معالجة التطرف سياسيا وفكريا

حجم الخط
1

تصور أن العالم استيقظ على خبر اختفاء تنظيم الدولة من على الخارطتين الاقليمية والدولية. فهل سيتحقق السلام والامن وتقل الاعمال الإرهابية والقتل والدمار؟ هل بالفعل يمكن تحقيق ذلك؟ ولماذا فشلت كل الجهود الدولية والاقليمية حتى الآن في هذا الخصوص. هناك 68 دولة ضمن التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة ضد التنظيم وهناك تحالف اسلامي بقيادة السعودية يعمل على تحقيق نفس الهدف.
هناك قرارات دولية من قبل مجلس الامن ضد التنظيم ومحاولة تجفيف منابع تمويله. اصبح التنظيم محظورا في دول كثيرة. هناك ضربات موجعة للتنظيم في كل من الموصل والرقة وقد فقد التنظيم العديد من قياداته. ماهو المطلوب للقضاء على هذا التنظيم الذي يؤرق القوى الكبرى والصغرى؟
نهاية التنظيم هي حلم يراود البعض وأمل يرنو اليه آخرون وهدف يسعى اليه كثيرون.
صرح رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي أن القضاء على التنظيم في الموصل سيستغرق أشهرا ولكن مضى حتى الآن أكثر من شهرين ولم يحدث ذلك. والاقرب إلى الواقع هو عدم القدرة على تحديد وقت معين للقضاء على التنظيم في الموصل ناهيك عن الرقة. فقد ذكر لي الكولونيل جون دوريان المتحدث باسم قوات التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة ضد التنظيم والذي يضم 68 دولة في مقابلة خاصة أنه لا يمكن تحديد جدول زمني للقضاء على التنظيم عسكريا في الموصل نتيجة استعدادات التنظيم الكبيرة من خلال حفر الانفاق وزرع الالغام واستخدام المدنيين كدروع بشرية، وهو ما يصعب مهمة استعادة الموصل.
يضاف إلى ذلك مظالم العرب السنة في العراق التي عانوا منها على يد نور المالكي رئيس الوزراء العراقي السابق وكذلك عدم ثقة السنة في رئيس الوزراء الحالي في انصافهم. واذا انتقلنا إلى الرقة، فهناك ضربات جوية للتحالف ضد التنظيم في الرقة ومحاولة حصارها ولكن حتى الآن لايزال التنظيم باقيا في الرقة. تجدر الاشارة إلى تراجع التنظيم وعدم تمدده حسب شعاره «يبقى ويتمدد» نتيجة العمليات التي يقوم بها التحالف، ولكن قد يأخذ الامر أكثر من سنة للقضاء عسكريا على التنظيم في الرقة والموصل.
اذا كان القضاء عسكريا على التنظيم يمكن أن يتحقق خلال سنوات، فان التخلص منه ايديولوجيا قد يحتاج إلى عقود.
لقد نجح التنظيم في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لتجنيد آخرين وجلب أموال ونشر الكراهية. إن الجهاديين الذين قدموا من البلدان الغربية والذين قدرتهم اجهزة الاستخبارات بالآلاف يؤمنون بايديولوجية التنظيم في مواجهة ما يرونه هجوما على الإسلام والمسلمين من قبل الولايات المتحدة والدول الغربية واسرائيل في الشرق الاوسط. ويجب مواجهة الايديولوجية بايديولوجية مغايرة وليس بالسلاح فقط. ان التحالف وغاراته الجوية على مواقع التنظيم قد قتلت عددا من قياداته واوقفت تمدده، ولكن العمل العسكري لا يمكنه القضاء عليه. ومن هنا يحتاج الامر إلى حزمة متكاملة. ويجب أن تشمل تلك الحزمة الجوانب العسكرية والسياسية والفكرية وكلما تأخر عنصر عن العمل طال أمد بقاء التنظيم.
هناك برامج في بعض البلدان الغربية مثل «القناة» في بريطانيا و«الحياة» في ألمانيا لمعالجة التطرف قبل أن ينقلب إرهاباً. ولكن نجاح تلك البرامج محدود لأسباب منها قلة من ينخرط في تلك البرامج، وتخوف المنظمات الإسلامية من تلك البرامج باعتبارها تحت رعاية الحكومات وغيرها.
وتتبع اجهزة الاستخبارات المولجة بالرقابة على المساجد في ألمانيا المتطرفين، ولكن قوانين تلك الدول بها الكثير من الثغرات التي تمكن بعض هؤلاء من التحرك بحرية دون وضعهم في السجون وحماية المجتمعات من أفكارهم التي تحمل الكراهية والعنف مثل أبوقتادة وحتى وقت قريب أنجم شودري. يضاف إلى ذلك المدارس التي تدرس الأطفال مناهج تحض على كراهية الآخرين واعتبار غير المسلمين كفارا مثل المدارس التي تدرس اللغة العربية ايام العطلات الاسبوعية في بريطانيا ولا توجد رقابة عليها.
أعتقد انه على الجاليات المسلمة والقيادات الإسلامية في الشرق الاوسط والغرب مسؤولية كبيرة لمواجهة خطر ايديولوجية التنظيم مثل مؤسسة الازهر والبرلمانيين المسلمين في دول أوروبا وأئمة المساجد. والتعاون بين الحكومات في تلك البلدان وتلك القيادات الدينية يمكن أن يسفر عن استراتيجية واضحة لتجفيف منابع التجنيد لذلك التنظيم الذي سفك دماء الابرياء ولايزال دون الاعتبار أن الله هو الذي خلق الانسان ولا يجب قتله.

خبير في شؤون الجماعات الإسلامية

معالجة التطرف سياسيا وفكريا

د. سعيد جوهر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية