حدثان تسيدا المشهد في غرّة 2017، وضاعفا من حالة القلق المخيم أصلا على كوكب الأرض. الحدث الأول، محتوى خطاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في إحتفال تنصيبه، والذي أكد فيه تعهداته إبان حملته الإنتخابية، وضمّنه ذات المعاني تحت شعار أمريكا أولا. وقد أثار الخطاب موجة رفض عارمة في مختلف الأوساط، يمينا ويسارا، بل وذهب البعض إلى مدى تشبيهه بأطروحات هتلر والنازيين الجدد. أما الحدث الثاني، فكان إجتماع قمة زعماء أحزاب اليمين المتطرف في اوروبا والذي وصف بالقمة الأوروبية المضادة التي تجسد طموحات وتطلعات اليمين المتطرف قبل الانتخابات التي ستجرى في عدة بلدان أوروبية هذا العام. والحدثان مترابطان، ويغذي كل منهما الآخر، ويشكلان معا نذر إحتمالات عاصفة، ترفض قيم التسامح، وتعزز الخوف من الآخر، وتهاجم بضراوة أسس النظام الليبرالي، وتهدد بعودة النازية.
صاحب كتاب «نهاية التاريخ»، فرانسيس فوكاياما، ذرف الدمع مدرارا في مقال له بعنوان «أمريكا ترامب والنظام العالمي الجديد» نشر في الفاينانشيال تايمز، عدد السبت 12 تشرين الثاني/نوفمبر 2016، واصفا إنتصار ترامب بنقطة تحول مفصلية، ليس ﻓﻘﻂ ﺑﺎﻟﻨﺴﺒﺔ ﻟﻠﺴﻴﺎﺳﺔ ﺍﻷﻣﺮﻳﻜﻴﺔ، ﺑﻞ ﻭﻟﻠﻨﻈﺎﻡ ﺍﻟﻌﺎﻟﻤﻲ ﺑﺄﺳﺮﻩ. وقال «يبدو ﺃﻧﻨﺎ سنلج ﻋﺼﺮﺍ جديدا من القومية الشعبوية، يتعرض فيها النظام الليبرالي، الذي أخذ في التشكل منذ خمسينات القرن العشرين، ﻟﻠﻬﺠﻮﻡ ﻣﻦ ﻗﺒﻞ ﺍﻷﻏﻠﺒﻴﺎﺕ الديمقراطية الغاضبة والمفعمة بالطاقة والحيوية. ثمة خطورة هائلة من الإنزلاق نحو عالم من القوميات المتنافسة والغاضبة في نفس الوقت، وإذا ما حدث ذلك فإننا بصدد لحظة تاريخية حاسمة أشبه بلحظة سقوط حائط برلين 1989». ويقول فوكاياما أن الذين صوتوا لترامب هم سكان المساحات الشاسعة ﻣﻦ ﺍﻟﻤﻨﺎﻃﻖ ﺍﻟﺮﻳﻔﻴﺔ ﻭﺍﻟﺒﻠﺪﺍﺕ ﺍﻷﻣﺮﻳﻜﻴﺔ ﺍﻟﺼﻐﻴﺮﺓ، وﺍﻟﻌﻤﺎﻝ ﺍﻟﻤﻨﻀﻮوﻦ ﻓﻲ ﺍﻟﻨﻘﺎﺑﺎﺕ ﺍﻟﻤﻬﻨﻴﺔ ﻭﺍﻟﺬﻳﻦ ﻛﺎﻧﻮﺍ ﻗﺪ ﺗﻠﻘﻮﺍ ﺿﺮﺑﺔ ﻣﻮﺟﻌﺔ ﺑﺴﺒﺐ ﺗﺮﺍﺟﻊ ﺍﻟﻤﺸﺎﺭﻳﻊ ﺍﻟﺼﻨﺎﻋﻴﺔ، ﻭﺧﺎﺻﺔ ﺃن ترامب وﻋﺪﻫﻢ ﺑﺄﻥ «ﻳﻌﻴﺪ ﻷﻣﺮﻳﻜﺎ ﻣﻜﺎﻧﺘﻬﺎ ﺍﻟﻌﻈﻴﻤﺔ» ﻣﻦ ﺧﻼﻝ إﺳﺘﻌﺎﺩﺓ وظائفهم ﺍﻟﺘﻲ فقدوها ﻓﻲ ﻗﻄﺎﻉ ﺍﻟﺼﻨﺎﻋﺔ.
