ترامب وفن تدمير العالم: اسبوع من الحرائق المشتعلة واغضاب الحلفاء وتزلف بريطانيا

حجم الخط
1

كان الأسبوع الأول للرئيس ترامب في المكتب البيضاوي فوضويا بكل المعنى، فعلى الصعيد المحلي تبدو كل القرارات التنفيذية التي وقعها من إعادة العمل ببناء خط أنابيب النفط «اكسل كي ستون» الذي يمر عبر مناطق الهنود الأصليين إلى الجدل حول بناء الجدار على طول خطوط المكسيك لن تجد طريقها إلى النور بسبب ما يعتريها من ثغرات قانونية وموقف الكونغرس. إلا أن ترامب في حلقاته الجديدة من «تلفزيون الواقع» التي يبثها من البيت الأبيض استطاع أن يحقق نجاحا عندما وصلت رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي كأول مسؤولة أجنبية للقائه. وهي الزيارة التي حظيت بنقد داخل بريطانيا كونها جاءت في ظل تصريحات الرئيس حول المكسيك وخطط منع المهاجرين من دول إسلامية «تعاني من العنف المتطرف».

فوضى خارجية

وعلى الصعيد الخارجي أعلن ترامب عن خروج أمريكا من معاهدة التجارة الحرة ووقف الدعم لمؤسسات في الأمم المتحدة. ورغم حماسه لنقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس خفض فريقه حجم التوقعات بشأنها. وأظهر على الساحة الخارجية تناقضا، فهو وإن قال إنه مع التعذيب أو اسلوب التحقيقات المعزز إلا أنه عاد يوم الجمعة وقال إن الأمر بيد جنرالاته، خاصة وزير دفاعه الجنرال جيمس ماتيس الذي يرى أن الأسلوب لا يجدي نفعا. ومجرد فتح ترامب موضوع التعذيب فإنه يفتح بابا للجدل خاصة داخل «سي آي إيه» التي انتقد قادتها واتهمهم بتسريب الملف القذر الذي جمع فيه الروس معلومات حساسة عنه. وكما يقول ديفيد إغناطيوس في «واشنطن بوست» (26/1/2017) فهناك قانون يحظر التعذيب ولهذا السبب فطرحه يعتبر «صدمة للضمير» وسترفض الكثير من الدول الأجنبية مشاركة أمريكا بالمعلومات إن عادت لاستخدامه. وبدا الانفصام بين تعليقاته المدمرة والطريقة الحساسة للحكم من خلال مسودة قرار تنفيذي لاعادة العمل بالسجون السوداء حصلت عليها «نيويورك تايمز» مع أن المتحدث باسم ترامب شون سبايسر أكد «لا علاقة للبيت الأبيض بها» إلا أن ترامب بعد ساعات من تصريحات متحدثه الإعلامي كان يقول أن التعذيب «فعال» و «يجب قتال النار بالنار». وحذر إغناطيوس من أثر هذه التصريحات على الإدارة الجديدة خاصة وكالة الاستخبارات المركزية لأنها تجعل مهمة مديرها الجديد مايك بومبيو معقدة. ويقول إن الحرائق التي أشعلها في اسبوعه الأول جعلت فريقه منشغلا بإطفائها بدلا من التركيز على الواجبات المهمة.

