لم اختلف دارسو الأدب اختلافا بينا كبيرا مثل اختلافهم في تحديد وظيفة الأدب. ولعل النظرية الأدبية المعاصرة أكثر النظريات، في تاريخ الأدب، إظهارا لهذا الاختلاف واستيعابا لمذاهبه وتياراته التي اعتورت وجوده منذ بداية القرن العشرين إلى بداية الواحد والعشرين. وهي بداية صعبة لهذا الأدب، لأنها تضعه في منطقة (المابين) ـ منطقة بينية أشبه بالجسر المعلق في الهواء، الذي يفترض فيه وصل أوله بآخره، وجهتيه بقوته.
في منتصف الخمسينيات – من القرن العشرين- كان الاعتقاد الشائع الراسخ يرى للأدب وظيفة أساسا تتمثل في إيقاظ الرأي، وكان محبو الأدب يرددون هذا القول: «ما أرخص الأدب لو أنه كان مثل السياسة طريقا إلى اكتساب الثقة، لا.. إن الأدب طريق إلى إيقاظ الرأي». وهو قول يشف عن منظور متميز لسياسة الأدب (فكل ما نحياه مخضب بالسياسة) سياسة عميقة تنصب على فكر الإنسان – الذي يحتاج دوما إلى من يوقظه من سباته، والأدب يوقظ بقوة من القوى- لعله في منظور هؤلاء قوة الأدب ذاته، وإن كان تحديد هذه القوة وفهمها مما اختلف فيه أيضا اختلافا بينا، وإن كان هذا الاختلاف قد انقسم قسمين كبيرين: الأول يرى قوة الأدب في الفكر الذي ينتجه. والثاني يرى قوة الأدب في الفن الذي يؤسسه.
ولقد اشتهرت بين المهتمين تلك القسمة بين (المضمون) و(الشكل) مما لم يعد لها الآن أثر أو تأثير، فهي مما يندرج في تاريخ الأدب وتاريخ فكره. بيد أن الاختلاف لا يزال قائما في تحديد وظيفة الأدب، لأن جذوة الإيديولوجيات لم تنطفئ (ويبدو أنها لن تنطفئ)، لذلك نجد الكثيرين يخلطون بين الأدب والحياة الجارية خلطا مروعا، فينسبون إلى الأدب ما ليس فيه، ينسبون إليه تصوير الحياة القائمة كما هي ولو كان أساس تصويره الخيال، وهذا شطح نقدي في التفسير والتحليل لا مسوغ له. أما الذين يتحدثون عن الأدب باعتباره متعة أو لذة من متع وملذات الحياة، فإنهم لم يستطيعوا أن يحددوا للأدب وظيفة إلا الوظيفة الجمالية التي لا تتعدى التأثير الآني للحظة القراءة ليس إلا. لقد كانت للأدب دائما سياسة مرتبطة بنشأته (كأدب) وبتداوله (كنتاج فكري إنساني). فتفسير رواية، مثل «اللص والكلاب» لنجيب محفوظ أثارت من التأويلات والافتراضات ما جعلها تبدو في تفسير الكثيرين، كأنها (صك اتهام) للسياسة الاجتماعية القائمة في مصر (على عهد كتابة الرواية ونشرها)، خاصة أن نجيب محفوظ ساعد على الذهاب بقوة إلى هذا التفسير، عندما أكد أن كتابته هذه الرواية جاء ثمرة متابعاته اليومية، كسائر قراء الصحف المصرية، لحوادث الجرائم المروعة التي ارتكبها «سفاح الإسكندرية»، بيد أن الرواية حين كتابتها وصياغتها الفنية بالشكل الذي هي عليه بين أيدي جميع القراء، قد انفلتت من إسار الحادث الاجتماعي الذي ترتهن إليه في انبثاقها، إلى ما هو أبعد، بكلمة إن رواية «اللص والكلاب» اتخذت من حادث جزئي ذريعة لمعاينة ما هو (كلي)، لمحاكمة (السياسة الاجتماعية)، وكأن الرواية بذلك، وبحكم جماليتها الروائية تواجه عالما ضاريا ساريا في المجتمع، له من القوة الجبارة ما يهدد كيان أسر كثيرة، أتكون سياسة الرواية (الأدب) هي مواجهة السياسة الاجتماعية؟ أيستطيع الأدب بجمالياته أن يضاهي أعتى القوى السياسية القائمة؟ أتستطيع الرواية أن تحقق ما لم تحققه السياسة الاجتماعية؟ ليس يسيرا الجواب عن هذه الأسئلة.