ويذكرنا فوكاياما بأن القوى المصوتة لترامب هذه، هي من ذات العينة التي صوتت لصالح خروج بريطانيا من الإتحاد الأوروبي، وأن الأمر ذاته ينطبق ﻋﻠﻰ ﻓﺮﻧﺴﺎ ﺣﻴﺚ ﻧﺠﺪ ﺃﻥ ﻧﺎﺧﺒﻲ الطبقة ﺍﻟﻌﺎﻣﻠﺔ ﺍﻟﺬﻳﻦ ﻛﺎﻥ ﺁﺑﺎﺅﻫﻢ ﻭﺃﺟﺪﺍﺩﻫﻢ ﻓﻲ ﺍﻟﻌﺎﺩﺓ ﻳﺼﻮﺗﻮﻥ ﻟﺼﺎﻟﺢ ﺍﻷﺣﺰﺍﺏ ﺍﻟﺸﻴﻮﻋﻴﺔ ﻭﺍﻻﺷﺘﺮﺍﻛﻴﺔ، ﺑﺎﺗﻮﺍ ﺍﻵﻥ ﻳﺼﻮﺗﻮﻥ ﻟﺼﺎﻟﺢ ﺍﻟﺠﺒﻬﺔ ﺍﻟﻘﻮﻣﻴﺔ المتطرفة ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺘﺮﺃﺳﻬﺎ ﻣﺎﺭﻱ ﻟﻮﺑﺎﻥ. ويشير فوكاياما إلى فشل النظام الليبرالي الأمريكي، حيث ﺍﻟﺤﺰﺏ ﺍﻟﺠﻤﻬﻮﺭﻱ ﻭﺍﻗﻌﺎ ﺗﺤﺖ وطأة هيمنة ﺍﻟﻤﺆﺳﺴﺎﺕ ﺍﻟﺘﺠﺎﺭﻳﺔ ﺍﻷﻣﺮﻳﻜﻴﺔ ﻭﺣﻠﻔﺎﺋﻬﺎ ﺍﻟﺬﻳﻦ جنوا ﺃﺭﺑﺎﺣﺎ طائلة ﻣﻦ ﺍﻟﻌﻮﻟﻤﺔ، بينما تحول ﺍﻟﺤﺰﺏ ﺍﻟﺪﻳﻤﻘﺮﺍﻃﻲ ﺇﻟﻰ ﺣﺰﺏ ﺍﻟﺴﻴﺎﺳﺎﺕ ﺍﻟﻤﺘﻌﻠﻘﺔ ﺑﺎﻟﻬﻮﻳﺔ وقضايا النسوية، والأمريكيين الأفارقة والذين من أصول لاتينية، والمدافعين عن البيئة، ومجتمع المثليين والمتحولين جنسيا. ويختتم فوكاياما حديثه بدعوة النخب التي أوجدت النظام الليبرالي ﺇﻟﻰ الإستماع ﺇﻟﻰ ﺍﻷﺻﻮﺍﺕ ﺍﻟﻐﺎﺿﺒﺔ ﺧﺎﺭﺝ ﺍﻟﺒﻮﺍﺑﺎﺕ، ﻭﺃﻥ ﺗﻔﻜﺮ ﺑﺎﻟﻤﺴﺎﻭﺍﺓ ﺍﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻴﺔ ﻭﺍﻟﻬﻮﻳﺔ ﻛﻘﻀﺎﻳﺎ ﺫﺍﺕ ﺃﻭﻟﻮﻳﺔ قصوى ﻳﻨﺒﻐﻲ ﺍﻟﺘﻄﺮﻕ ﻟﻬﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﺤﺎﻝ، محذرا من أن رئاسة ترامب سوف تؤذن ﺑﻨﻬﺎﻳﺔ ﺍﻟﻌﻬﺪ ﺍﻟﺬﻱ ﻛﺎﻧﺖ ﻓﻴﻪ ﺃﻣﺮﻳﻜﺎ ﺭﻣﺰﺍً للديمقراطية.