حلفاء خائفون

ومن هنا سيجد جيمس ماتيس وريكس تيلرسون وزيرا الدفاع والخارجية صعوبة في تطمين قادة الدول الخارجية. وكانت أول مكالمة يجريها ماتيس مع الأمين العام لحلف الناتو حيث أكد له أن أمريكا ستواصل دورها كقائدة للعالم مع أن ترامب شكك في الحلف ووصفه بالمتهالك. وسيزور ماتيس اليابان وكوريا الشمالية في أولى رحلاته الخارجية وبعدها أوروبا قبل أن يشارك في مؤتمر ميونيخ للأمن. ونقلت صحيفة «نيويورك تايمز» (26/1/2017) عن جاك ريد، السناتور الديمقراطي عن رود أيلاند وعضو لجنة القوات المسلحة «الجنرال ماتيس مستعد لتقديم أفضل ما عنده من نصائح للرئيس حتى لو لم يرغب الرئيس للإستماع لها»و «السؤال إلى متى سيظل يفعل هذا بدون أن يحصل على رد؟». وكشفت الصحيفة عن طلب ترامب من وزارة الدفاع تطوير خطة سريعة لمكافحة تنظيم «الدولة» وكذا طلب من ماتيس وتيلرسون تقديم خطة عن كيفية إنشاء مناطق آمنة في سوريا خلال 90 يوما. وخطط كهذه يرى فيها المراقبون تورطا أمريكيا أوسع. ولطالما رفضت إدارة أوباما الاستماع للمطالب التركية بإنشاء مناطق حظر جوي في شمال سوريا. ومن هنا فالتصريحات النارية التي يطلقها ترامب تقوض قدرته على معالجة القضايا الحساسة كما بدا في موضوع التعذيب مثلا والذي يؤثر على مكافحة الإرهاب.

أوروبا القلقة

وبدا لقاؤه مع تيريزا ماي استثناء حيث لم يخرج على النص والتزم بما كتب له وتبادل معها كلمات الثناء والإطراء حيث لعبت ماي على نرجسيته المفرطة عندما هنأته على فوزه «المدهش» وقدمت دعوة له وللسيدة الأولى من الملكة لزيارة بريطانيا هذا العام. ويجب قراءة مسارعة رئيسة الوزراء إلى واشنطن رغم القلق داخل بلادها من الرئيس الأمريكي على أنها ركض يائس من رئيسة وزراء تخلت عن السوق المشتركة وتواجه مصاعب للتفاوض حول الخروج من الاتحاد الأوروبي. ووصف جوناثان فريدلاند في «الغارديان» (27/1/2017) مسارعة ماي لمصافحة يد ترامب الصغيرة بأنه مذل وأنها محاولة لقطع الطريق على نايجل فاراج، زعيم حزب الاستقلال السابق والذي كان أول من يلتقي ترامب ومايكل غوف، وزير العدل السابق الذي منحه ترامب مقابلة صحافية نشرتها صحيفة «التايمز» بداية هذا الشهر. وقال فريدلاند إن حصول ماي على دعم ترامب «100٪ لحلف الناتو» وإن كان نقطة مهمة في زيارتها إلا أن خلف الكلام اللطيف حالة يأس يعرفها ترامب، فهو كمقاول عقارات يفهم أن ماي بعد فترة ستكون بدون بيت عندما تخرج من الاتحاد الأوروبي ولهذا فهي بحاجة ماسة لبيت جديد. وبحدسه التجاري يعرف استعداد المضطر لدفع أي ثمن يعرض عليه. فماي بحاجة لأي صفقة مهما كانت صورتها لتثبت أن «البريكسيت» لم يكن كارثة. وستظل المنافع الاقتصادية التي ستحصل عليها بريطانيا قليلة مقارنة مع علاقتها مع أوروبا. ولكن الخسارة ليست اقتصادية بل علاقة الجوار. فموقف ماي المتسرع يتناقض مع مخاوف المستشارة الألمانية انغيلا ميركل التي تحدثت تلميحا يوم الجمعة عن مخاطر الرئيس الجديد الذي يقوم بتقويض النظام العالمي. ويرى فريدلاند أن هناك سذاجة في التسرع البريطاني تشبه مواقف الجمهوريين الذين تعاملوا معه العام الماضي وظنوا أنهم قادرون على تغيير تصرفاته. فالحكومة البريطانية تعتقد أن بإمكان ماي أن توجه ترامب نحو أهمية الناتو والمؤسسات المرتبطة بالأمم المتحدة. وهذا تعلل بالأماني فلن يتغير ولا يمكنه التغير كما أظهرت جنونيات أسبوعه الاول.
ويقول فريدلاند أن ترامب عادة ما يتفق مع آخر شخص يتحدث إليه. فهو وإن أكد على العلاقة الخاصة مع ماي التي أخطأ في لفظ اسمها، يعرف أن علاقته الخاصة تكمن مع شخص واحد وهو فلاديمير بوتين الذي تحدث معه يوم السبت وكذا مع ميركل وفرانسوا أولاند، الرئيس الفرنسي.