إن خطر العودة إلى (الوظيفة القديمة) للأدب قائم، وهو خطر لن يزول إلا إذا قدمنا بديلا عنه سياسة جديدة للأدب، والنظرية الأدبية تحفل – الآن – بالأدب ذاته، أكثر مما تحفل بوظائفه، أيا كانت هذه الوظائف، وإن كان من غير المستساغ الاهتمام بالأدب دونما الاهتمام بما يقوم به، أو بما يمكن أن يقوم به، بل لعلنا، أكثر من أي وقت مضى، في حاجة إلى معرفة ما يمكن أن يقوم الأدب به، خاصة أننا في مرحلة- مفترق الطرق- لأننا نشرئب إلى عهد جديد من الحياة البشرية. تطورت فيه الحياة تطورا كبيرا سريعا لم تعرف البشرية، من قبل، ما يماثله من التطور والتغير والتجدد في المواقف والرؤى والقيم. إن عالما يتغير بسرعة في حاجة إلى فهمه بما يلائم من القوة لتمثل كل التحولات في الحياة وممارساتها، وفي النظر إلى هذه الحياة. لقد كان الأدب دوما صانعا الحياةَ، إنه ينبع من الحياة ليصب فيها، فكل ما يقوم به الأدباء من ابتكارات، وما ينجزونه من إبداعات خلاقة لا يراد بها إلا تجديد النظر إلى الحياة، بالكشف عما هي عليه وما يمكن أن تكون عليه. والحياة رغم ذلك، لا تحفل بمن يستوعبها في أي وعاء، لغة كان هذا الوعاء أو صورة أو رسما أو نحتا أو موسيقى وغيرها من أشكال الفن والتعبير الجمالي. إلا أن الأدب يراود الحياة بأقوى ما في الحياة الإنسانية، يراود اللغة الإنسانية فيطوعها في أوعائه وأشكاله الفنية الجمالية، وهو إذ يفعل ذلك إنما ليسوس الحياة ويظفر بها ويجعلها مما يخضع لسلطانه، وأي سلطان هو سلطان الأدب، إن أمما كثيرة تقدم نفسها لغيرها بتقديم أسماء كبار أدبائها، ها هم الإسبان يزدهون بثرفانتس مبدع رواية «الدون كيخوته) وها هم الألمان يفخرون بجوته صاحب التحفة النادرة «فاوست» والإنكليز بشكسبير «هاملت- الملك لير- مكبث». أما الفرنسيون فلا يكتفون بواحد منهم، فهم يقدمون، في كل مناسبة، بما يوائمها من أسماء، فإذا كانت ذكرى فلسفة التنوير وآدابها قدموا فولتير وروسو وديدرو، وإن كانت ذكرى التماع شرارة الحداثة افتخروا برائدها بودلير، وهكذا. والحضارة القائمة التي تحفل بالصنائع والمخترعات وآليات السيطرة على الطبيعة والإنسان لا تخفي خطورة الأدب وأهميته في الحياة العامة والثقافية للناس، ولذلك تراها تبتكر من الوسائل التقنية كل ما يجعل الأدب في متناول الجميع يهتم به اهتمامه بمختلف أنشطة الحياة. وإذا كانت للأدب هذه القيمة، فإنما استمدها من السياسة التي يمارسها في حياة الناس، فكل ما يعني الناس في معاشهم وثقافتهم ينطوي على سياسة، تقود هؤلاء الناس هذه الوجهة أو تلك، ولقد تطور الأدب في الحضارة القائمة، واستطاعت بعض أنواعه الظفر بامتياز السلطان الأول، ومن هذه الأنواع الرواية، التي يقرؤها الناس لإخصاب معرفتهم بالحياة وما يجري فيها من أحداث جسام، تروع العقول مثلما تروع القلوب، وليست الرواية وحدها التي تستطيع كشف حقائق الحياة، بل إن سائر الأنواع الأدبية المعاصرة تقوم بهذه الوظيفة خير قيام، لا يلزمها إلا أدباء أكفاء يعلون بما يكتبون العلو الجمالي اللازم لإشاعة القيم الجميلة الجديدة، التي صار الجميع يحتفي بها ويعيش على إيقاعها – الإيقاع السريع للحياة المعاصرة، ولو شئنا معرفة سر حظوة الرواية، عند عامة القراء، لألفيناها في ذاك الامتداد أو الإيقاع الذي تقوم عليه، والذي يجعلها مهمة بالنسبة إلى القارئ المعاصر، وبتطور آليات القراءة تتطور الرواية، وإن كان هذا التطور مما يزيدها قوة ووهجا جماليا.