يوما بعد يوم، يكشف إنتهاء الحرب الباردة عن إفتقار المنظومة الفكرية والاقتصادية والاجتماعية لليبرالية إلى أي رؤية متسقة ومنطقية لإخراج البشرية من حالات التمزق والتنافس والتفاوت الصارخ في مستويات المعيشة وممارسة الحقوق والتمتع بالحريات الأساسية. وهذه المنظومة وضعت الرأسمالية على المحك كإطار لإدارة الموارد العالمية المادية والبشرية، لكن الرأسمالية فشلت في ذلك، مثلما فشلت في تحقيق آمال الشعوب في العدالة والحرية والديمقراطية، والتي كانت تعلقها على النظام الاشتراكي، ثم إنتقلت بها إلى الليبرالية وإقتصاد السوق بعد إنهياره. وفي واقع الحال، أبدا لم يؤدِ انتصار الرأسمالية الليبرالية إلى أي نتائج ملموسة فيما يتعلق بتحقيق التنمية الاقتصادية ودولة القانون والديمقراطية والمجتمع المدني وحقوق الإنسان. فلم يرَ العالم سوى الحروب الداخلية والخارجية المدمرة، التي لن تؤدي في النهاية إلا إلى الاستقطاب الاجتماعي في داخل الدول الوطنية، وحرمان الشعوب الأضعف من مواردها وثرواتها لمصلحة الدول الأقوى لزيادة فرص النمو فيها وتقوية حظوظها في حرب المنافسة الإقتصادية والإستراتيجية العالمية. وإذا استمر التناقض الخطير الراهن بين السوق العالمية والسوق الوطنية، فربما لن يكون هناك أي أمل في الحدِ من هذه الحروب وفي تقليص التنافس من أجل السيطرة على الموارد البشرية؛ وفي التنمية أو حتى الحفاظ على مستويات المعيشة الحالية في معظم بلدان العالم. خلاصة القول، وهو ذات ما عبر عنه فوكاياما في متن مقاله، أن النظام الليبرالي العالمي دخل في أزمة نبعت من داخله، وليس بسبب أي قوى خارجية. وعموما هذه القوى الخارجية غير موجودة، أو غير منظمة حتى الآن. وأعتقد أن فوكاياما ربما يستعد الآن لإعادة النظر في أطروحته عن توقف عجلة التاريخ ونهايتة عند النظام الليبرالي الرأسمالي!.
والأطروحات التي تضمنها خطاب الرئيس ترامب، أثارت العديد من التساؤلات، كما أن بعضها، وللمفارقة، يمثل نقاط إلتقاء معنا، وإن كنا لا نعرف «المستخبي».
مثلا، تحدث ترامب عن عدم قناعته بحلف الناتو، وهو الحلف الذي ظلت الشعوب المقهورة، والرافضة لسياسات الأحلاف العسكرية، تدعو لحله لأنه أداة تهديد بيد القوى العظمى. وإدعى ترامب أن إدارته غير مسؤولة عن حماية أي دولة أو أنظمة أخرى، ونحن نسأل «بسذاجة» هل هذا الأمر ينطبق على إسرائيل؟. ويقول ترامب إنه سيعمل على إزالة التطرف الإسلامي من الوجود. ونحن نوافق على إزالة أي تطرف، إسلامي أو غير إسلامي، ولكن هل سيعمل ترامب على لجم السياسات والمؤسسات الأمريكية التي صنعت وغذت هذا التطرف؟. ويقول ترامب أن أمريكا لن تشتري المنتجات والبضائع إلا من أمريكا، فهل سيبيع المنتجات الأمريكية للبلدان الأخرى وما يعنيه ذلك من اتفاقات ومعاهدات؟. ثم، وأهم من ذلك كله، هل سيتخلى ترامب عن مشروع «الشرق الأوسط الجديد»؟
٭ كاتب سوداني
د. الشفيع خضر سعيد