ألمانيا وفرنسا

وترى»واشنطن بوست» (27/1/2017) أنه بعيدا عن المشاعر الشخصية فالفجوة بين قادة ألمانيا وفرنسا والولايات المتحدة تبدو واسعة نظرا لمواقف ترامب من الناتو وانتقاده للاتحاد الأوروبي ووصفه سياسة الترحيب بالمهاجرين التي تبنتها ميركل بالكارثة. وفوق كل هذا مخاوف برلين وباريس على الأمن الأوروبي وسط إشارات عن إصلاح العلاقات الأمريكية- الروسية وعروض ترامب إعادة النظر في العقوبات المفروضة على موسكو بعد تدخلها في أوكرانيا مقابل تخفيض السلاح النووي الروسي. وتشعر ألمانيا تحديدا بالخوف خاصة أنها هدف لعملية تضليل إعلامي روسية في عام تشهد فيه البلاد انتخابات حاسمة تحاول فيها ميركل الفوز بولاية رابعة. وينظر لألمانيا على أنها نقطة مضادة لأمريكا ترامب. فرغم كون ميركل تمثل يمين- الوسط إلا أنها مع حقوق الإنسان والتجارة الحرة ومواجهة التغيرات المناخية ومع فرض عقوبات على روسيا. وكزعيمة لأكبر اقتصاد في أوروبا فبيدها القرار وهي خائفة. ولهذا قالت في مؤتمر صحافي مشترك مع أولاند يوم الجمعة «نشاهد تغيرا مطردا ودراميا في الإطار الدولي وعلينا الرد على هذه التحديات عندما يتعلق الأمر بالمجتمع الحر والدفاع عن التجارة الحرة». وكان وزير الخارجية الذي سيتسلم المنصب الرئاسي الإسمي في ألمانيا فرانك وولتر شتاينمر أكثر صراحة في وصفه للحالة الأمريكية حيث قال في تصريحات لصحيفة «سودويتش زيتونغ» أنه لم ير شيئا مثيرا للقلق مثل ترامب. والفجوة نفسها موجودة مع فرنسا التي اتهم وكالاتها الأمنية بالتقصير وأنها لم تكن قادرة على منع هجمات إرهابية راح ضحيتها المئات. فعندما قتل مهاجم 86 في نيس واعدم قس في قرية أعلن ترامب «لم تعد فرنسا فرنسا» وهو ما أغضب قادتها. وكان أولاند، صريحا في دعوته الأمريكيين رفض ترامب حيث قال إن «إسرافه يجعلك ترغب بالتقيؤ». وقبل يوم واحد من حديثه مع ترامب أعلن أولاند أن الرئيس الأمريكي «يمثل تهديدا على مستقبل أوروبا». وهو أمر قررت بريطانيا تجاهله والتركيز على مصالحها الشخصية أو كما قال وزير الخارجية البلجيكي السابق غاي فيرهوفستاد في «بروجيكت سيندكيت»(26/1/2017) تريد أن تركب حصانين في وقت واحد. ولهذا غيرت سياستها الخارجية على حساب حماية أوروبا الموحدة. وكما علقت مجلة «إيكونوميست» (28/1/2017) فالزيارة هي تعبير عن حالة يأس بريطانية في وقت لم يعد لها أصدقاء كثر في القارة. وستكتشف مي أنها راهنت على حصان حرون لا يوثق بكلامه.

ترامب وفن تدمير العالم: اسبوع من الحرائق المشتعلة واغضاب الحلفاء وتزلف بريطانيا

إبراهيم درويش

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية