القاهرة – إيمان السيد: سبع سنوات دراسية، ثم سنة «امتياز» محسوبة كسنة دراسية، هذه هي «بداية» المشوار التعليمي لطالب الطب المصري، ليصير بعدها ممارسا عاما. لا ينتهي به الحال عند هذه المرحلة، بل يحاول أن يحصل على درجة «الدبلوم» أو «الماجستير» للتخصص، بمدة لا تقل عن ثلاث سنوات. أما إذا كان من «الذكور» سيئي الحظ، فربما تطاله نار الخدمة العسكرية لثلاث سنين أخرى كضابط احتياط، كل هذا العمر الضائع وكل هذه السنين وكل هذه الدراسة لأجل أن يتعين في وزارة الصحة براتب لا يزيد عن 1000 جنيه يزيد قليلاً أو ينقص (50 دولارا) شهرياً.
مع ذلك، مازالت الطب كلية القمة، حلم الغالبية العظمى من طلاب الثانوية العامة، وطموح الآباء والأمهات بلقب «دكتور» التي تلتصق بأسماء ذويهم مدى الحياة. مازالت الطبقة المتوسطة تعلي من شأن الاعتبارات الاجتماعية أكثر من المصلحة العامة واحتياجات السوق. وبين هذا وذاك، الصدمة التي يتلقاها طالب الطب في سنوات دراسته الأولى مستمرة، تحت شعار «وضاع العمر».
ثماني عشرة كلية طب حكومية، بالإضافة إلى الكليات الخاصة، تستقبل سنويا عشرات الآلاف من الطلاب. في أروقة كلية الطب الأعرق في مصر «قصر العيني» بمبانيها الكالحة، التي لم يبق منها حتى رونق التاريخ، ودخلت عليها إصلاحات الحداثة العرجاء، فزادت من قبحها، وصارت مسخا يشبه تضاريس الطبقة المتوسطة، تبدو وجوه الطلاب غارقة في شجونها. الأقدام تذرع الممرات بين قاعات المحاضرات والمستشفيات الجامعية، كأنها تبحث عن شيء ما.
الطالب محمد القاضي (20 سنة) في السنة الرابعة، ويقطن في حي قريب من الكلية، (مصر القديمة). قال لـ»القدس العربي»: «كلية الطب حلم والدي المتوفي، أما أنا فكنت أريد أن أدخل كلية فنون جميلة».
ويضيف: «تخيل نفسك سبع سنين امتحانات ومذاكرة يومية، الحياة لا تطاق في الكلية والنتيجة في الآخر مرتب ضعيف، السنة القادمة في الدراسة سوف أمتحن 3 شهور وأدرس قبلها 6 شهور لأن السنة الدراسية سنة ونصف».
قربه فتاة محجبة، تنظر إلى الأرض وتمشي كظل للحوائط بالية الألوان، شيماء محمد، في السنة السادسة (الأخيرة) بالكلية.
قال لـ»القدس العربي»: «أنا كرهت الكلية لكن بعد فوات الأوان».
شيماء تعثرت في السنة الثالثة بسبب خلاف مع أحد أساتذة الكلية. توضح «الخلاف كان على مسألة سياسية لا علاقة لها بالدراسة».
وتتابع «أنا بسبب سنة الرسوب من سبع سنين لثمان، يعني زملائي في كلية تجارة تخرجوا ويعملون منذ أربع سنين، هذا جحيم!»
طلاب الطب في مصر منهكون دائما، لكن جحيم الدراسة لا يقارن بما بعد التخرج، فطبيب الامتياز يعاني من صلف الأساتذة ورؤيتهم المتعسفة في منافس مستقبلي محتمل ينافسهم في سوق العمل.
حسن يحيى طبيب امتياز يقول: «الدكتور الكبير سهل عليه يموّت مريض ولا إنه يعلمنا، ونحن نتعلم بذراعنا بالتجربة والخطأ».
ومن جحيم الامتياز إلى كابوس التعيين، الطبيب في امتحانات دائمة داخل الكلية، وخارجها بالدراسات العليا التي تحدد تخصصه، ثم الامتحان الأكبر، بأن يستطيع أن يعيش في هذا البلد بنفقاتها الباهظة وراتبه القليل الشحيح وأمل المعيشة الجيدة مستقبلا!
سنوات الدراسة الطويلة، تتبعها سنوات التدريب الشاقة، ومن ثم مستقبل مجهول، من يعيد كل هذا العمر الضائع لملائكة الرحمة المحبوسين داخل أحلام الطبقة الوسطى، والواقع المنحط.