تواترت الإدانات العالمية من كل حدب وصوب للهجوم الذي تعرّض له مسجد في محافظة كيبيك الكندية وأدّى إلى مقتل ستة وجرح ثمانية، ولكنّ تصريح رئيس وزراء كندا كان مدهشاً في وضوح وبيانه حين قال إن الهجوم إرهاب على المسلمين، وهو أمر لم يعتد المسلمون، الذين يوصفون مع كل مطلع شمس ومغربها بالإرهاب، وينكّل بهم في المطارات، ويمنع 220 مليونا منهم من الدخول إلى الولايات المتحدة الأمريكية في قرار فريد في فظاظته وشموليته وغبائه.
وبعد أن ذكرت وسائل الإعلام أن الهجوم نفذه كنديان، وأن أحدهما من أصل مغربي يدعى محمد خضير، أكدت الأنباء لاحقاً أن المشتبه به الرئيسي هو ألكسندر بيسونيت، وقد قام المذكور بالاتصال بالشرطة بعد تنفيذ الاعتداء وقام بتسليم نفسه، وقالت الأنباء إن المشتبه به طالب في جامعة قريبة يدرس العلوم السياسية!
من الصعب التأكد، قبل إجراء التحقيقات الرسمية، من الدوافع المباشرة للهجوم على المركز الثقافي الإسلامي في المدينة الكندية ولكن الجوّ العام الذي يحيط بالكرة الأرضية والذي يتعلّق بالمسلمين، وكون الهدف المهاجم مسجدا ومصلّين مسلمين كانوا فيه، واستخدام السلاح الناريّ الذي يهدف للقتل، كلّها عناصر تربط الحدث بالتحريض السياسي والإعلامي الكبير الذي يتوجّه، من دون مواربة، باتجاه المسلمين في العالم.
إن لما يحصل حاليّاً في العالم جذورا عميقة ضاربة في تاريخ العلاقة بين المسلمين، من سكان ما يسمى الشرق الأوسط، وتتغذّى على أحداث كبرى فعلت فعلها ليس في السياسات الراهنة وحسب، بل في مخيال ومعتنقي الأديان السماوية التي نشأت في المنطقة.
في نواة هذا المخيال المعقّد والمتشابك تقبع حروب الفرنجة للاستيلاء على فلسطين والمشرق العربي والتي سمّاها الغرب بالحروب الصليبية، وكذلك حروب استعادة الأندلس من المسلمين، وإسقاط العثمانيين للامبراطورية الرومانية الشرقية (بيزنطة) ونفوذهم في البحر المتوسط ووسط أوروبا الذي أوصلهم مرتين إلى أسوار فيينا، وهو مسلسل استمر مع احتلال فرنسا للجزائر وبلدان المغرب، وسوريا ولبنان، واحتلال بريطانيا لفلسطين ومصر والعراق، وانتهاء بالانتداب الإنكليزي الذي أفضى لنشوء إسرائيل على أرض فلسطين التاريخية وما استتبعه من حروب لا تنتهي تقبع في جذرها، ولدى كل الأطراف، كل الاشتباكات التاريخية والدينية والسياسية التي حصلت خلال أكثر من ألفي عام، ويجد المتديّنون وغير المتدينين فيها أسباباً ومعاني قديمة ومستجدة لكل ما يحصل.
وقد قدّم استقرار الاستبداد العربيّ، العسكريّ منه الذي يدّعي التقدمية والاشتراكية ويبطن تغوّلاً وحشياً مذهلاً ضد شعبه، أو المحافظ الذي يلتحف بالشريعة ويحاول تدوير الزوايا بين الحداثة والاعتدال، مع نزعات الغرب المستمرة لإعادة الاستعمار واجتياح بلدان جديدة بدعوى مكافحة الإرهاب، ودعم الاستيطان الصهيوني في فلسطين، والتحالف القارّ مع أنظمة القمع، وصفة مذهلة لرفع درجة التوتّر العالي بين الثقافات والأديان والحضارات، وجعل كلمة الإرهاب تتناظر، لدى الأنظمة والغرب، من دون مواربة، مع الإسلام نفسه، يقابله، لدى اتجاهات كـ«الدولة الإسلامية» و«القاعدة» لشيطنة الغرب بأكمله، واستعداء تياراته الديمقراطية والقيم الإنسانية العميقة التي حملها، وجعله «صليبيا» و«كافرا»، وامتدّ هذا التعميم إلى الجسد الإسلاميّ نفسه، فصار السيف ذا حدّين، الأول ترفعه الاتجاهات العنصرية الغربية، ويشيطن المسلمين ويجعلهم إرهابيين بدون استثناء، والثاني ترفعه الاتجاهات الجهادية المتطرفة، ويشيطن الغرب وأي شبهة للعلاقة معه، سياسيا واجتماعيا واقتصاديا.
وجد هذا الصراع المجنون ضالّته الكبرى في أشخاص مثل ترامب وبوتين والاتجاهات والشخصيات العنصرية في الغرب كمارين لوبان وخيرت فيلدرز، من جهتهم، وأقطاب الطغيان والاستبداد السياسي والديني والطائفي كالأسد والسيسي ونوري المالكي والبغدادي، من جهتنا، وهذا الهجوم على المسجد في كندا ليس إلا إنجازاً من إنجازات هؤلاء وشرارة من نيرانهم التي لن تتوقف إذا بقي العالم على ما هو عليه الآن.
رأي القدس