إسطنبول ـ «القدس العربي»: يتصاعد الجدل في تركيا مع تأكيد وسائل إعلام معارضة على أن منهاج التعليم الجديد الذي يتم تغييره وإعادة كتابته من جديد يُقلص من الدروس التي تتحدث عن سيرة وقيم مؤسس الجمهورية التركية مصطفى كمال أتاتورك، إلى جانب إضافة دروس تتعلق بتعريف «الجهاد» وأخرى تتعلق بانتصارات الجيش العثماني.
وبينما تقول الحكومة إن تغيير المنهاج يأتي في إطار عملية واسعة للارتقاء بالتعليم وتطويره تقول المعارضة العلمانية واليسارية إن المنهاج الجديد الذي تقوم وزارة التعليم الوطني بإعداده يهدف إلى إحداث تغيير فكري واجتماعي لدى الأجيال الجديدة ويركز على إضعاف علمانية المجتمع وإضفاء الصبغة الإسلامية عليه.
ويرفض الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وحزب العدالة والتنمية الحاكم في البلاد منذ 14 عاماً الاتهامات لهم بالسعي لـ«أسلمة المجتمع» بالقول إن 99 ٪ من الشعب التركي هو مسلم ولا يصح إطلاق هذا الوصف على مجتمع غالبيته المطلقة هي من المسلمين بالأصل.
وتعمل وزارة التعليم منذ فترة طويلة على إحداث عملية تغيير واسعة في المنهاج التعليمي لكافة المراحل سوف يبدأ تطبيقه تدريجياً العام المقبل، وتقول الوزارة إن الهدف من ذلك تحسين نوعية التعليم وحذف الكثير من «الحشو غير اللازم والتركيز على ما يفيد الحياة العملية للطالب».
لكن حذف «الحشو» طال، حسب المعارضة، المواضيع التي تتحدث عن حياة وتاريخ و«بطولات» أتاتورك الذي يأخذ حيزاً واسعاً من منهاج التعليم خاصة في المراحل الابتدائية الأساسية ويعتبر المساس بقيمه بمثابة «خط أحمر» للمعارضة العلمانية التي أسسها الزعيم الراحل.
ويرى مراقبون أن هذه الإجراءات تساهم في إضعاف «قدسية» أتاتورك في المجتمع ولدى الأجيال الجديدة.
ويبدو أن 14 عاماً من حكم حزب العدالة والتنمية ـ المحافظ ـ غيرت من مبادئ الدولة وتوجهات المجتمع، فبعد أن كان مجرد حديث الرئيس عن علمانية الدولة أو المساس بأتاتورك تهمة تستوجب حد الإعدام بات الأمر ممكناً وقابل للنقاش والتطبيق.
وحسب تقرير نشرته صحيفة «جمهورييت» المعارضة فإن المنهاج الجديد يحتوي في مادة «التربية والدين والأخلاق» للصف السابع على تعريف «الجهاد في سبيل الله» و«الاستشهاد» وبعض التعريفات الإسلامية فيما تم حذف الكثير من البنود المرتبطة بالعلمانية.
وعمل أردوغان خلال السنوات الأخيرة على إعادة إحياء ودعم وتوسيع ما يعرف بـ»مدارس إمام خطيب» الدينية والتي درس فيها خلال طفولته بمدينة طرابزون على البحر الأسود. وبعد أن تقلص عدد طلاب هذه المدارس إلى عشرات الآلاف نتيجة التضييق في السابق، تمكن أردوغان من رفع عدد طلابها مجدداً إلى أكثر من مليون طالب.
كما تم إضافة دروس تتحدث عن «انتصارات الدولة العثمانية» لا سيما معركة «كوت العمارة» التي جرت بين الجيش العثماني والإنكليزي في العراق في الحرب العالمية الأولى وانتصر فيها العثمانيون بعد حصار طويل استسلم في نهايته الجيش البريطاني. كما سيُعاد الاحتفال بهذه المناسبة في المدارس بعد أن تم إلغائها منذ عشرات السنوات بضغط من المملكة المتحدة.
أردوغان الذي شارك في حفل ضخم بمناسبة الذكرى الأولى للمعركة واعتبرها «صفحة مضيئة في التاريخ العثماني، ومثالا للوحدة بين الأمة الإسلامية»، قال: «ميراث وتقاليد الدولة العثمانية التي ورثها الأتراك، متناثرة في منطقة جغرافية كبيرة منذ ألفين و200 عام».
وفي سياق عدم رضاه عن مواد التاريخ التي تدرس في المدارس التركية، عبّر أردوغان، عن انتقاده لتلك المواد بشكلها الحالي، مضيفًا: «من المؤسف، أننا أعددنا تاريخنا الرسمي لسنوات، بالشكل الذي أراده البريطانيون»، مضيفاً: «مناهج كتب التاريخ في تركيا، ناقصة»، مشدداً على أن «الذين يشرحون التاريخ التركي القديم، وينتقلون مباشرة إلى تاريخ الجمهورية، متجنبين، ذكر تاريخ حقبة زمنية استمرت 600 عام (في إشارة إلى الدولة العثمانية)، هم أعداء لنا».
وإلى جانب ذلك، حذفت من المنهاج التعليمي الجديد الدروس المتعلقة بنظرية «التطور» للبريطاني «تشارلز دارون» بعد جدل طويل حول واقعيتها ومدى توافقها مع العلم، بالإضافة إلى اعتبارات أخرى تقول إنها «تتعارض مع الدين الإسلامي»، وهو ما عارضه العلمانيون.
ويركز المنهاج الجديد أيضاً على شرح محاولة الانقلاب الفاشلة التي شهدتها البلاد في الخامس عشر من يوليو/ تموز الماضي والتي كانت تهدف إلى الإطاحة بحكم العدالة والتنمية والرئيس أردوغان، ويتم شرح المحاولة من باب «الدفاع عن الديمقراطية في البلاد».
وقبل أشهر دخلت البلاد في حالة واسعة من الجدل والاحتقان عقب تصريحات لرئيس البرلمان التركي إسماعيل كهرمان قال فيها إن الدستور الجديد سيكون على أساس ديني وخال من العلمانية، الأمر الذي أثار شريحة واسعة من الشعب التركي، ورفعت شعارات «تركيا علمانية» و«العلمانية ستنتصر» و«لا لدستور شريعة».
وبدأ ترسيخ العلمانية في تركيا عقب تأسيس مصطفى كمال أتاتورك الجمهورية عام 1923، وفي تعديل دستور عام 1924 تم إزالة عبارة «دين الدولة هو الإسلام»، وبنيت العلمانية في تركيا على ما يعرف بـ«الأيديولوجية الكمالية»، وترد صفة العلمانية صراحة في المادية الثانية من الدستور التركي.
إسماعيل جمال