والأدب في كليته، هو ما يرافق الإنسان في تعلمه أبجدية الحياة، وما يساير تطور الإنسان في عيش الحياة وفي ممارستها، وفي ذاك تكمن خطورته. وهذا ما جعل رضوان ظاظا يقول في مقدمة ترجمة كتاب «سياسة الأدب» للفرنسي جاك رانسيير: «فالسياسة، بحسب رأيه، ليست صراعا على السلطة فحسب، بل هي (تقسيم العالم المحسوس) ومواجهة حول أساليب رؤية الواقع وتنظيمه». والأدب يمارس سياسته، أيضا، في صوغه الحياة التي نحياها في هذا الكون، وفق رؤى فكرية وجمالية تختلف باختلاف إحساسنا بالعالم (المحسوس)، ولهذا تتعدد الآداب بتعدد الأدباء، وإن كانت آداب الأمم كلها تنتظمها رؤى كبرى، هي التي يصح وسمها بسياسة أدب أمة من الأمم. ولقد أضحى الأدب بهذا المعنى، مما يمكن التعويل عليه في خوض صراع (البقاء) في هذا الكون، وهذه الحياة. ولقد استطاعت الآداب دوما، الرقي بالشعوب وتوجيهها الوجهة الظافرة، وكان التنويريون العرب، على عهد ما يعرف باسم النهضة، يعولون على الآداب في التغيير والتحرير، وتحقق من أحلامهم ما تحقق، ونحن، الآن، في حاجة إلى معرفة تجليات التنوير في الرواية والقصة القصيرة والشعر والمسرح وغيرها من فنون الآداب، لأننا نستطيع تحقيق أفقنا التنويري الجديد بتجديد النظر إلى الأدب العربي، قديمه وحديثه، واعتماده في التأسيس لحياة جديدة، مفروضة علينا، في هذا النظام الجديد الذي تمخضت عنه الحياة الإنسانية المعاصرة، ما زلنا في حاجة إلى التنوير لأننا لم نحققه، رغم صيحات ونداءات الكثير من أدبائنا ماضيا وحاضرا، وليس حلما أن نرفع صيحاتنا من أجل تحقيق التنوير، لأن هذا التنوير واقع ملزم لنا. وقد لا يتحقق التنوير بطريق الطفرة أو الفورة، ولكنه سيتحقق لأنه ملزم للحياة الإنسانية القائمة، فالخيارات أضحت نادرة، وإن لم تكن الحتمية كاملة أو حادة، ولكن أفق الحضارة القائم، مغلق على خيارات لا محيد عنها، وبأقل من ذلك هو مشرع على خيارات نادرة ندرة الأدب الذي يسوس أمما بكاملها، ومع ذلك فإن ما يبقى، ما يدوم، يؤسسه الأدب: وهذه هي سياسة الأدب.
٭ قاص وناقد مغربي
عبداللطيف الزكري