصريتان.
هذا الحكم لم يكن الأول من نوعه فقد سبقه حكم من محكمة القضاء الاداري برئاسة المستشار يحيى الدكروي، والذي قضى ببطلان اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين مصر والسعودية، ومع ذلك لم تذعن الحكومة المصرية لهذا الحكم وطعنت عليه من خلال هيئة قضايا الدولة، وجاء حكم الإدارية العليا متماشيا مع حكم القضاء الإداري ومع آراء شيوخ القضاء الإداري أمثال المستشار طارق البشري الذي قال كلمته التاريخية «التنازل عن السيادة ليس من أعمال السيادة».
السيسي في خطابه الشهير منتصف نيسان/أبريل من العام الماضي أكد أمام وزيري الدفاع والخارجية ومدير المخابرات العامة بأن كل البيانات والوثائق الصادرة عن تلك الجهات سالفة الذكر لتؤكد على حق الجزيرتين للمملكة العربية السعودية، ولكن أحكام مجلس الدولة سواء القضاء الإداري أو المحكمة الإدارية العليا أكدا على «أن سيادة مصر على جزيرتي تيران وصنافير، مقطوع بها، وأن دخول الجزيرتين ضمن الأراضي المصرية أثر للسيادة المستقرة، وأن الحكومة لم تقدم ثمة وثيقة أو شيئا آخر يغير أو ينال من تلك السيادة المستقرة.»فالسؤال فأين تلك البيانات والوثائق التي قال عنها السيسي.
على مجلس النواب المصري أن يحترم أحكام القضاء لأنها أحكام نهائية وواجبة النفاذ ولا يجوز الطعن عليها، لأن رئيسه كان هو الطاعن الثالث وذلك إن الحكم صار حجة على مجلس النواب، ومن ثم فيجب عليه عدم مناقشة تلك الاتفاقية، أما إذا أصر على مناقشة تلك الاتفاقية فانه بذلك يضرب بأحكام القضاء عرض الحائط – وقد فعلها هذا المجلس قبل ذلك عندما رفض تنفيذ حكم محكمة النقض بتعيين عمرو الشوبكي عضوا بالبرلمان – مما سيدخل البلاد فى أزمة دستورية طاحنة، فتلك المناقشة تؤكد على تداخل بين السلطات فضلا عن أنها تمثل انتهاكا صارخا للدستور، وقد ذكرت المحكمة الإدراية العليا في حيثياتها بأنه قد « أضحت يد مجلس النواب هي الأخرى، بنص الدستور والقانون معًا، مغلولة ومحظورا عليه مناقشة أية معاهدة تتضمن تنازلاً عن جزء من إقليم الدولة، ومنها الجزيرتان محل الطعن الماثل، وما يخالف ذلك من جانب السلطتين التنفيذية والتشريعية هو والعدم سواء.» وذلك وفقا لما نصت عليه اللائحة الداخلية لمـجلس النـواب في مـادتها 197.
النظام المصري عليه الإذعان للحكم وتنفيذه، وأن يعلن بكل وضوح وصراحة أنه أخطا عندما قام بالتوقيع على تلك الاتفاقية، وعليه أن يتحمل تبعات خطئه سواء كانت استقالة أو إقالة أو محاكمة سياسية أو جنائية له، فهو بكل وضوح أجرم في حق هذا الوطن، وكاد أن يتنازل عن السيادة على جزء من مصر لولا وجود قضاة يحترمون الدستور ويؤمنون بمبدأ الفصل بين السلطات ويعتقدون بأن مصر دولة ذات سيادة ولا يجوز التنازل عن أى جزء منها.
تنفيذ الحكم القضائي يعني معاقبة ومحاكمة كل من كان سببا في إبرام تلك الاتفاقية، لأن هذا الحكم قال في الحيثيات « أن التنازل عن الجزيرتين سيفقد مصر حقوقها التقليدية على مياهها الإقليمية التي مارستها عبر قرون، فضلاً عما يشكله من تهديد دائم للأمن القومي المصري، وإضرار بمصالحها الاقتصادية في مياهها الداخلية الإقليمية» ووفقا لهذا النص صارت معاقبة المتورطين في تلك الاتفاقية واجبة لأنهم هددوا الأمن القومي المصري وأرادوا الإضرار بمصالح مصر الاقتصادية.
تداعيات هذا الحكم كثيرة فقد أظهر هذا الحكم عورة هذا النظام، وأنه لا يمتلك الحد الادنى من الكفاءة التي تؤهله لقيادة البلاد، وأنه يدخل البلاد فى كوراث وأزمات سياسية، ولأول مرة فى مصر كانت هناك مظاهرات من أجل الحفاظ على الارض المصرية بعد تحرير سيناء، والأغرب أن هذا النظام اتهم الجيش المصري بانه كان محتلا لتلك الجزيرتين – وقد نفت المحكمة تلك التهمة عن الجيش المصري -، كما كان هناك معتقلون تم اعتقالهم بسبب مطالبتهم بمصرية الجزر، كما كشف الحكم الغطاء عن نخبة لا تؤدي أي دور الا التطبيل للنظام مثل البرلماني الذي أصدر كتابا فور توقيع الاتفاقية ليثبت عدم مصرية الجزيرتين وأقسم لو أن الجزيرتين مصريتان فسوف يقدم استقالته من البرلمان، كما أن هناك ضباطا متقاعدين وآخرين مازالوا بالخدمة كانوا يتجولون ليل نهار على الفضائيات ليثبتوا بأن الجزر ليست مصرية، وذهب أحدهم إلى القول بأن سيناء لم تكن جزءا من حدود مصر في عهد الدولة العثمانية، كل هؤلاء وغيرهم ممن انساقوا وراء النظام في تسويق عقيدة باطلة يجب ان ينالوا جزءا ما اقترفت ايديهم والسنتهم.
وفقا للقانون الدولي فان تلك الاتفاقية لم يعد لها وجود وأصبحت كأنها لم تكن، وذلك لما نصت عليه اتفاقية فيينا لعام 1969 والمتعلقة بالمعاهدات والاتفاقيات الدولية، فقد نصت اتفاقية فيينا على أن المعاهدات لن تكون سارية إلا بعد التصديق عليها من قبل جهات الاختصاص الداخلي في كلا الدولتين، وأن الإقرار ليس سببا في سريان الاتفاقية، واذا لم يتم التصديق عليها فإن الاتفاقية تعد كأن لم تكن، وبالتالي لا يجوز لأحد طرفي الاتفاقية اللجوء إلى الأمم المتحدة أو التحكيم الدولي، لأن شرط اللجوء إلى الأمم المتحدة أن تكون تلك الاتفاقية مسجلة في سجلات الأمم المتحدة، ولا يتم تسجيل أي اتفاقية إلا بعد التصديق عليها من الجانبين، وهوما لم يتحقق حتى الآن، أما التحكيم الدولي فلا يجوز اللجوء إليه إلا بموافقة الطرفين، وإذا وافقت الحكومة المصرية على اللجوء للتحكيم الدولي فإنها ستدخل نفسها في أزمة مع القضاء ومن قبله الشعب المصري.
أبناء مصر الذين قاوموا هذا النظام واتفاقيته فدفعوا جزءا من حرياتهم وانفقوا الملايين من أموالهم وسهروا الليالي يتحسسون الوثائق التي تثبت ملكية مصر للجزيرتين، فهؤلاء هم وقود مصر المدافعون عن ترابها في كل وقت، والحامون لحدودها في كل زمان، فهؤلاء ليس لهم أى مصلحة إلا الوطن.
كاتب مصري
عاصم عليوه